في 18 أيلول 1933 خطوبة سريعة للملك غازي من ابنة عمّه

في 18 أيلول 1933 خطوبة سريعة للملك غازي من ابنة عمّه

إعداد : ذاكرة عراقية
كانت خطوبة الملك غازي من ابنة عمه قد جرت بشكل سريع لا يتناسب والموقف الرسمي والشعبي من وفاة أبيه الملك فيصل الأول، وهذا ماكان حديث الناس يومذاك، وقد تبيّن فيما بعد أن هذه الخطبة جرت بهذه الصورة لسبب معروف سنقدمه في هذه النبذة.

تمت خطوبة الأميرة عاليه في الثامن عشر من أيلول عام  1933 عندما كانت في أسطنبول مع والدتها وشقيقاتها في زيارة الى جدتها ملك خانم، وفي أثناء وجودها هناك توفي عمها الملك فيصل الأول في  ليلة السابع من أيلول عام  1933، فاجتمعت العائلة المالكة وقررت زواج الملك غازي من أبنة عمه الأميرة عالية تنفيذاً لرغبة والده الملك فيصل الأول.
سافر الأمير عبد الإله ليصطحب والدته وشقيقاته، وعندما علمت الأميرة عالية بخطوبتها، صعقت لهذا الخبر فلم تتوقع بأنها ستصبح يوماً زوجة للملك غازي لأنه يصغرها بعام كما أنها كانت تميل الى إبن عمها الأمير طلال بن عبدالله، وعلقت قائلة"هل أنا جارية لكي يبيعوا ويشتروا بي دون أن يأخذوا رأيي"؟.
 عادت الملكة عالية في الثامن من كانون الأول عام 1933، الى بغداد ووقف متصرف لواء الموصل تحسين قدري وعدد من مسؤولي الدولة لاستقبال ملكة العراق، حيث أقيم حفل زفافها في الخامس والعشرين من كانون الثاني عام  1934. وبهذه المناسبة أذاع مجلس الوزراء العراقي بياناً جاء فيه"بمنـّه الله تعالى تم زفاف الملكة عالية ابنة الملك علي المعظم ملك الحجازالسابق في عاصمة مملكة العراق وذلك في الساعة التاسعة والنصف مساء يوم الخميس 9 شوال سنة 352 هـ، الخامس والعشرين من كانون الثاني1934 جعل الله هذا القران السعيد مقروناً بالرفاه والبنين".

ويذكر الدكتور سامي القيسي في كتابه عن ياسين الهاشمي :
سرعان ما انتشرت الاشاعات في بغداد تفيد بأن الملك غازي سيقترن بنعمت ابنة ياسين الهاشمي الصغرى إلا أن محاولته الأخيرة  لم يكتب لها النجاح، حيث أعلنت خطوبة الملك غازي المفاجئة على الأميرة عالية يوم 18 أيلول 1933 أي بعد 10 أيام من وفاة والده..
                    
