فصل من كتاب: رينوار.. أبي

فصل من كتاب: رينوار.. أبي

جـــان رينـــــوار
ترجمة : عباس المفرجي
في ربيع عام 1963، كتب جان رينوار، من منزله في هوليوود، الى ناشر كتبه بنيت سيرف :
في ودّي أن أحاول إعطاء شكلاً لما أتذكره من أحاديث أجريتها مع والدي، على الأخص في السنين الأخيرة من حياته. سوف لن أنقل الحوارات بالضبط،، إذ انني لا أتذكرها، بل سأحاول أن أقدم فكرة عن انطباعي الماضي حول هذه اللقاءات، وحول الطريقة التي تركت بها تأثيراً عليّ اليوم.

دارت هذه الأحاديث حول أمور شتى : تجربته في الماضي، طفولته، عائلتنا، أصدقائه، الأشخاص الذين كانوا موضع إعجابه، وفي جزء كبير منها، أيضاً، وجهة نظره المرتابة حول التغيرات السريعة لعالمنا الحديث.
كان المخرج السينمائي، وقتذاك، يبلغ التاسعة والخمسين من العمر، وعند صدور الكتاب في عام 1962، كان قد بلغ الثامنة والستين. عندما بدأ هو وأبوه أحاديثهما المطوّلة في عام 1915، أثناء فترة نقاهة جان الطويلة من جراح متعاقبة أصيب بها في الحرب، كان جان في الواحدة والعشرين من العمر، وأوغست في الرابعة والسبعين. فالكتاب، إذن، هو ذكريات إبن، ملأى بالحنين، عن أبيه في خريف عمره، دوّنها عندما بلغ هو نفسه هذه المرحلة من العمر. عمراهما المتقدمان أنتجا، بشكل مؤثر، مزيجاً مؤثراً من الحنين للماضي.
في محاولته لإضفاء، ربما، نوع من الحياة على ذكرياته، وضع جان كلمات أبيه بين قوسين، بالرغم مما قاله لسيرف بأنه لن يقوم بنقلها حرفياً. فهو لا يملك كتابات مسجلة لأحاديثه بين عامي 1915 و 1919، لذا استل هذه الأحاديث من الذاكرة، ومن اللقاءات التي أجراها مع العديد ممن عرفوا الرسام، وبشكل رئيس غابريال رينار سليد (1879- 1959)، التي كانت مربّيته في الطفولة، وواحدة من موديلات الرسام المفضلات، والتي كانت تعيش وقتئذ في الجوار، في هوليوود. استخدم في أحاديثه جهاز تسجيل، وربما ملاحظات مكتوبة، عندما كان الإثنان ((يلعبان لعبة صغيرة في الغوص في الماضي)). كانت غابريال مصدره في الفترة التي سبقت ولادته وفي طفولته المبكرة. ((من الصعب معرفة أي من الذكريات الخاصة بي وأي الخاصة بها)). طلب جان، أيضاً، من أصدقاء وباحثين أن يزوّدوه باقتباسات مطوّلة من الكتابات المبكرة عن رينوار، والنصف الأول من الكتاب يتألف في معظمه من مزيج من هذه الكتابات وسير حياة وتواريخ متيسرة. بالإضافة الى ذلك فإنه استخدم كتابات شاملة بقلم والده (كانت قد نشرت لتوها *)، استشهد منها بثلاث صفحات من أقوال مأثورة، وأعاد صياغتها ونظمها من جديد على شكل حوار.
غلب على كتاب"أبي رينوار"طابع المرح وإتسم أحياناً باللهجة الفظة، التي ميّزت أفلام ما بعد الحرب لجان رينوار، مثل"فرنش كانكان"(1955)، أو"مسرح جان رينوار الصغير"(1969)، أكثر مما اتسم بالجدّة النقدية لأفلامه العظيمة، مثل"الوهم الكبير"و"قواعد اللعبة"(الإثنان أنتجا في السنوات الأخيرة من الثلاثينيات). لكن حين يبلغ الكتاب زمن أحداث الحرب الأولى، يأخذ طابعاً أكثر مباشرة. ربما لأن جراح جان، التي أصيب بها في رجله، جعلته يتعاطف أكثر مع حالة أبيه الصحية. لا يمكن للمرء أبداً أن ينظر ثانية بلا مبالاة الى رسوم وبورتريهات رينوار، بعد أن يقرأ ذكريات جان عن معاناة أبيه الكارثية من مرض الروماتزم. بالرغم من عجزه، فإن رينوار نادراً ما توقف عن الرسم، ومن ثم ــ هذا ما يكتبه مخرج الأفلام ــ.
