من بواكير التعليم الاهلي في العراق.. مكتب الترقي الجعفري العثماني (المدرسة الجعفرية)

من بواكير التعليم الاهلي في العراق.. مكتب الترقي الجعفري العثماني (المدرسة الجعفرية)

د. وسام هادي عكار التميمي
إذا أردنا الحديث عن تاريخ مدرسة مكتب الترقي الجعفري العثماني، فيجب أن نعود بالذاكرة إلى مطلع القرن العشرين، إذ بدأ يدب الوعي السياسي والاجتماعي والثقافي في العراق كغيره من البلاد التي كانتْ خاضعة لنفوذ الإمبراطورية العثمانية ومحرومة من أسباب النهضة الحديثة، بفعل تبني العثمانيين في سياستهم مبدأ (فرّق تسدّ) بين سكان العراق أنفسهم،

 فقد كانت تتعصب ضد أبناء الطائفة الشيعية في مختلف المجالات، كان من أبسطها حرمانهم من الاستفادة من المدارس التي أنشأتها السُلطات العثمانية، لكي لا يطمعوا بعد ذلك بالوظائف الحكومية، إلى جانب ذلك كان الشيعة أنفسهم يحرمون المدارس العثمانية الحديثة ويعتبرونها مفسدة للدين والأخلاق.

