في القرن التاسع عشر.. صـراع دولـي حــول آثار الشطرة

في القرن التاسع عشر.. صـراع دولـي حــول آثار الشطرة

شاكر حسين الشطري
تُعد الشطرة من أهم مراكز استقطاب الأثريين والمنقبين، إذ يوجد حول مركزها خمسة وأربعون موقعاً أثرياً، أما النواحي المرتبطة بها فيبلغ عدد المواقع الأثرية فيها واحداً وسبعين موقعاً أثرياً، وأصبحت لها أهمية عظيمة في إغناء المتاحف الأوروبية بألآثار والتحف النادرة بفضل عمليات التنقيب الواسعة التي قام بها المنقبون الأجانب، بالنظر لما تتميز به من غنى أثري.

شهد القرن التاسع عشر نشاطاً ملحوظاً في ميدان التنقيبات الأجنبية في العراق، وقد تنافست البعثات الأثرية الفرنسية والبريطانية والألمانية والأمريكية على نحو خاص في الحفر والتنقيب في المواقع الأثرية وتهريب نفائس المكتشفات الأثرية العراقية الى المتاحف الأوروبية والأمريكية، وقاد بعثات التنقيب في بادئ الأمر قناصل بريطانيا وفرنسا، وكانوا يستمدون معلوماتهم عن هذه المنطقة بالدرجة الرئيسة من اسفار العهد القديم (التوراة)، وكتابات الرحالة الذين زاروا اطلال المدن والمواقع القديمة ودوّنوا ملاحظاتهم عنها. وقد اهمل العثمانيون اثناء حكمهم للعراق جانب التنقيبات الأثرية، ففقد العراق الكثير من أهم الآثار واثمنها، لأنها كانت تنقل بسهولة الى المؤسسات والمتاحف الغربية، وكما نقل بعضها الى أسطنبول.
    ويوجد في الشطرة مواقع اثرية عريقة في القدم، من بينها آثار تللو، وهي موقع مدينة لكش القديمة التي نهب المنقبون غير المرخصين كثيراً من آثارها، وتختلف هذه المدينة عن غيرها من المدن بكونها هجرت قبل سنة 2000 ق.م، ثم استوطنت ثانية في ايام الملوك الأخمينيين في القرن الخامس والسادس ق. م، وكانت تللو تسمّى"شربولا"وهي من اشهر عواصم السومريين، وما زالت أطلالها مرتفعة تمتد في بقعة من الأرض طولها نحو ميلين ونصف الميل وعرضها نحو ميل وربع الميل.
    اهتمت بريطانيا في بادئ الأمر بهذا الموقع عندما زار القنصل البريطاني هنري رولنسون  (Henry Rolenson)(1842ـ 1855) هذا الموقع عام1842، وتساءل القنصل البريطاني لماذا لم يستطع معتمد المتحف البريطاني الحصول على اذن التنقيب في هذا الموقع.