يجتاح الظلام مرسمه، في بولفار روشيشو، فيحمله على الإنسياق في الماضي. فأخذ أنا عوناً من هذه الفسحة كي أرفعه من كرسيه، ماسكاً به بإحكام، بينما تقوم غران لويز بملء وسادته المطاطية بالهواء، ثم، وبأكبر قدر ممكن من الحيطة، نضعه على كرسيه، ونجعله يستقر بأفضل وضع. ((كم هو شيء قذر هذا المطاط!... هل لك أن تعطيني سيجارة؟)) ينشق من سيجارته أنفاساً قليلة، ثم يطفئها.
إنه وصف مثير للمشاعر، ذاك الذي يصف فيه جان محاولات أبيه المبكرة في تفادي مرض الروماتزم، الذي شلّ في النهاية يديه، عندما كان يلعب البيلبوكيه (لعبة كرة القَرْن)**، وحين لم يعد هذا ممكناً صار يستخدم جذعاً خشبياً ناعماً.
لم يعط جان الكثير من التفاصيل عن حرفة أبيه، لكنه قدّم وصفاً مفعماً بالحيوية عن الرسام أثناء عمله، وهو يتمايل في كرسيه جيئة وذهاباً نحو اللوحة بحركات سريعة متيبسة، وفرشاة الرسم مشدودة الى معصمه.
 والده العجوز، يكتب جان
كان يرهق موضوعه بشكل متواصل مثل عاشق يضايق فتاة، هيأت نفسها للصراع قبل الاستسلام. كان يبدو، أيضاً، وكأنه مشغول بمطاردة صيد. العنف المصحوب بالقلق لضربات فرشاته، اللجوجة والدقيقة، والتي تضيء مديات رؤيته الثاقبة، تذكرني بالطيران المتعرّج لطائر السنونو وهو يلاحق حشرة. استعرت هذه المقارنة من عالم الطيور عمداً. فرشاة رينوار المربوطة بإدراكه البصري، تشبه منقار السنونو المربوط بعينيه.
يقدم جان وصفاً مباشراً لبعض من مواضيع بورتريهات رينوار، ومنها اللوحة الشهيرة لتاجر اللوحات امبريوس فولار. نحن نعرف أن رينوار اختار لموديله زي مصارع الثيران في اللوحة التي صوّر بها فولار عام 1917، كي يتلائم مع ما كان يراه من غرابة في هذا الرجل الداكن البشرة. ((كان فيما مضى عطيلاً)) هاهو ينقل كلام أبيه، ((وحين تقدم به العمر صار ماسينيسا ملك نوميديا.)).
الجمال الخاص لكتاب"أبي رينوار"يكمن في تدفق لاوعي جان، الذي يجري في كلا الاتجاهين بينه وبين أبيه. كتب أن والده ((كان سيبتهج لو عرف أن الذرة يمكن أن تفلق))، ومن ثم فإن الرسام ((سيتخيل بأن المكروبات التي تسبب الزكام، على سبيل المثال، تعتبر نظامها الشمسي، داخل أنفه، مركز العالم)) هذه العبارات تبدو ملائمة بأن تكون ما تخيل جان أن والده سيقوله، أكثر مما قاله فعلاً. إذا أردنا برهاناً آخر، على هذا الدمج بين الشخصيتين، سنجده في القائمة التي أعدّها جان عن الأشياء التي يحبها أبوه وعن الأشياء التي يكرها، والتي من العسير تمييزها عن تلك الخاصة به هو. كان أوغست يحب ((سقوف القرميد البورغونية أو المتوسطية المكسوة بالأشنات؛ جلد إمرأة متعافية أو جلد طفل؛ الخبز الأسمر؛ اللحم المشوي على نار خشب أو فحم؛... سراويل الجينز التي يرتديها العمال، المغسولة والمرمّمة مرّات كثيرة)).