ليس مستبعداً أن يكون هناك تزاور ولقاء بين كريمات الهاشمي وأخوات الملك غازي في مناسبات اجتماعية أو لقاءات عائلية متعددة وقد يكون هذا اللقاء يومياً أو أسبوعياً وعندها لربما كان لأخوات الملك وكان ولياً للعهد آنذاك أن تحدثن في موضوع زواجه، ولربما أيضاً تكلمن عن نعمت بالذات. أو قد يكون العكس هو الصحيح أن كريمات الهاشمي هن من روجن لهذه الإشاعة أو هن من تكلمن عن الموضوع واختلقن هذا السيناريو الذي وصل ناضجاً الى والدهن الذي أراد استغلاله، وإن لم يصرح به لتعزيز نفوذه بالانتساب الى البيت الهاشمي في وقت عرف عن الملك غازي افتقاره الى التجربة والنفوذ. وفي مقابلة مع صبيحة الهاشمي في 1972/12/22 في دارها في الوزيرية في بغداد، أكدت أنها وأخواتها كانت لهم علاقة صداقة قوية مع اخوات الملك غازي، وكن يتبادلن الزيارات وحصل اكثر من مرة أن التقين ولي العهد غازي، أما عند ذهابهم لزيارة العائلة المالكة أو بعد الانتهاء من هذه الزيارة، إلا أنها لم تفصح عن هذا الالتقاء أهو مصادفة أم كان يحصل وفق ترتيب مسبق؟ ولكنها لم تستبعد أبداً في حديثها أن الأمير وأخوانه كانت عيونهم على اختي الصغرى نعمت، وكنا متفائلين جداً وتشجعنا للسير لهذا الاتجاه. وهذا يعني أن الاشاعة فيها نصيب كبير من الصحة والذي عزز من صحتها سرعة انتشارها في المجتمع البغدادي الذي سرعان ما تنتشر الاشاعات بين أفراده من كل حدب وصوب. وبالتالي يمكن القول بكل اطمئنان إن هذه الشائعة كانت صحيحة وإن مصدرها القوي كريمات الهاشمي أولاً وأخوات الملك ثانياً، ولكن تبيّن من سياق الأحداث أنها لم تكتب لها النجاح وتتحقق على أرض الواقع، فضلاً عن خطوبة الملك غازي المفاجئة وزواجه اللاحق من الأميرة عالية في 1934/1/25. إن ياسين الهاشمي أسرع في زواج ابنته نعمت قبل أخواتها وقد ادعى محمود صبحي الدفتري في مقابلة جرت معه يوم 1973/3/11 في داره بالكرخ، أنه كان عاملاً مهماً في تزويج نعمت من قريبه علي ممتاز الدفتري. وتبيّن لي أن كلاً من نوري السعيد وجعفر العسكري قد سعيا سعياً حثيثاً لإفشال مشروع ياسين الهاشمي، الى درجة أن نوري السعيد سافر الى الاردن واتصل بالملك عبد الله من اجل الإسراع بتزويج الملك غازي من الأميرة عالية، وقد ألقى ناجي شوكت ضوءاً على هذا الموضوع في مذكّراته المطبوعة على الصفحات 261 ـ  262 وبالمناسبة لابد من القول إن إخلاص نوري السعيد للأسرة المالكة فوق مستوى الشبهات رغم شدة التناقضات بينه وبين الملك غازي، إلا أنه لم يكن ليتصور في يوم من الأيام أن يرى ياسين الهاشمي ينتسب الى الأسرة المالكة ولسان حال يقول كما تجمع عندي من المقابلات الشخصية، إن الهاشمي لايحتمل وهو وزير أو رئيس للوزراء فكيف سيكون حاله وحالنا بعد أن يصبح عماً للملك؟ لذلك سعى ذلك السعي الحثيث لإفشال مشروع زواج الملك غازي من خارج الأسرة المالكة والسعي في الوقت نفسه بتهيئة الأجواء لزواجه من ابنة عمه.

أما يوم الزفاف فقد تأجل الى ما بعد انتهاء أيام الحداد، وبعد مرور أربعة اشهر على وفاة الملك فيصل الأول من غير جلبة ولا ضوضاء ومن غير أن تقام أي مراسيم في البلاد احتراماً لزعيم الأسرة الهاشمية وأول ملك للعراق بعد استقلالها.
وقد وزعت الخيرات على الفقراء في جميع انحاء العراق، وأقامت الحكومة ولائم في الساحات العامة، وأطعمت الطعام لكل من حضر وقد صرفت في كل لواء 15 ديناراً للخيرات، وأمر الملك بتوزيع مبالغ أخرى على المعاهد والجامعات الخيرية في العاصمة.
أما حفلة القران فكانت غاية في البساطة، لم يدع إليها أحد غير أمراء البيت المالك والوزراء وقاضي بغداد ورئيس مجلس النواب مراعاة للحداد وحضر الملك عبد الله حفلة القران هذه واقتصرت على تناول طعام العشاء على المائدة الملكية.
وانتقلت الملكة عالية الى بيتها الجديد (قصر الزهور) وفيه أخذت تتلقى دروساً في العلوم والآداب على مدرسين ومدرسات ممتازين. والحقيقة التي لاجدال فيها، أن الملك غازي لو تزوج ابنة ياسين الهاشمي (نعمت) لتغير العراق وسارت البلاد في غير الاتجاه التي سارت عليه فيما بعد، وفي تاريخ العالك كثير من الأمثلة على أن زواج الملوك يغيّر مجرى تاريخ أوطانهم التي يحكمونها فقد تسعد وقد تشقى نتيجة ذلك.
ويروي توفيق السويدي جانباً من الأحاديث التي دارت بينه وبين الدوتشي موسوليني في شهر أيار 1934 بخصوص زواج الملك غازي فيقول:"سألني موسوليني عن زواج الملك غازي الأول بابنة عمه، فعلق على ذلك قائلاً: إنه كان يرجح أن يتزوج الملك غازي بإحدى بنات ملوك الدول العربية المجاورة للعراق أو البلاد الإسلامية حتى تتأثر الصلات وتتأيد الوشائج فيما بينهم، وذكر بصورة خاصة من أنه لو كانت الفرصة قد اتيحت لجلالة الملك غازي للزواج بإحدى بنات الملك فؤاد ملك مصر، لكان ذلك أحسن للطرفين، إذ ما فائدة البقاء في دائرة ضيقة من القرابة مع العلم أن التوسع فيها يؤدي الى نتائج للبلاد.