جمولي يتذكر : في نادي الاعظمية ذاع صيتي وفي ملعب الكشافة وجدت جمهوري

جمولي يتذكر : في نادي الاعظمية ذاع صيتي وفي ملعب الكشافة وجدت جمهوري

يذكر اللاعب الدولي جميل عباس رحمه الله في ذكرياته عن بداياته الاولى :
دخلت مع صبية الحارة إلى (الملا) وكان أسمه سيد حيدر , لا أحبه ولا أحب تعليمه ومضيت أهرب منه حتى ألعب في ساحة الكشافة أو المنطقة القريبة لبيت أولاد العمري. في البداية تميزت عن زملائي بالضربة القوية والركض السريع وأنا حافي القدمين في اللعب , كنت لا أطيق لبس الحذاء حيث إنه يضايقني حتى في المشي ,

 ومرت الأيام وانتقلنا إلى شارع الزهاوي بعد أن تعاون أبي مع عمي وتم نقلنا من منطقة خان الحاج محسن , وبذلك اقتربت إلى ملعب الكشافة وإلى زملاء الطفولة أولاد العمري... ومن هنا تبدأ قصتي ورحلتي مع كرة القدم..

في البداية اتفقنا على صناعة كرة من الورق (ومربوطة) بقماش متين ولكن سرعان ما كانت تتمزق ونصنع غيرها وهكذا , ثم تطور الحال وأخذنا نصنع كرة القماش التي توضع داخل (فردة جوارب) إلى أن وصلت الرغبة عند أولاد العمري أن يشتروا لنا تجهيزات رياضية وملابس ومنها الكرة الصغيرة التي تستعمل للتنس اليوم.. أول لقب حصلت عليه من أقراني كان لقب (الطيارة) وهذا اللقب جاء بسبب سرعتي بالجري مع الكرة وبدونها.. وذات يوم جاء الملا السيد حيدر يشكو لأهلي انقطاعي عنه وحصلت في حينها على توبيخ من أمي وعلقة من أبي واتفقنا على أن لا أغيب عن الملا.. ولكن حب الكرة ملك كل جوانحي مما جعلني لا أبر بوعدي وساقتني قدماي لملعب الكشافة من غير أن أشعر!! وأخذ السيد حيدر يراقبني إلى درجة إنه تسلل في أحد الأيام من على جدار ملعب الكشافة للجهة المحاذية لمنطقة الكسرة ودخل الملعب , وما أن رأيته هربت من خوفي وتركت (الدشداشة) التي كنا نصنع منها عوارض للهدف ولم أقف إلا عند باب المعظم أمام متوسطة الغربية وأنا بالفانيلة والسروال القصير!! فأخذ الملا الدشداشة وذهب بها إلى البيت ليؤكد لهم مخالفتي وهروبي من دروسه وتعاليمه
 مرت السنون وحان موعد الدخول إلى المدرسة وتم قبولي بمدرسة العسكري الابتدائية عن ميلاد سجل خطأ بزيادة سنتين بينما سن ولادتي في الأصل هي سنة 1927.. وطبعا دخلت المدرسة وأنا لاعب معروف على مستوى الأزقة والحارات المتداخلة فيما بينها في ذلك الوقت , ولم ألعب لفريق المدرسة في البداية خوفا من أهلي ولكي لا تضيع السنون كما ضاعت عند (الملا) السيد حيدر, ولم يطل بي الوقت حتى أجبرني معلم الرياضة باللعب مع مع فريق المدرسة , وجاءت مشكلة الحذاء فأنا لا أتمكن من ارتدائه ولا يجوز اللعب بدون حذاء مع فرق المدارس فأضطر معلم الرياضة أن يشتري لي حذاء مصنوعا من القماش (يشبه الكيوة القديمة) ولعبت في فريق المدرسة بهذا الحذاء , أما في محلتي فلعبت بدونه وعندما كنت أعود إلى البيت كنت أغطي قدمي بملابسي لكي لا يكتشف أهلي الجروح والكدمات التي تصيبني جراء اللعب بدون حذاء , ولكنني لم أبال يوما بها ولم أشك لأحد آلامها.. لعبت بمركز خارج يسار في المدرسة وتميزت باللعب الجيد وازدادت سرعتي وتطورت موهبتي وباتت كرة القدم تتحكم بكل تصرفاتي حتى صرت أدخل ملعب الكشافة ولا أخرج منه حتى غروب الشمس وأحيانا نلعب في الظلام , ولولا الحارس الليلي وصرامته لبقينا حتى منتصف الليل في الملعب.
