من تاريخ الحركة الديمقراطية في العراق.. جمعية الرابطة الثقافية سنة 1943

من تاريخ الحركة الديمقراطية في العراق.. جمعية الرابطة الثقافية سنة 1943

اياد يونس عريبي
عندما اخذت عمليات الحرب العالمية الثانية  بالانحسار واخذت تلوح بالأفق انتصارات كفة الحلفاء على دول المحور فكر عبد الفتاح ابراهيم في تأسيس جمعية ثقافية تجمع شمل الديمقراطيين التقدميين، وقدم هو وصحبه طلبا الى وزارة الداخلية بتأسيس جمعية تحمل اسم”جمعية الرابطة الثقافية”وقد وافقت وزارة الداخلية على طلبهم في 26 كانون الثاني عام 1943،

 وجرى انتخاب اول هيئة ادارية في 24 كانون الثاني عام 1944  وفي اجتماعها الاول في 19 شباط عام 1944 قررت انتخاب لجنة للمحاضرات والمناقشات كان من بين اعضائها الدكتور فاضل حسين، وقد التف حولها عدد كبير من مدرسي المدارس المتوسطة والثانوية، بعضهم من خريجي الجامعة الامريكية في بيروت، وكان مؤسسها في بادئ الامر فكر في ان تكون هذه الجمعية نواة لحزب سياسي ديمقراطي اشتراكي راديكالي، وقد قامت الجمعية على اساس التفاؤل بمستقبل العراق والوطن العربي افضل مما كان عليه اثناء الحرب العالمية الاولى، ومن ابرز المؤسسين عبد الجبار الجلبي ومحي الدين يوسف، وعبد الفتاح ابراهيم وجمال نظمي وخدوري خدوري وحازم نامق ومجيد عبدالله,وقررت هيأتها المؤسسة ان تنشا ناديا في بغداد سمي نادي الرابطة الثقافية  وتفتح له فروعا في انحاء العراق بعد استحصال موافقة وزارة الداخلية.
انتخبت اول هيئة ادارية في 24 كانون الثاني عام 1944 من عبد الجبار الجلبي رئيسا ومحي الدين يوسف نائبا للرئيس وعبد الفتاح ابراهيم مديرا لإدارة الجمعية وجمال عمر نظمي سكرتيرا ومجيد عبد الله محاسبا.
كانت”جمعية الرابطة الثقافية”تهدف الى بث الثقافة والروح الديمقراطية , وتشجيع النشاط العلمي والاجتماعي بكل ما تيسر لديها من الوسائل المشروعة , كإصدار النشرات ونشر البحوث وأعمال التأليف والترجمة والقاء المحاضرات واقامة اجتماعات البحث والمناقشة , والاسهام بأعمال مكافحة الامية والخدمات الاجتماعية والتعاون مع المؤسسات التي تماثلها في الاهداف.
اصدرت الجمعية مجلة باسم مجلة”الرابطة”لصاحبها عبد الفتاح ابراهيم وعضوية جمال عمر نظمي وخدوري خدوري وبشير اللوس وعبد الجبار عبد الله ومحمود غناوي وعبد الجبار مخلف العبيدي ركزت المجلة في مقالاتها على مناقشة المشاكل الخاصة للعمال والفلاحين واسهمت في الدفاع عنهم , ومن هذا المنطلق ساندت مجلة الرابطة مطاليب العمال , لتحسين احوالهم وتغييرها نحو الافضل عن طريق تأسيس نقابات للدفاع عن حقوقهم والعمل على تثقيفهم ومعالجة المشاكل التي يعانون منها , ودعت المجلة في احدى مقالاتها الى ضرورة معالجة مشكلة البطالة والقضاء عليها لأن وجودها يكون سببا في عدم استقرار المجتمع , كما طالبت بضرورة تخليص البلاد من المحتكرين والمستغلين واقامة صناعة وطنية فيها , وناقشت المجلة اهمية التربية والتعليم وضرورة توجيه هذا القطاع بما يتفق وتوجهات المجتمع , كما واسهمت الجمعية في نشر بعض الكتب واقامت بعض الحفلات والندوات ومنها احتفالا بمناسبة مرور الف عام على وفاة ابي العلاء المعري، صدر العدد الاول من مجلة الرابطة في 16 اذار عام 1944 وصدر العدد الاخير اول تموز عام 1946، صدر في سنتها الاولى اربعة وعشرون عدداً، وفي سنتها الثانية واحد وعشرون وكان العدد الثالث والعشرون والرابع والعشرون عدداً خاصاً عن العراق.
بلغ عدد اعضاء الجمعية في الايام الاولى من تكوينها ستين عضواً في بغداد والموصل وبعقوبة والكوت اسست جمعية الرابطة شركة للطباعة، ثم اشترت مطبعة حديثة سمتها مطبعة الرابطة مقرها في دار الجماهير، وكان من اوائل مطبوعاتها هو كتاب (العراق في القرن السابع عشر كما رآه الرحالة الفرنسي تافرينيه) الذي نقله الى العربية كوركيس عواد , ووضع ملاحقه وعلق عليه مع بشير فرنسيس في عام 1944.
كان للجمعية بضعة لجان تتولى تنفيذ برنامجها، ومن هذه اللجان لجنة المحاضرات والمناقشات المؤلفة منذ ان اختارها الهيئة الادارية للجمعية من محي الدين يوسف، وفاضل حسين، ومحمد توفيق حسين وعبد الغني الجرجفجي وداود سلمان، ولجنة التأليف والترجمة والنشر المؤلفة من عبد الفتاح ابراهيم، وحسن احمد السلمان، ومجيد عبد الله وبشير فرنسيس وطه باقر وكوركيس عواد , كما أسست الجمعية مكتبة لبيع مجلتها التي اصدرتها باسم (الرابطة) في 16 اذار عام 1944، وتولت المكتبة بيع منشورات الجمعية من الرسائل والكتب، ولعل من ابرز ما نشرت الجمعية كتاب (مقدمة في كيان العراق الاجتماعي) لهاشم جواد، وكتاب (الانسان في فجر حياته) لدروثيديفدسن وترجمة طه باقر وفؤاد سفر وكتاب (خلاصة الفكر السياسي منذ الثورة الفرنسية) لستيفن سينكلر وترجمة مجيد عبد الله وخدوري خدوري, كما أسست الجمعية نادي خاص بها، باسم الرابطة الثقافية من السادة حسن احمد سلمان وفاضل حسين ومحمد توفيق حسين والدكتور حسقيل داود.
وبصورة عامة فأن جمعية الرابطة الثقافية محطة مضيئة في سيرة مثقفين عراقيين كانوا يؤمنون بالعمل الجمعي سواء كانوا ليبراليين ام راديكاليين ام قوميين، وكانت فكرة الرابطة قد انبثقت في اعوام الحرب العالمية الثانية، وكان المؤسسون يحملون هما مشتركا هو تطور العراق وتقدمه، وقد اسهموا مساهمة فاعلة في تحقيق مسعاهم رغم المعوقات والوضع السياسي القائم.
وفي خضم التطورات السياسية الداخلية في العراق حلت وزارة ارشد العمري الاولى الجمعية في صيف عام 1946، والغت امتياز مجلتها التي حصلت على سمعة طيبة بين المثقفين لما عالجته من موضوعات سياسية وقومية عربية واقتصادية ومالية ودولية وقانونية وجغرافية وادبية.

عن رسالة (الجمعيات واثرها الثقافي في بغداد 1933 ــ 1958)