النجف في أوائل القرن العشرين في كتابات انكليزية

النجف في أوائل القرن العشرين في كتابات انكليزية

جعفر الخياط
 في أوائل القرن العشرين جاءت إلى هذه البلاد سائحة انكليزية تدعى المسز (رولاند ويلكنس) فلفت نظرها حينما كانت في طريقها من بغداد إلى الحلة لزيارة أطلال بابل سفر الزوار الايرانيين بجماعات وقوافل خاصة. فهي تقول في كتابها(Louisa Gebb (Mrs Roland Wilkins) -by Desert Ways toBaghdad, London 1908)عن الرحلة إلى هذه الجماعات أنها مرت في طريقها إلى بابل بجماعات الزوار الايرانيين الذين كانوا في طريقهم لزيارة الإمام الحسين في كربلاء، والإمام عليّ في النجف.

 وكان الكثيرون منهم يأتون من بلادهم مشياً على الأقدام، لكن بعضهم كان يركب البغال ويحمل معه فوق ظهورها حاجاته القليلة في اخراج سفرية خاصة. وتقول كذلك ان هؤلاء الزوار كانوا يأتون معهم بالجنائز مشدودة بصورة مستعرضة فوق أظهر الحمير; لأن أمنية المؤمن الحقّ هنا أن لا يقتصر في أيام حياته على زيارة الأئمّة فقط بل يطمح أيضاً في أن تقبر رفاته بسلام بعد الموت في الأرض المقدسية التي اُستشهد فيها الحسين وأبوه (عليهما السلام).
وفي تقرير عسكري مكتوم، أعدته رئاسة الأركان البريطانية العامة في 1911، عن المنطقة الممتدة من بغداد إلى الخليج، يرد ذكر النجف بتفصيلات تفيد الأغراض العسكرية عنها. فقد ورد فيه ان النجف، أو مشهد عليّ، بلدة يبلغ عدد نفوسها زهاء (12000) نسمة منهم عدد من الهنود المسلمين. وتصل اليها حوالي ستة آلاف جثة في السنة لتدفن في مقابرها نظراً لقدسية المكان ويرد في التقرير كذلك أنها تقع على مسافة ثلاثين ميلا عن الحلة، وتقوم على هضبة
من الحجر الرملي ترتفع عن السهول المحيطة بها بحوالي مئة وخمسين قدماً (؟) وهي محاطة بأسوار يبلغ ارتفاعها خمسة وعشرين قدماً، وسمكها خمسة إلى ستة أقدام، من دون أن يحيط بها أي خندق، ويكوّن محيط الأسوار كله شكلا مربعاً تقريباً، يضم في داخله كتلة كبيرة من البيوت المتحاشكة. وماؤها قليل يؤتى بالعذب منه بقرب من الجلد من فرع الهندية (الفرات) الكائن على بعد أربعة أميال عن البلدة، ويعتبر ماء الآبار ماءً اُجاجاً. وتعتمد البلدة في حاصلاتها على قبائل بني حسن (؟). وتوجد فيها حامية عسكرية تتكون من فوج واحد.
أما طريق بغداد ـ النجف فقد كانت الأزواد وفيرة فيه على ما يرد في هذا التقرير ويبلغ عدد الزوار الذين يمرون فيه ما يزيد على الألفي زائر في اليوم خلال موسم الزيارة الذي يمتد لأربعة أشهر في السنة على ما يقول. وفي التقرير بعض التفصيلات عن الطريق الممتد ما بين النجف وكربلاء، ولا سيما عن الخانات المعروفة فهناك منزل خان النخيلة الذي يقول انه يتألف من ثلاثة خانات وستة مقاهي، وآبار عذبة للماء، وعدد من الأكواخ البسيطة من دون أن تكون فيه بيوت. وكان منزل خان الحماد يتألف من عشرة خانات ومئة بيت وعدد من الآبار التي يصلح ماؤها للشرب. أما منزل خان المصلى فكانت فيه ثلاثة خانات وستة مقاهي من دون بيوت.
وفي اليوم السادس من آذار 1911 كانت المس (غيرترود بيل) تتجول في البادية على مقربة من النجف في طريقها إلى بغداد. وكانت المس (بيل) هذه، التي أصبحت فيما بعد سكرتيرة دار الاعتماد البريطاني في بغداد وتحكمت بمقادير العراق مدة من الزمن، قد تجولت كثيراً في نجد وسوريا وبادية الشام والعراق فكتبت كثيراً عن جولاتها هذه ومما جاء في رسائلها المعروفة عن جولتها