 كان أهلي يبدون اهتماما زائدا بأخي مسعود لأنه (شاطر) ولا يرسب في الامتحانات , وكنت أعاني من هذا الحب والاهتمام به لكن حب الكرة جعلني لا أبالي بحب غيرها فهي الغادة الحسناء التي لا أشكو جراحها..
 في منطقة الكسرة برز حميد جبر وزوده وهما اللاعبان اللذان لا يحسنا ارتداء حذاء اللعب أيضا فانضممت إليهما وكنا نسمى ب (حفاة الكسرة)!! ومن قوة أقدامنا تعلمنا الضربة القوية المتقنة وكانت بعض الفرق المعروفة في ذلك الوقت يطلبون منا أن نقف خلف الهدف حتى نعيد الكرات إلى الملعب.. كانت السعادة تغمرني تماما عندما يتدرب فريق القوة الجوية وغالبا ما أتبرع بالوقوف خلف الهدف لأعيد لهم الكرات.. وفي أحد الأيام أقترب مني الملازم معروف ضابط ألعاب القوة الجوية وهو لاعب في الفريق أيضا وعرض عليّ فكرة اللعب معهم مقابل مخصصات نقدية لأنه أعجب كثيرا بقوة ضربتي وطريقة توجيهها , لكنني رفضت على الرغم من ضيق اليد وأتساع حجم عائلتنا , والوالد بلا معين في حين كنت أقتل الوقت باللعب , حتى بالمدرسة توقفت عند الصف السادس إلى أن جاء موعد سوقي للخدمة العسكرية!! لكن والدي باع معظم حاجيات البيت ليدفع لي البدل النقدي , وهكذا أعفيت من الخدمة العسكرية لكنني لم أستفد من فرصة معاونة أبي وذهبت ثانية إلى ملعب الكشافة وأزداد شغفي بنجوم القوة الجوية وتعلقت كثيرا بالمرحوم طه عبد الجليل وناصر جكو وهادي عباس وغازي وتوما وغيرهم من أفذاذ الكرة في تلك الفترة.. وأخذت أرقب تحركاتهم خصوصا المرحوم طه عبد الجليل حيث كان متميزا بالقوة وقطع الكرة بالرأس وله إمكانية عالية السيطرة وضربات الجزاء وكان رحمه الله ماردا ضخما يخشاه اللاعبون كثيرا..
 بعد أن تم إعفائي من الخدمة العسكرية طلب مني الأستاذان سعدي الدوري وإبراهيم حلمي حسن أن ألعب لفرق نادي الأعظمية , في البداية شعرت بالانكماش ولكنني استجبت للطلب بعد أن تعهدوا في مساعدتي وكانت تلك هي بدايتي في اللعب مع الفرق المنظمة , وبنادي الأعظمية ذاع صيتي وأخذنا نلاعب الفرق العسكرية المعروفة , ومن خلال هذه المباريات كان هناك الكثير ممن يرصد تحركاتي بالملعب حتى جاءني العرض الجديد للدخول إلى الجيش مع المغريات الكبيرة.. فرفضت وأنا أفكر بأني أجبرت أهلي أن يبيعوا أعز حاجياتهم حتى يدفعوا البدل النقدي وها أنا اليوم أذهب برجلي لكي أتطوع بالجيش..!! سخرت من نفسي وقررت أن لا أستجيب للطلب.. لم تستأثر العروض المغرية اهتمامي لكي أنضم للقوة الجوية أو فريق الحرس الملكي لأن ظروف وطريقة دفع البدل النقدي بعد أن خسر أهلي أعز لوازمهم البيتية كانت تجعلني وكأنني أتنكر لذلك المعروف السخي!!..لكنني عن طريق من أعرفهم تم تعييني معتمدا لتوزيع الكتب الرسمية في وزارة الشؤون الاجتماعية آنذاك.. لم تنفك عني ملاحقة مسؤولي الفرق العسكرية فتارة يأتي الضابط بنفسه وأخرى يبعث بوسيط أو مندوب لأجل إحراجي واستغلال خجلي وقد بذل السيد سعدي جاسم واللاعب صابر لطيف جهودا كبيرة لإقناعي بالعدول عن هذا الإصرار والمقاطعة بالالتحاق لصفوف الفرق العسكرية.. ولكنني كنت أرفض دائما!!..

م/ الاذاعة والتلفزيون 1976