11 آب 1937..مصرع بكر صدقي وسقوط حكومة الانقلاب الأول

11 آب 1937..مصرع بكر صدقي وسقوط حكومة الانقلاب الأول

د. عكاب يوسف الركابي
من الأحداث المثيرة والخطيرة التي مرت بالعراق في بدء تأسيس دولته الجديدة حادثة عزل فهمي المدرس عن أمانة البلاط الملكي سنة 1922 إثر تظاهرة بيوم التتويج. إن الشواهد التي أذكرها هنا تؤكد أن المدرس – رحمه الله – لم يخطب أية خطبة يومذاك، وإن عملية فصله كانت مؤامرة محاكة ضد الوطنيين المقربين من الملك فيصل الأول،

ولعل الحاشية المحيطة بالملك كانت تخشى أي صوت عراقي وطني مقرب للملك وتلصق به التهم المختلفة لإيغار صدر الملك ضده أو التنسيق مع (دائرة المندوب السامي) لتصفيته.

لم يكن، بكر صدقي، غافلاً عن تصاعد المعارضة ضده، ولما ادرك اخيراً  بأن موقفه أصبح حرجاً للغاية وبخاصة بعد تدهور الأوضاع الداخلية، مال الى إحاطة نفسه بأعداد كبيرة من الحرس لحمايته من الاغتيال واتخاذ احتياطات خاصة للحفاظ على حياته، فهو لم ينم في مكان واحد ليلتين متتاليتين، حيث اتخذ من داره حصناً يمنع دخول أي أحد إليه، وأصبح لا يخرج إلا في أوقات متفاوتة، وانعزل عن اقرانه وجماعته من الضباط، إلا أن الفرصة المناسبة لاغتياله، جاءت عندما قررت الحكومة، ارساله على رأس وفد عسكري لحضور مناورات الجيش التركي في تراقيه، التي تقرر اجراؤها، في 18 آب سنة 1937، استجابة لدعوة الحكومة التركية، وعلى أي حال فقد هيّأت الظروف فرصة للتخلص منه بوساطة ضباط الكتلة القومية وبعض الضباط الكرد، الذين اغتالوه في الموصل في 11 آب 1937 وهو في طريقه الى تركيا.
وفي إثر مقتل، بكر صدقي، ألفت وزارة الدفاع وبآمر من، حكمت سليمان، في الثاني عشر من آب عام 1937، لجنة تحقيقة برئاسة، العقيد الوقتي انطوان لوقا (نائب الأحكام في الجيش العراقي) وعضوية، الزعيم (العميد) إسماعيل حقي الاغا،  والعقيد شاكر محمود الوادي، للتحقيق في حادثة الاغتيال، وتم ايفاد نائب الأحكام الى الموصل لاستجواب الضباط المتهمين وجلبهم الى بغداد، وأصدرت الحكومة في الوقت نفسه، بياناً رسمياً نعت فيه مقتل، الفريق بكر صدقي، وأعلنت أسفها للحادث.
وعلى الرغم من التغيير الذي طرأ على علاقة، حكمت سليمان، ببكر   صدقي – كما مر ذكره – قبيل حادث الاغتيال إلا أن، حكمت، اتصل هاتفياً بآمر المنطقة، اللواء أمين العمري، وأمره أن يفسح المجال للجنة التحقيقية لأداء مهمتها، لكن قيادة الموصل، أعلنت في الرابع عشر من آب 1937، عن قطع العلاقات بينها وبين الوزارة، بعد أن ألقت القبض على ((نائب الأحكام)) وحبسته، ثم أرسلته مخفوراً الى بغداد، ويبدو أن ذلك كان بتأثير من ضباط الكتلة القومية، التي نفذت الاغتيال، بعد إدراكهم لنوايا، حكمت، ومن ورائه الضباط الموالين، لبكر صدقي، في بغداد، والذين أعدّوا قوائم بأسماء المطلوب اعتقالهم حملها نائب الأحكام معه، دلت على ما قد بُيَّت لهم من مصير، ونتيجة للاتصالات التي قام بها ضباط الكتلة مع قطاعات بغداد، فقد أيدت قطعات بغداد، حركة الموصل، ولما كان لآمر معسكر الوشاش، العقيد محمد سعيد التكريتي، دور بارز في هذا المجال، فقد طلب، حكمت سليمان، من وزير الدفاع وكالة، علي محمود الشيخ علي، أن يصحبه لمقابلته، بعد أن رفض، التكريتي، الذهاب الى وزارة الدفاع.
ويبدو أن، حكمت سليمان، أراد التصدي لحركة الجيش في الموصل وإلقاء القبض على أمين العمري، ومهما يكن من أمر، فقد ذهب مع وكيل وزير الدفاع الى معسكر الوشاش، لإقناع آمره بالتراجع عن موقفه، ولما اجتمع وصاحبه مع آمر المعسكر، وعده حكمت، بأنه سيحاول كبح جماح جماعة،  بكر، غير أن، محمد سعيد، وضع شروطاً للتفاهم، منها، إبعاد بعض الضباط من أنصار، بكر عن مناصبهم لحين هدوء الأحوال، وعدم تدخل الجيش في السياسة.

اضطر، حكمت سليمان، بعد أن أدرك أنه أصبح في موقف حرج، نظراً لتأزم الوضع الداخلي، وتأييد وحدات الجيش لموقف، حامية الموصل، وخشية الملك غازي من انشقاق الجيش  الى الاستجابة الى مطالب الكتلة القومية، فقدّم استقالته، في السابع عشر من شهر آب 1937، الى الملك غازي وقبلها الأخير، جاء في كتاب الاستقالة ((مولاي صاحب الجلالة، نظراً الى أن حالة البلاد الراهنة لا تمكنني من الاستمرار في تسيير أعمال الدولة ومصالح المملكة، فاتقدم بعريضتي هذه راجياً من مولاي أيده الله أن يتفضل بقبول استقالتي من رئاسة الوزراء وإني لا أزال لجلالة سيدي. الخادم المطيع حكمت سليمان))
وهكذا قتل، بكر صدقي، مصدر قوة، حكمت سليمان، وقتل في الوقت نفسه سبب ضعفه، إن ما فعله، حكمت سليمان، حين أراد أن يتدارك الموقف وأن يصبح بحق رئيس حكومة، من خلال التحقيق في قضية الاغتيال، أمر فات أوانه، لأن المعادلة مترابطة لا تقبل الفصل، فقوته كانت مرتبطة بحياة، بكر صدقي، الذي سقط برصاصة الاغتيال في مقدمة رأسه وصدره، ولقد تأكد ذلك، لحكمت، عندما أعلنت حامية الموصل، تمردها على الوزارة مطالبة بإقالتها، وتلك كانت أسباب كافية جعلته يسلم بالحقيقة.
قرر، الملك غازي، تكليف، جميل المدفعي، بعد أن استدعي هاتفياً من لبنان، بتأليف الوزارة، وكان المدفعي الذي يعتبره الملك من اتباعه المخلصين، مقبولاً من جانب الكتلة القومية ومقبولاً من العناصر المؤيدية، لحكمت سليمان، حتى أن، حكمت، كان قد سعى في الأيام الأخيرة لإشراكه في وزارته كوزير للدفاع.

عن رسالة (حكمت سليمان ودوره في السياسة العراقية)