       وإزاء هذا الأهتمام برز الأهتمام الفرنسي في هذا الموقع، فعلى إثر التنافس بين الأثريين البريطانيين والفرنسيين وما ذاع في أوروبا عن الثروات الأثرية الضخمة المدفونة، وجدت فرنسا في ميدان الآثار والكشف عنها مجالاً جديداً للمنافسة مع ألمانيا وبريطانيا، بوصفه صورة من صور الصراع السياسي بينهما، فقرر نائب القنصل الفرنسي في البصرة ارنست دي سارزك، عندما تسلّم وظيفته في كانون الثاني 1877التنقيب في هذه المنطقة، ولم يكد يمضي شهران على تعيينه حتى بدأ عملية التنقيب بدوافع تجارية بدون اذن من أسطنبول، بعد أن أثار تاجرٌ للتحف القديمة انتباهه نحو هذا"المنجم الذهبي للآثار". ووصل مع بعثته الى الموقع في نهاية  شباط من العام نفسه عن طريق البصرة()، فنجح بين عامي 1877و 1878 في الحصول على كمية كبيرة من المنحوتات والنقوش تمكن من ايصالها بسلام الى باريس، وباعها الى متحف اللوفر بمبلغ ضخم لحينه من المال وصل الى مائة وثلاثين ألف فرنك، أي ما يعادل 042,520 قرشاً. يذكر اندريه باروت(Andre Parrot) قصة اهتمام دي سارزك بالذهاب لهذا الموقع، وملخّص القصة، أن دي سارزك، كان يشغل في العام 1877 وظيفة الوكيل المعتمد للقنصل الفرنسي ببغداد، وفي ليلة كان ضيفاً عند جيلوتي المدير العام للبريد والتلغراف في بغداد، الذي علم من خلال هيئة التفتيش لخطوط التلغراف بأن العشائر يقومون باستمرار بنزع التماثيل، فأعلمه بذلك وأكد له أنه شاهد التماثيل الأثرية منتشرة على ضفاف الغراف (شط الحي)، وحينما سمع دي سارزك ذلك، قرر الرجوع مسرعاً الى هذه الأماكن وطلب من أسفر أن يتشفع له عند نعوم سركيس، أحد الوجهاء هناك، كما انه صادف أن وجد التماثيل الطينية المسروقة من هذا الموقع حينما شرع العشائر بشحنها في السفن، فقام دي سارزك وبلات، بشرائها منهم  بأثمانٍ بخسة، فكل قارب مملوء بالعاديات يباع بخمسة قروش، في الوقت الذي قدّر بارفت)ثمن مثل هذه الكمية بثلاثين ألف لوحة مفخورة دوّنت بالكتابة المسمارية، ووجدت في طبقات على رفوف تمثل ارشيف المعبد، فضلاً عن أنه جرت عدة تنقيبات خفية في تللو قبل هذا التاريخ، وهذا ما ظهر من خلال العمليات التنقيبية الثلاث التالية:ـ
1. جذع التمثال المنقوش، والذي اشتراه لحساب المتحف البريطاني السير هنري راولنسون(Henry Rawlinson  Sir) وذلك في عام 1851.
2. رأس كودية الموجود اليوم في بوسطن (Boston) حوالي عام 1870.
3. لوح كودية الموجود حالياً في متحف اللوفر في العام 1873.
        وبعد مدة وبينما كان دي سارزك في اسطنبول للالتحاق بوظيفته، تمكن من الحصول على أمر سلطاني من عبد الحميد الثاني بالتنقيبات في تللو، بفضل محاولات السفير الفرنسي في أسطنبول فورنير(U.Fournier) والكولونيل دريسـي (Dreyssi)فأستأنف العمل بالتنقيب، وكانت هذه هي البعثة الثالثة التي بدأت منذ 21 كانون الثاني 1880، فعثر خلالها على أشياء نفيسة في موقع القصر بلغ عددها تسعة تماثيل().
        ويبدو أن العشائر الذين كانوا يتجمعون بالقرب من هذا الموقع الأثري قد عرفوا أو ميّزوا قيمة تلك الصفائح الأثرية، فأرادوا استردادها، ومن ثم بيعها للتجار وفق السعر الذي يناسبهم. واضطر المنقبون الأوروبيون الى وقف الحفريات بسبب تلك الهجمات، كما يظهر أن هؤلاء المنقبين لا يملكون الحق في تعيين حرّاس عليها، لأن الأهالي كانوا يرون أن مثل هذا التعيين غير قانوني وماسٌ بحقوقهم الموروثة. وفي هذا الصدد يذكر الحسني بأن سارزك، عثر على أقدم بناء دنيوي عرف في سومر، كما عثر على نصب النسور الشهير الذي أقامه (اي اناتم) في نحو أوائل القرن التاسع والعشرين ق.م بوصفه علامة فارقة بين تخوم لكش وتخوم اوما (يوخا اوجوخا)، وكانت لكش من أنفع مواضع سومر وأكد، ومن أكثرها انتاجاً().
