الجبهة الوطنية ومعركتها مع االسلطة في انتخابات 1954

الجبهة الوطنية ومعركتها مع االسلطة في انتخابات 1954

د.قحطان حميد كاظم العنبكي
عندما تألفت وزارة ارشد العمري في 29نيسان1954، أعلنت هذه الوزارة في منهاجها بأن هدفها هو حلّ المجلس النيابي وإجراء انتخابات جديدة بحرية وحياد، وقوبل تشكيل الوزارة بردود فعل سلبية من الأحزاب والمنظمات السياسية متهمة هذه الوزارة بأنها غير مؤهلة لإجراء انتخابات حرة وذلك نظراً إلى ماضي رئيسها وأقطابها الزاخر بالأعمال التعسفية والاستفزازية الموجهة ضد الشعب وحرياته.

تمَّ تحديد يوم 9حزيران 1954موعداً لإجراء الانتخابات النيابية،فدب النشاط في أوساط الأحزاب السياسية للمشاركة في الانتخابات رغم تشكيكها في مقدرة وزارة أرشد العمري على تهيئة الشروط الملائمة لإجراء الانتخابات الحرة،واعتقادها بأنها ستلاقي مقاومةً عنيفةً من أجهزة وموظفي وزارة الداخلية.
 سعياً من القوى الوطنية لكسب الانتخابات جرى تشكيل جبهة انتخابيـة ضمت أحزاب الاستقلال والوطني الديمقراطي والشيوعي ومنظمة أنصار السلام وبعض المستقلين باسم(الجبهة الوطنية).
وقفت الحكومة-بواسطة أجهزة وزارة الداخلية-بشدة لمقاومة مرشحي الجبهة الوطنية في مختلف مناطق العراق، حيث هاجمت قوات الشرطــة الاجتماعات الانتخابية للجبهة الوطنية في مناطق الحلة والنجف والسليمانية، مما أدى إلى مقتل أحد المتظاهرين في النجف،وألقت الشرطة القبض على العديد من منظمي هذه التظاهرات والاجتماعات منهــم الشيخ محمد رضا الشبيبي وإبراهيم احمد وعمر مصطفى وغيرهم والبعض منهم ظل معتقلاً ولم يطلق سراحه إلا بعد انتهاء الانتخابات.وكانت وزارة الداخلية والحكومة تدعي بان الاجتماعات الانتخابية أدت إلى الإخلال بالأمن واصفــةً إياها بأنها ذريعة يُحتج بها للحد من الحركــة الشعبية التي تجلت في تأييد مرشحيها.
اتخذت وزارة الداخلية إجراءات شديدة للمحافظة علــى الأمن فـي يوم الانتخابات، وخولت الشرطة ردع التظاهرات والحركات المخلة بالأمن التي قد يقوم بها الوطنيون والعناصر الأخرى المؤيدة للجبهة الوطنية،ومنع حمل الأسلحة النارية، وفحص المراكز الانتخابية وما يجاورها فجر يوم الانتخابات وتشديد الحراسة عليها،والمحافظة على الصناديق والأوراق الانتخابية،وأعلن وزير الداخلية اتخاذ جميع االلازمة لتفادي الاضطرابات.
على الرغم من محاولات وزارة الداخلية لإنجاز الانتخابات بأقل حوادث واضطرابات، إلا إن هناك احتكاكات عديدة وقعت بين أنصار المرشحين في الكاظمية أدت إلى مقتل أحد الأشخاص، وفـي مناطق أخرى من أقضية  الهنديـــة وعنه وطوزخرماتو لكن تدخل الشرطـة حال دون توسعها. ووجِهت انتقادات واسعة لوزارة الداخلية والحكومة من بعض الأحزاب والشخصيات التي اشتركت في التنافس على الفوز بالانتخابات النيابية،وقد تركزت مواطن التزوير في أماكن ثلاثة هــي:الهيئة التفتيشية،والشُعب الانتخابية،وقوائـم الناخبين، وعملية الانتخاب نفسها. وهذا الأمر ظهر بشكل واضح في انتخابات منطقة القرنة في لواء البصرة حيث لوحظ تحيز أجهزة وزارة الداخلية لصالح احمد النقيب وحميد الحمود مرشحي الحكومة وعضوي حزب الاتحاد الدستوري ضد نوري جعفر.
