مجلس الإعمار وجزيرة أمّ الخنازير.. ذكريات المهندس (رايت) في بغداد

مجلس الإعمار وجزيرة أمّ الخنازير.. ذكريات المهندس (رايت) في بغداد

د. موفق الطائي
يعد فرانك لويدرايت أهم معماري القرن العشرين ومؤسس العمارة الحديثة والعمارة العضوية، أعجب بالعراق وتاريخه. صمّم للعراق والعالم جنة عدن كما يسميها. كانت لرحلته المبدعة الغريبة المتعبة مع العراق وتاريخه وعمارته، حيث بدأ سفره الكبير مع العراقيين. أعلن في يوم عيد ميلاده التسعين المصادف الثامن من حزيران عام 1957 في مدينة سبرنك كرين في الولايات المتحدة الأمريكية وبحضور زوجته ولكفانا وأبنته لوفانا وحشد من 125 من ضيوفه،

 انه قد استدعي من قبل الملك فيصل الثاني ملك العراق لتخطيط وتصميم مركز ثقافي على ضفاف دجلة في بغداد، وذكرت جريدة (SaturdayPost) المسائية في حينها أن فرانك لويدرايت قد ذكر معقّبآ (إنها أجمل هدية عيد ميلاد).
حزم رايت أمره وتوجه الى بغداد وقبل وصوله المطار ومن الطائرة شاهد جزيرة أم الخنازير (الأعراس حاليآ) والجادرية. وصل رايت بغداد في الأسبوع الأخير من شهر حزيران عام 1957 برفقة زوجته وصهره وليم وزلي، وكان في انتظاره أحد أهم طلابه والعاملين معه سابقآ المعمار الإيراني نظام أميري والذي سبق وأن أخبره رايت بأنه سوف يكون هو المسؤول عن المشروع وكان حينها قد أسس مكتب استشاري في طهران وصمم قصوراً فخمة لعائلة الشاه، كما كان في انتظاره المعمار الرائد نزار جودت الأيوبي (أبن رئيس الوزراء في حينه أطال الله عمره)  وزوجته المعمارية الفذة أمريكية الأصل ألين (أطال الله عمرها)،  ونزل في فندق الخيام مجاور سينما الخيام الذي كان قد افتتح للتو. 
تجول رايت في أنحاء بغداد وزار المتحف والتقى بضياء جعفر رئيس مجلس الإعمار وناقش المشروع مع أعضاء المجلس، وفي هذا اللقاء أخبره أعضاء مجلس الإعمار بتكليف آخر جديد وهو تصميم البناية المركزية للبرق والبريد كما كانت تسمّى في حينها وفي نفس الموقع الذي تحتله الآن بناية البريد المركزية في السنك المصممة من قبل رفعت الجادرجي، وكان أهم حدث له هو عند لقائه بالمعمارين والفنانين العراقيين في النادي الأولمبي على أثر معرض كانت قد أقامته جمعية التشكيليين العراقيين والذي كان يرأسها المعماري الرائد محمد مكية. كما التقى الفنان الرائد جواد سليم الذي كان يعمل جاهداً لإنشاء مدرسة جديدة تشكيلية عراقية تمتد جذورها الى أعماق الحضارات العراقية القديمة دون تقليدها لأي طراز تاريخي عراقي، وإنما محاكاة الحضارات بشكل خفي مبدع سعياً لإعطاء الهوية الحقيقية للفن التشكيلي العراقي. في حينها أخبر المعماريين بضرورة اقتفاء مثل جواد في العمارة وقال (إذا ما أردتم المعاصرة فعليكم دخولهاعبر تاريخكم المجيد) نبّه إلى ضرورة عدم التمادي في تقليد العمارة الغربية وأنّب قسم من المعماريين العراقيين  (وأخبرني قحطان المدفعي أنه لم يكن شخصياً مسرورآ بذلك التأنيب وقاطع رايت ولم يتجول معه كباقي المعماريين)،  بعد ذلك قدّم محاضرة في جمعية المهندسين العراقيين.
حظي رايت بلقاءين مثيرين مع الملك فيصل الثاني، الأول كان للتعرف على بعضهما البعض، وكان لقاء مثيراً حقاً، فمن المعتاد عند حضور الملك أن ينادي المنادي عالياً (صاحب الجلالة الملك فيصل المعظم)  ويبدو أن هذا قد استثاره، فتقدم الى الملك في الحال مقدماً نفسه... صاحب الجلالة المواطن الأمريكي...فرانك لويد رايت،  بعد هذا اللقاء كان الحديث يدور حول الحضارة العراقية، لكن رايت كانت ثقافته البصرية متأثرة بالفن الفارسي وما أشار أليه من اعجاب كان يحسب على الفن الفارسي، وهذا لم يجد صدىً جيداً عند الملك. بعد ذلك تغير الحديث حول الموقع المقترح لدار الأوبرا، وأعرب رايت عن عدم صلاحيته واقترح موقع جزيرة أم الخنازير (الأعراس) وهذا ما ينسجم وتفكير رايت وعمارته العضوية، وفاجأ الملك رايت بقوله (الجزيرة لك ياسيد رايت).
