كيف انتهت انتفاضة 1952 وكيف استقالت وزارة العمري؟

كيف انتهت انتفاضة 1952 وكيف استقالت وزارة العمري؟

نصير الجادرجي
كان الحراك الشعبي، معبراً عن الوضع السياسي في العراق حيث كانت الفئة المثقفة والفقيرة في المدن في حالة ثورة ضد الحكومة والنفوذ الاجنبي، ولم تتمكن الشرطة من اعادة النظام، ليدرك (الوصي) بأن زمام الامر قد وصل الى حد الانفلات من يد الحكومة فأراد أن يعيد إليها الاعتبار. فأستدعى السيد (جميل المدفعي)، وعهد اليه بتأليف الوزارة، وما كادت الجماهير أن تسمع بذلك حتى بدأت تهتف بسقوطه.

فتم استدعاء بعض السياسيين الى البلاط لاستشارتهم حول الوضع المتأزم، وبعد اخفاق المدفعي بتأليف الوزارة، اتصل (الوصي عبد الاله) بالفريق الركن (صالح صائب الجبوري) رئيس اركان الجيش السابق لتأليف الوزارة، الا انه رفض ايضاً ان يشرك نفسه في هذه الأزمة.
وفي أثناء تلك الاتصالات لتأليف الوزارة بلغت المظاهرات أوجها في بغداد وبعض المدن الأخرى، ولم تتمكن الشرطة من اعادة الامن والنظام كما بينت سابقا، لذلك استدُعي الجيش للتدخل بأوامر عدم اطلاق النار، لكن السيد (نور الدين محمود) رئيس اركان الجيش اخبر الوصي بأن النظام لا يستعاد ما لم يسمح للجيش باطلاق النار عند الضرورة، لذلك استدعى الوصي رئيس الوزراء السيد (مصطفى العمري) ووزير الداخلية ووكيل وزير الدفاع ورئيس أركان الجيش ومتصرف لواء بغداد لبحث الوضع المتأزم، وظهرت معضلة قانونية حول من يملك صلاحية اعطاء الأوامر للجيش باطلاق الرصاص على المتظاهرين، فمتصرف لواء بغداد (محافظ محافظة بغداد) او بحسب قانون اللواء لا يستطيع اعطاء هذا الامر لوجود الاعلى منه وهو وزير الداخلية.
كما بيّن وزير الداخلية ووكيل وزير الدفاع أنه لا يستطيع اصدار مثل هكذا أمر من دون إذن من رئيس الوزراء،  لا سيما وأن الوزارة قد استقالت ولم تمارس مهامها.
حينذاك عبّر (الوصي) عن رغبته بإصدار الأمر الى رئيس اركان الجيش، لكنه ذكر انه (قانونياً) لا يستطيع ذلك بصورة مباشرة لأنها من صلاحيات رئيس الوزراء ووزير الداخلية، وكانت كل تلك الصعوبات القانونية قد ظهرت حين كان السيد (نور الدين محمود) رئيس اركان الجيش ينتظر الأمر للعمل.
تطورت الاحداث وقدم السيد (مصطفى العمري) استقالته بعد الاتصالات التي أجراها الوصي ببعض الشخصيات السياسية من دون علم منه لتأليف الوزارة، والتي عدّها طعنة بالثقة التي منحت له.
فشعر أن بقاءه بالسلطة وممارسة صلاحياتها سيؤدي به إلى أن يتحمل المسؤولية لوحده أمام الرأي العام، إضافة لرفضه منطق استخدام السلاح ضد المتظاهرين، كما اعتبرها فرصة للاصرار عليها سعيا للتخلي عن المسؤولية التي بدأ خطرها يتصاعد مُصرّاً على استقالته.
كان موقف (العمري) وإصراره على الاستقالة قد أزعج الأمير (عبد الإله) لذا لم يُكلف (العمري) بأي منصب بعدها حتى سقوط النظام الملكي في عام 1958.
أدى تطور الأحداث الى قيام (الوصي عبد الاله) بتكليف السيد (نور الدين محمود) بتأليف الوزارة بالرغم من ان (الوصي) والنظام ككل كانوا حذرين خلال السنوات العشر الماضية من الجيش، وحاولوا ابعاده عن السياسة منذ احداث عام 1941، لكنه في تلك اللحظة الخطيرة أصبح (الوصي) مقتنعاً اكثر من أي وقت مضى”حسب تصوره"، بأن تكليفه لأحد قادة الجيش المخلصين (للعائلة الهاشمية) قد أصبح امراً لا مفر منه، وهو الحل الامثل لحماية العرش من التهديد الذي بات يشكله خطر الاضطرابات عليه، وفي مساء يوم 23 تشرين الثاني/نوفمبر عام 1952، تم تكليف السيد (نور الدين محمود) بتشكيل الوزارة، الذي لم يُبد هو الاخر أي اعتراض على ذلك.