ويشير نجيب الصائغ إلى تدخل الجهاز الإداري لوزارة الداخلية في انتخابات لواء الموصل ولاسيّما مناطق القرى والأرياف((ليس للحكومة إمكانية المداخلة والتأثير على أصوات الناخبين في منطقتي بلدة الموصل، إلا أنها تتدخل بصورة سافرة في المنطقة الثالثة وهي نواحي وقرى الموصل والتي تشترك أيضاً في انتخاب النواب المسيحيين وقبل موعد إجراء الانتخابات التكميلية وبينما كنت أتجول في القرى اتصل بي بعض الناخبين واخبروني بأن الموظفين الإداريين طلبوا منهم عدم انتخاب مرشحي الجبهة الوطنية وانتخاب مرشحي الحكومة..))،ويظهر من ذلك أن تدخل الموظفين الإداريين أقل في مراكز المدن وهذا شيء طبيعي لأن المدن تكون أكثر وعياً ولأن أكثر أعضاء الأحزاب هم من المدن ويعملون فيهـا مما قد يسبب حراجــة أكثـر لموقف الموظفيـن الإداريين المشرفين علــى الانتخابات بينمــا يكون ذلك أقل فــي ضواحي المدن ونواحيهــا. وجِهت انتقادات واسعة لوزارة الداخلية والحكومة من بعض الأحزاب والشخصيات التي اشتركت في التنافس على الفوز بالانتخابات النيابية،وقد تركزت مواطن التزوير في أماكن ثلاثة هــي:الهيئة التفتيشية،والشُعب الانتخابية،وقوائـم الناخبين، وعملية الانتخاب نفسها. وهذا الأمر ظهر بشكل واضح في انتخابات منطقة القرنة في لواء البصرة حيث لوحظ تحيز أجهزة وزارة الداخلية لصالح احمد النقيب وحميد الحمود مرشحي الحكومة وعضوي حزب الاتحاد الدستوري ضد نوري جعفر.
وقراها حيث يطبق نظام دعاوى العشائر أكثر من تطبيق القوانين الأخرى،مما يعطي سلطة وتأثير للموظفين الإداريين في تلك المناطق بشكل واسع من ممثليهم في مراكز المدن والألوية. وأشار كامل الجادرجي في مذكراته إلى عمليات تزوير الانتخابات في بغداد((.. دخل التزوير في كل المناطق تقريباً –عدا المنطقة الثالثة)) وقد بلغ التزوير شكلاً علنياً بحيث     ((ان تعقب وقائعه من الأمور التي لا فائدة منها لوضوح التزوير وعلانيته..)).وفي المناطق خارج المدن والريف أجرت((السلطات(عملية الانتخاب)في الليل ولما حل يوم الانتخاب لـم يجد الناخبون صناديق الاقتراع فقـــد كانت ممتلئة وأرسلت لتصنيف الأصوات)).
ويقول علي الشرقي-الوزير بلا وزارة في وزارة أرشد العمري الثانية- في كتابه (الأحلام) ((إن أرشد العمري كان باندفاع،يشبه الهستريا،يدير الانتخابات في الظاهر بصفة حيادية، ولكن معمل الترشيح في غرفة الديوان الملكي،احمد مختار بابان،وكانت المحاولة المجيء بأكثرية بلاطية..حتى أتم الانتخابات بحسب الخطة المرسومة،وفاجأ الناس بالهزيمة إلى الأستانة)).
نتيجة لعملية تدخل وزارة الداخلية في الانتخابات لم يفز من مرشحي الجبهة الوطنية الـ(37) سوى عشرة،من بينهم(4) من مرشحي الحزب الوطني الديمقراطي وهم : كامل الجادرجي ومحمد حديد وحسين جميل (بالتزكية) وجعفر البدر،من بين (135) نائباً مجموع النواب.
وبهذا لم تختلف انتخابات حزيران 1954 النيابية عن سابقتها من حيث تدخل السلطة التنفيذية فيها بشكل مباشر أو غير مباشر لصالح مرشحي الحكومة متبعة شتى أساليب التلاعب والتدخل والتزوير.
وبعد أن أجرى أرشد العمري الانتخابات قدم استقالته في 17 حزيران 1954، وفي 26تموز 1954 اجتمع مجلس النواب واستمع إلى خطاب العرش ثم عُطل المجلس اعتباراً من 27 تموز إلى نهاية شهر تشرين الثاني(5)،وعندما بدأ بتشكيل الوزارة نوري السعيد في3 آب 1954 اشترط عدة شروط منها حلّ المجلس النيابي وإجراء انتخابات جديدة.

عن رسالة(وزارة الداخلية العراقية1939 –1958)