وفي 31 أيار1881 عاد دي سارزك الى فرنسا، حاملاً معه مجموعة كبيرة من التماثيل، ولأجل حماية هذه الآثار المهربة الى فرنسا والمحافظة عليها، تم انشاء قسم الآثار الذي ضمّ الآثار الشرقية، وفي العام1884 عُيّن دي سارزك قنصلاً لفرنسا في بغداد ومكث في هذا المنصب حتى عام 1887، وجاء هذا التعيين حرصاً من الحكومة الفرنسية على استمرار التنقيبات الأثرية في هذه المنطقة، فوظف دي سارزك بعثة رسمية من خلال وزارة التعليم العام، ووافق شكلياً على الشروط التي فرضها السلطان العثماني على المكتشفين الأثريين، اذ اخذت حكومة السلطان عبدالحميد الثاني على عاتقها مسؤولية تأمين الحماية الكافية والإسناد المباشر لعمليات التنقيب.    
    وفي العام1888 بدأت بعثة دي سارزك حملتها التنقيبية الخامسة، ثم بعدها بعام كانت الحملة السادسة، وفي غضون تلك الحملات عثر على وثائق اكثر قدماً من الوثائق المسمارية، تعود الى بداية الألف الثالث قبل الميلاد. لكن عمليات التنقيب الفرنسية توقفت بين عامي1890و1893 بسبب اصابة دي سارزك بالحمى وتدهور صحته، وخلال تلك المدة بقي هذا الموقع من دون حماية، فاستخرج العشائر ما يقارب من عشرة آلاف لوح، كما جاء تجار بغداد الى تللو بحثاً عن الآثار واستأجروا العمال للحفر ووعدوهم بزيادة الأجور في حالات العمل، وبسبب ذلك بلغت عمليات النهب والمتاجرة غير الشرعية ذروتها، ثم بعد ذلك بدأت العمليات التنقيبية الفرنسية في العام 1893 من خلال بعثات دي سارزك السابعة، والثامنة في العام 1894، والتاسعة في العام 1895، تميزت جميعها باكتشاف مستودعات اثرية كثيرة ضمّت العديد من الألواح الفخارية، فعلى سبيل المثال، فإن حملة 1894 استخرجت نحو ثلاثين ألف لوح()، وهكذا تفتحت عيون العشائر المحيطين بهذا الموقع على كنوزه، فاستخرجوا من 35 ألفاً إلى 40 ألف لوح، انتشرت بسرعة في مدن بغداد والبصرة والموصل، ومن الطبيعي أن لا يكون هؤلاء التجار متخصصين أو خبراء بهذه التجارة، لذا لجأوا الى مستشارين يقيّمون بضاعتهم من الأثريين المقيمين في بغداد، مثل بوينون (Poynon)، الذي حظي برعاية دي ليون هيوزي، لذا بيع الكثير من الألواح بأثمانٍ بخسة، فاللوح كبير الحجم كان يباع بعشرين قرشاً (نحو166 فلساً)، ومتوسط الحجم بعشرة قروش، واللوح الصغير كان يباع بثلاثة الى خمسة قروش.
   وكان تجار الآثار في بغداد، يفضّلون الحصول على القطع الأثرية والتحف الصغيرة لسهولة حملها، فيما كانت القطع الكبيرة الضخمة لا تنقل الى خارج البلاد إلا بصعوبة، ولم يكن من نصيب دي سارزك بعد فراغه من تنقيباته أن يعثر على كل خزائن كتب الهيكل في تللو، تلك الخزانة التي عثر عليها الحفارون من العشائر في ربيع عام 1894()، اثناء غياب دي سارزك، وفيها نحو 35 ألف صفيحة فخارية يرتقي تأريخها الى عام 2800 ق.م، وعثروا على آثار سومرية كثيرة ترجع الى عهد سلالة لكش والى أيام كوديه. كما تم العثور اثناء البعثة  التاسعة التي بدأها دي سارزك في 18 شباط 1895 على طبقة معدن بارز في تللو، لكن واجهته بعض الصعوبات، منها معارضة شيوخ العشائر الذين أدركوا أهمية هذا المشغل في سك العملة، وفي إثرها هوجم حارس المشغل في ليلة الثالث من آذار من قبل جماعة مسلحة، مما دفع دي سارزك الى طلب الحماية والمساعدة الرسمية، فاستطاعت قوات الجندرمة معالجة الموقف بعد أسبوع.

عن رسالة (الشطرة في أواخر العهد العثماني)