 في هذه الجهة أنها بينما كانت في طريقها إلى النجف في هذا التاريخ خطر ببالها ان تستقصي آثار اللخميين في تلك الجهات وتشاهد الكهوف الغريبة التي قيل لها أنها موجودة في الأجراف المحيطة ببحر النجف من بعض الجهات، فاصطحبت معها إلى هناك الشيخ سلمان أحد شيوخ بني حسن. لكنها لا تذكر شيئاً عما عثرت عليه في هذا الشأن.
وفي يوم 7 مارت 1911 وصلت إلى النجف بعد أن مرت في قسم من طريقها بقاع بحر النجف الجاف. وهي تصف في رسالتها المؤرخة 10/3/1911 البلدة بكونها بلدة مسورة تقوم على حافة الجرف المرتفع بجنب البحر الجاف، وتشير إلى القبة والمآذن والمقابر وقدسية البلد من دون أن تذكر شيئاً يستحق التدوين. لكنها تقول أنها نصبت خيامها خارج البلدة في الجهة الخالية من القبور، وذهبت لزيارة القائمقام التركي الذي أمر مدير الشرطة بأن يرافقها للتجول فيها. وحينما عادت إلى خيمتها زارها عدد من المعممين والرجال الرسميين على حد قولها. ولأجل المحافظة على مخيمها في الليل وضع ثلاثون جندياً لحراستها غير أنها لم يرقها ذلك فاحتجت بشدة وانسحب الجند. وهي تذكر في هذا الشأن ان الحراسة كان لابد منها نظراً للحوادث الكثيرة التي كانت تحدث خلال الليل في منطقة القبور. لأن بعض الناس، ومنهم أفراد القبائل كانوا يأتون بالجنائز ويحاولون دفنها تحت جنح الظلام تهرباً من الليرات العشر التي كانت تفرضها سلطات البلدة رسوماً للدفينة وكانت الدورية تطلق عليهم الناربسبب ذلك فيردون عليها بالمثل. وقد سمعت هي وجماعتها إطلاق النار في تلك الليلة مع ما صحبها من صراخ النساء وعويلهن عن بعد ثم خرجت في اليوم الثاني مع رجل من”الضابطية”لمشاهدة خرائب الخورنق فلم تجد فيها على ما تقول سوى بعض التلول، لكنها سرها أن تشاهد الموقع وما يحيط به. وقد مرت المس بيل بالنجف مرة اُخرى يوم 23 آذار 1914، حينما كانت عائدة من نجد في طريقها إلى بغداد. ولا تذكر شيئاً هنا عن النجف لكنها تقول أنها حينما خرجت من حائل كان بودها أن تسلك طريق الحجّ القديم اليها غير أنها علمت أنه لم يكن طريقاً آمناً فعدلت عن رأيها فسلكت الطريق الآخر وهو الطريق الغربي.
وقد كتب المقيم البريطاني في بغداد سنة 1912 عن انتعاش الروح الوطنية في العراق بين مختلف الطبقات، وانتشار فكرة القومية العربية في بغداد والنجف وغيرهما فهو يقول ان الذي يلفت النظر هو الحرية المتزايدة التي أخذ يعرب عن نفسه فيها الشعور المعادي للاتحاد والترقي وللأتراك هنا، حيث كان هذا يعد خيانة عظمى من قبل. ويذكر كذلك ان الابن الأكبر للكيلدار في النجف(2) وعبدالرحمن الباجه جي كانا يرحبان بتشكيل حزب جديد يدافع عن مصالح العرب. ويقول المستر (فيليب آيرلاند) كذلك في كتابه عن العراق (الذي سنشير اليه كثيراً بعد هذا) ان مؤتمراً عربياً عقد في المحمرة خلال شهر مارت 1913، فحضره شيخ المحمرة نفسه، وشيخ الكويت، والسيد طالب النقيب، وموظف تركي كبير فدار البحث فيه حول مستقبل العراق والحكومة الموجودة فيه، فتم الاتفاق على قيام الرؤوساء المذكورين ببذل الجهود لتحقيق مطاليب العراق في الاستقلال. ثم أوفد الرسل إلى النجف وكربلا لاستمداد التأييد منهما وتهيئة الناس للحركة، كما أخبر القوميون العرب في بغداد واستانبول وسورية ومصر وغيرها بقرارات هذا المؤتمر.

عن (موسوعة العتبات المقدسة)
 قسم النجف