بين مشاهد الحياة التي يتشارك بها جان مع أوغست، هي كره ((التغيرات السريعة في عالمنا المعاصر)) التي أشار اليها في رسالته الى سيرف. حسب رأي الرجلين، أن المادية والآلات والإنتاج الكبير تخمد الفردية وتفسد الطبيعة وقيم الفن. فهي ((جذام الصناعة الحديثة))، التي كتب عنها جان عندما عاد الى زيارة أماكن أبيه في شاتو. تقريباً كل لقاء غير متوقع في الكتاب مع مواقع أبيه المرسومة ومع منازل عائلته القديمة يجعله يتفجع على حياتهم الغابرة. ففي الأقاليم اليوم ((أستبدلت بيوت المزارعين الصغيرة، مع سقوفها القرميدية المتوسطية، بشقق من بنايات السمنت المسلح. والطاحونة القديمة في الوادي تحولت الى نادٍ ليلي)). في مونمارتر، يأسف جان على اختفاء قطعة الجنينة قرب مرسم أبيه القديم، التي صار مكانها بناء من ثمانية طوابق.
في رسالته الى سيرف قال جان، ((سأحاول تقديم فكرة عن انطباعي الماضي)) في لقاءاته مع والده، ((وعن الطريقة التي تركت بها أثراً في نفسي اليوم)). فيلم"فرنش كانكان"الذي أخرجه بعد سنتين من بدء العمل في الكتاب، يدور حول هذا الأثر، لأنه عودة مليئة بالشجن الى مونمارتر في نهاية شبابه، حيث تمتزج الذاكرة برسوم أبيه. في هوليوود، حيث أقام بعد العام 1940، كانت حديقة زوجته ديدو، تذكره بـ"بارادو"، الحديقة الجنوبية في رواية زولا"غلطة القس موريه". أحاط نفسه بأثاث وأشياء من البيت العائلي لأبيه، ((بساط سحري، يأخذني بعيداً الى حياة ماضية أتمنى أن أعيشها ثانية)) استعان بسجادته السحرية كي يقدم وصفاً رائعاً عن أناس ((العهد الجميل))، مثل الممثلة جين ساماري، التي رسمها رينوار قبل ولادة جان بزمن طويل.
الحوار بينه وبين القارئ في مدخل الكتاب، يُظهر جان وكأنه كتب كتابه كما لو كان فيلماً. إنه يتذكر زمن إقامته، بعد وفاة أبيه، في شارع فروشو في بناية، تقول الإسطورة إن ديما الأب شيده، وهذا يدعوه الى إقحام آراء أبيه عن ديما. من نفس الشقة، في رو فروشو، كان بوسعه أن يرى المبنى الذي عاشت فيه جين ساماري. يتخيلها متكئة على النافذة تتطلع الى الخارج، أو وهي تتسوّق في الصباح في شارع لوبيك ((تتخير بعناية البطيخ، تتلمسه لترى إن كان ناضجاً، وبنظرة فاحصة تنظر الى البيض لتتأكد أنه طازج)).
من الحماقة الاعتراض على هذه الاسترجاعات السينمائية، لأن قيمة وجاذبية كتاب جان رينوار تكمنان في بنائه التخيلي لزمن وشخصيات رسوم والده. فنحن لم نعترض على نفس النوع من الماضي المستعاد في"حصان العروس"، الوصف الجدير بالذاكرة لمقاطعة بريتاني، الذي يعتمد فيه بيير- جاكي الياس على المقابلات التي أجراها مع أبيه وجده، ليصيغ استعادة نوستالجية لعهدٍ ماض، قبل أن يولد. كلا الكتابين ينتمي الى رفوف مكتبة كل من يسعى الى فهم الثقافة الفرنسية في العهود الغابرة."أبي رينوار"من الوثائق الأكثر ندرةً، كتاب يقدم متعة هائلة، حين يستكشف أفكار إثنين من أعظم الفنانين.

مقدمة كتاب (رينوار أبي) لرينوار الابن
بترجمة عباس المفرجي الصادر عن دار المدى