على أثر الانقلاب العثماني عام 1908، حصل تبدل في نظرة الدولة نحو الشيعة، الذين توقعوا أن تنعم طائفتهم بالحرية في ظل الدستور، كما كانت تأمل الطوائف الأخرى ذلك. وبدافع من تلك الآمال سعت مجموعة متنورة من الشيعة إلى الحصول على اجازة لتأسيس مدرسة لتعليم الأولاد، وكان في مقدمتهم (جعفر ابو التمن) (علي البازركان)، ومهدي الخياط ورؤوف القطان.
ومما نبه تلك المجموعة إلى أهمية ذلك المشروع، هو أن هناك بعض المدارس اليهودية، كانت تخرّج سنوياً عدد من اليهود يقومون بدور كتّاب لدى التجار المسلمين، وقد أصبحوا بحكم معرفتهم المراسلات باللغات الأجنبية واطلاعهم على أسرار التجارة، وقد تعدى الأمر إلى سيطرتهم في بعض الأحيان على المحلات التجارية من أيدي المسلمين.
ولتأسيس تلك المدرسة قصة طريفة ولكن مهمة، لأنها تكشف لنا صورة من صور تأريخ التعليم الأهلي في تلك المدة. وملخصها أن الحاج سلمان أبو التمن استورد سماورات، جميلة الشكل، وقد نفدت من السوق، وأن احد أصدقاء علي البازركان قد طلب منه أن يشتري له سماور من الحاج سلمان، ولما طلب البازركان ذلك من الحاج سلمان اعتذر الأخير لنفادها، ولما علم أنها مطلوبة في السوق أوعز إلى كاتبه اليهودي (شميل سوميخ) أن يكتب له برقية إلى روسيا القيصرية لطلب كمية منها، فحرر الكاتب اليهودي البرقية، وبعد مدة شاهد علي البازركان سماورات من نفس النوع في محل آخر، فعاتب الحاج سلمان على عدم بيعها له، فدهش الأخير وذهب ليتأكد من وجودها في ذلك المحل، فلما شاهد الحاج سلمان سأل صاحب المحل عن مصدرها، فأخبره عن شرائها من أحد اليهود. فتأثر الحاج سلمان من خيانة كاتبه اليهودي الذي أخفى البرقية وطلب من أحد التجار اليهود أن يستورد ذلك النوع. ومن تلك الحادثة استطاع علي البازركان أن ينبه الحاج سلمان إلى ضرورة إعداد شباب من المسلمين يتقنون اللغات الأجنبية لاتخاذهم كتاباً وكاتمي أسرار تجارتهم، ولا يكون ذلك إلا عن طريق فتح مدرسة، ولكن الحاج سلمان أوضح لعلي البازركان، إن ذلك المشروع سوف يلاقي المعارضة من الناس الذين يعتبرون ذلك العمل من باب الكفر.
ولما كانت الفكرة تحتاج إلى المال فقد استطاع جعفر أبو التمن من أقناع أبيهِ على تبني الفكرة، وقام بدعوة عدد من الشخصيات للحضور إلى دار ولده الحاج داود، في الثامن من تشرين الثاني 1908، وكان من جملة الحضور علي البازركان، مهدي الخاصكي، عبد الكريم حيدر، السيد علي مهدي البغدادي، الحاج حسن الشهرباني، الحاج داود أبو التمن، الحاج سلمان أبو التمن، والشيخ شكر الله أحد علماء الدين الشيعة في بغداد، وقرر هؤلاء تأسيس مدرسة وكونوا هيأة مؤسسة لها، وانتخبوا الشيخ شكر الله رئيساً للهيأة وجعفر أبو التمن أميناً للصندوق، وأخذوا يجمعون الإعانات لتأسيس تلك المدرسة.
قررت الهيأة المؤسسة إرسال كُلٍ من علي البازركان وجعفر أبو التمن لتقديم عريضة إلى والي بغداد(عبد الله باشا) يطلبون فيها السماح بفتح مدرسة باسم(مكتب الترقي الجعفري العثماني)، وقد جرت مناقشة بين مقدمي الطلب والوالي حول سبب فتح المدرسة مع وجود مدارس حكومية وعن سبب تسميتها بالجعفرية، إذ طلب الوالي حذف اسم الجعفرية من اسم المدرسة، ولكن أجابه علي البازركان لا يوجد جعفري في المدارس الحكومية، بينما أصر جعفر ابو التمن على الاسم، وافهم الوالي أن الغاية من التسمية لم تكن لنعرة طائفية، ولكن تأسيس المدارس الأهلية فكرة حديثة لا تجذب الناس، فالقصد من الاسم أن يشعر أبناء المذهب الجعفري أن المدرسة منهم واليهم فُيقبلونَ على إرسال أولادهم أليها، فأقتنع الوالي ووافق على أجازة المدرسة.
أُعِدَ للمدرسة دار تقع بالقرب من مسجد الحاج داود أبو التمن وتم تأثيثها، وكانت تلك الدار قد استؤجرت لمدة عامين، ودفع بدل الإيجار الحاج سلمان أبو التمن من ماله الخاص، وجرى افتتاح المدرسة في الثاني عشر من كانون الأول 1908، باحتفال كبير، كان عدد الطلاب الذين سجلوا عند افتتاحها نحو (300) طالب توزعوا على مختلف مراحل الدراسة التي احتوتها المدرسة من (روضة وابتدائية ورشدية) لتعليم ألاميين مبادئ القراءة والكتابة، وتعليم الحساب واللغات التركية والفرنسية لمن يعرف القراءة، أما إدارة المدرسة فقد كانت بعهدة الشيخ شكر الله وعلي البارزكان معاوناً له، وجعفر أبو التمن أميناً للصندوق للمدرسة.
سعى جعفر أبو التمن لإقناع أبناء الطائفة الجعفرية الدخول إلى المدرسة، بالنظر لموقف تلك الطائفة إلى المدارس وتحريمها، فقد استطاع جعفر ابو التمن بما بذله من جهد الاتصال بعلماء الدين في كربلاء والنجف، للحصول منهم على فتاوى تحث على الإقبال على التعليم في المدرسة، إذ نشر رسالة بعنوان(فتوى بجواز دخول الجعفريين المكاتب للتعليم) جاء فيها :"جواز دخول أولاد الجعفرية إلى المكاتب لتعليم العلوم والمعارف واللغات المختلفة التي تمس الحاجة إلى تعليمها، وتقضي الضرورة بعدم جهلها مع التحفظ على القواعد الإسلامية...لذا إن علماء الإسلام المجتهدين في النجف وكربلاء دفعاً للشبهة الواقعة في أذهان الجهلة قد كتبوا لعموم الجعفرية يحثونهم ويشوقونهم على تأسيس وتشييد هكذا مكاتب، حاوية للشروط المتقدمة وذكروا أن ذلك أفضل الإعمال الخيرية".
سارت المدرسة منذ ذلك التأريخ باندفاع، غير إن نشوب الحرب العالمية الأولى عام 1914، سبب بعض الفتور فيها، رغم ذلك تخرج من (المدرسة الجعفرية)، عدد كبير من الرجال الذين تولوا المناصب العليا في المملكة العراقية.
تأسيساً على ما تقدم، تُعد مدرسة مكتب الترقي الجعفري العثماني(الجعفرية) أول مدرسة أهلية (وطنية) غير رسمية في تأريخ بغداد الحديث، استهدف مؤسسوها من إنشائها سد ثغرة خطيرة في ثقافة الشعب، إيمانا منهم بان الثقافة الصحيحة هي الأداة الناجحة لحماية الوحدة الوطنية وتأكيدها. فكان من الطبيعي إن تصطدم هذه الفكرة بجملة من العقبات لدى الكثير من الناس ذوي الاتجاهات المُحافظة والتقليدية، فضلاً عن تخوف السلطة العثمانية من تقاطعها مع سياسة التتريك القائمة وقتذاك.  لذلك ظلتْ المدرسة الجعفرية منذ تأسيسها، تسير على النهج المرسوم لها وتؤدي رسالتها في حدود إمكانياتها المتوفرة، كما كانتْ مركزاً وطنياً مهماً منذ تأسيس الحُكم الوطني في العراق.