كما أنه تأثر في إعادة تسمية جزيرة أم الخنازير من إسمها الى جنة عدن من قبل المهندس والباحث التاريخي وليم ولكوكس الذي نشر في حينها تجاربه حول ري العراق والتي تضمنت اعتقاده بأن الجنة هي بين الفلوجة وبغداد.
هدف رايت في فكرته التصميمية  (concept)  أن يحافظ على روح ومجد الحضارات الشرقية الذي يملكها العراق(حسب اعتقاده) أي احترام الماضي، وفي نفس الوقت مسايرة التكنولوجيا المعاصرة. فهذه الفكرة هي ليست بخيال جامح  (فنطازيا)  ولكنها في نفس الوقت ليست واقعية، فهو يرى أن يهيئ العراق للسائح وفي نفس الوقت للعيش العام، معادلة صعبة قل حدوثها في التخطيط الحضاري والعمارة ولعلها كانت تُعد غريبة في عهد الحداثة، ولكن في مفهوم ما بعد الحداثة فتعتبر ضرباً من الإبداع والتميز، ولنترك التقييم هذ للزمن وما ستؤول إليه العمارة بعد حين،  ومع هذا هي نوع من الإبداع حتى إذا اختلفنا أواتفقنا مع مدار العمارة ونهجها في الحداثة وما بعد الحداثة، ولعلها الحداثة الجديدة التي نسعى لها الآن في عمارتنا المعرفية المعاصرة (cognitivearchitecture).كان على رايت أن يضع أفكاره ضمن ميزانية محددة وهي مليون ونصف دولار، والتي كانت في حينها تعد ميزانية كبيرة وحتماً كانت تؤهله لتنفيذ حلمه الكبير الذي كان قد بدأ منذ صباه.
أما الجزيرة فقد جعلها ترتبط بجسرين أحدهما واطئ وباتجاه القبلة والذي يوصل الجزيرة بالكرخ فوق الجزء الضيق من النهر المتفرع من دجلة، والذي ينتهي بحدائق وممشى وشارع الملك فيصل، الذي يرقى الى ساحة (بيازه) وهو محورالتصميم الأساس وقلبه النابض، يتعامد عليه شارع رئيس هو خط التوصيل الذي يربط بين تمثال هارون الرشيد في الشمال ودار الأوبرا في الجنوب، وعلى هذا الشارع وقع رايت متحف وقاعة فنان وأسواق مكونة محور البنى التحتية الإجتماعية للمشروع.الجسر الأكبر يعبر الجزء الواسع من نهر دجلة ويربط الجزيرة بالجادرية (الجانب الشرقي من بغداد) الذي هو موقع جامعة بغداد. عزز رايت هذا المسار بجملة من الأكشاك لتأكيد الصفة التجارية السياحية لتصميمه (شكل 10)، كانت دار الأوبرا تشكل الجانب الجنوبي من الجزيرة وتمثال هارون الرشيد يشكل الجانب الشمالي للجزيرة.
كانت الحكومة العراقية تزمع بناء جامعة لمدينة بغداد في منطقة الجادرية ولم تكن من مهام رايت تصميمها، ولكنه مع هذا قدم تصميماً متكاملاً بها وقد كانت مقابلة لجزيرة عدن، وإلى الجانب الغربي من ضفة النهر وتم ربطها بالجزيرة من خلال جسر عالٍ يبدأ بشارع الملك فيصل الثاني وينتهي بالحرم الجامعي، حدد رايت الحرم بجملة من الحواجز الترابية الدائرية التي سماها رايت بالمنهج الدراسي (curriculum)  لتأكيد سمة التصميم العامة وتعريف الحرم الجامعي وأضاف له الطرق ومواقف السيارات التي تخدم احتياجات النقل في الحرم الجامعي، ثم حجز مساحة داخل الحرم خالية من حركة السيارات للمشاة فقط، وأضيفت لها النافورات والحدائق لتميّزها وخلق بيئة الحدائق الطبيعية مع مرافئ.
بعمل دؤوب ومتواصل وبعد ثمانية أشهر، أكمل رايت الجزء الأكبر من مخططاته في بداية مايس/ أيار 1958. وكانت بإظهار جيد وبعدد كبير من الرسوم والمخططات المعمارية، وأرسلها إلى مجلس الإعمار في بغداد وكان فرحاً جداً وفخوراً بهذا الإنجاز وهو يعرض التصاميم في مكتبه ويتحدث عنها في الأوساط المعمارية،  كما عرضها لأفراد الجالية العراقية في أمريكا شكل واعتبرها خيرة ما أنتج في سنين حياتها الأخيرة. تأخر مجلس الإعمار في الإجابة وجاءت ثورة تموز لتضع خاتمة حزينة لهذا الجهد، حيث اعتبرته مشروعاً خيالياً ضخماً مكلفاً قد لا يمكن تنفيذه في الحال، وذلك لتوجه الحكومة للإصلاح وإعمار الأمور الملحّة مثل الإسكان وبناء المدن الجديدة، وأكتفت بتصميم عملي لجامعة بغداد كان مقدماً من قبل المعمار الرائد ولتر كروبيس ونفذت بالفعل أجزاء مهمة منه.
بعد شباط عام 1963 رميت المخططات والرسوم  فوق سطح وزارة الإعمار، الى حين أن وجد قسم منها المعمار معاذ الآلوسي، ولاحقآ وجد المعمار سعد الزبيدي الجزء الآخر في بداية السبعينيات من القرن الماضي.

عن كتاب (جني بغداد) الصادر عن مؤسسة المدى