كانت تلك بادرة خطيرة بدخول الجيش في المعترك السياسي للمرة الثالثة*، ثم أعقبها التدخل الكبير الذي حصل فيما بعد.
بقي والدي في المعتقل أكثر من شهرين وكنا دائما ما نتفقده فيه، وبدأت أوامر الافراج تصدر تباعاً، لكنه بقي مع اثنين فقط في المحتجز هما السيد (عبد الوهاب محمود) –نقيب المحامين ووزير سابق- والسيد (قاسم حسن) –محامٍ وعضو اللجنة المركزية للحزب الوطني الديمقراطي-.
في تلك الأيام، وفي أثناء حلولي ضيفاً على أحد الأقارب، اتصل بي الأهل في منزله، وابلغوني بأن الحكومة تريد كفالة لإطلاق سراح والدي، توجهت الى منزل السيد (صبيح ممتاز الدفتري)”ابن خال والدي”(مدير عام في وزارة المواصلات) ليتكفل والديٍ، وحين وصولنا الى (أبو غريب) علمنا أنه قد نقل الى (سجن بغداد) في منطقة باب المعظم وأخبرونا بأن سراحهم قد أطلق بكفالة من أخ السيد (عبد الوهاب محمود).
وبعد عودتنا الى المنزل رأيناه مكتظاً بالزائرين المهنئين على خروج والدي ورفاقه من الاعتقال.
وأشير إلى تلك الأحداث بالقول: إنه كان يجب على الفئة الحاكمة التصرف بحكمة أكثر، وأن تدرك خطورة الوضع بالعراق في تلك المرحلة والاستقطاب الحاصل بينها وبين الشعب وعزلتها عنه، لتجد السبل الكفيلة لحلها وذلك عبر اتصالها المباشر بالمعارضة الحقيقية وتشركها بطريقة ما في الحكم وتلبي بعض مطالب الشعب وعلى رأسها الحد من الغلاء وخصوصاً المواد الضرورية وتشريع قانون الانتخابات الذي كان أحد الشعارات الرئيسية للمعارضة بدلاً من لجوئها لزج الجيش في السياسة لانقاذها من محنتها، كان يجب أن تدرك تداعيات تلك العوامل عليها، والتي ركزت شعور الضباط بأنهم قد أصبحوا الحل الوحيد لإنهاء ذلك الوضع الشاذ، وكان عليها أن تدرك تبعات مغريات السلطة والتسلط خصوصاً بعد ما حدث في مصر عام 1952، حيث بروز دور الضباط بعد توليهم للحكم فيها. لاسيما ان تعيين وزير الدفاع في السابق كان يتم باختيار ضابط سابق أو من اصول عسكرية ترك المهنة منذ زمن طويل أو شخص مدني يتولى هذا المنصب.
ففي سنة 1952 استعانت الحكومة بالجيش لقمع انتفاضته الشعبية، وفي سنة 1958 استعان الشعب بالجيش لتغيير نظام الحكم. والكل يعلم بأن الجيش عندما يتسلم السلطة من الصعوبة جداً أن يعود الى ثكناته، خصوصاً في البلدان العربية.
كانت الفئة الحاكمة متزمتة جداً لاتريد أن تتنازل عن أي شيء تلبية للمطالب الشعبية، وكان تصورها ان ذلك يعد مساساً بكرامتها وتقليلاً من أهميتها وهيبتها، وبالاخص اذا كان ذلك من الشارع.
كان هذا الهاجس أمامها دائماً ولاتريد تكراره في العراق، فقد حدث لأول مرة في تاريخ العراق أن اسقط الشارع وزارة السيد (صالح جبر) اثر (وثبة كانون الثاني في عام 1948) والتي كان يرأسها السيد (صالح جبر).
حيث ان إسقاط تلك الوزراة قد تم من قبل الشارع وليس عبر البلاط أو من الفئة الحاكمة أو حركات العشائر التي كان يحركها أقطاب السياسة.. إن سقوط (وزارة صالح جبر) كان موجعاً، إذ كانت له ابعاده السياسية والاجتماعية كما أنها أول وزارة في العراق تشكل من شخص ينتمي الى (الطائفة الشيعية) لكن تمت معالجة هذا الامر بشكل جيد، حيث كان العراق لايزال تحت الهيمنة البريطانية خصوصاً بعد الحرب العالمية الثانية.
تم تشكيل وزارة برئاسة شخصية (شيعية) محترمة ومن أسرة دينية معروفة وهو السيد (محمد الصدر)، لذا لم تثر النعرة الطائفية حينها بسقوط وزارة السيد (صالح جبر). وبناءً على ذلك كان ببال الحكومة عدم فرض رأي الشارع مرة أخرى عليها اسوة بما حدث عام 1948 عبر المجيء بوزارة يفرضها الشارع على الحكومة وتساهم فيها المعارضة.

عن (مذكرات نصير الچادرچي) دار المدى