لنتذكّر الفنان علي الدبو

لنتذكّر الفنان علي الدبو

د. محمد علي فريد
هو علي عبد اللطيف محمود إبراهيم الآلوسي المعروف بـ"بعلي الدبو"من مواليد بغداد، محلة التكارتة سنة 1915 وعضو في فرقة رائد المسرح العراقي الفنان حقي الشبلي، كمغنٍ وممثل وحاصل على شهادة في الإخراج التلفازي من لندن سنة 1961، فهو يتصف بروح النكتة والشفافية ودماثة الأخلاق ولا يحب الإساءة لأي مخلوق ويؤمن بأن الفن لخدمة الشعوب وإسعاد الناس أينما وجدوا.:

عشق المونولوج عندما كان عمه المرحوم صالح عبد اللطيف مطرباً للمقامات العراقية وكذلك نسيبه محمد سبتي، فلهما صيت حسن في المواليد والأذكار وكانا يعملان مع الملا عبد الفتاح معروف، فتأثر بفن الغناء عامة منذ ظهورالاسطوانات في العراق سنة 1925. فتولع بالمقامات على الطريقة الموصلية وتأثر بسيد أمين الموصلي وأول مقام قرأه كان مقام أورفة:
صبا اليك قلبي وما تصابي     ولكن في صبابته اصابا
ترك ساحة المقام لأن الساحة كانت ملأى بالقرّاء الكبار أمثال رشيد القندرجي ومحمد القبانجي البلبل الفريد ونجم الشيخلي والحاج عباس كمبير وغيرهم كثيرون.
بعدها اتجه في حياته الفنية الى قراءة المربعات البغدادية، وأوّل مربع قرأه:
(درب الهوى منه جزت... سين ولام بيه شاهدت)
بعدها هوى المونولوج بعد أن أخذ بنصيحة عمه ونسيبه وكذلك الفنان حقي الشبلي، حيث كان كل من الفنانين علي الدبو والفنان عزيز علي، يعملان ضمن فرقة حقي الشبلي، ولعلي الدبو ذكريات كثيرة عزيزة عليه منها للشاعر الشعبي والصحافي والمنكت المشهور الملا عبود الكرخي، وكان"رحمه الله"من المعجبين بعلي الدبو ودائماً يردد على أسماعه (أنت فلتة ياولد)، وفي إحدى المرات طلب منه علي الدبو شعراً أو كلمات لأغنية فأعطاه (عافني ولفي ياخلك الله وشمّر). قدرت عدد مونولوجات على الدبو بـ (72) مونولوجاً أو اكثر، وهذا الرقم يُقال إنه مثبت في مكتبة الإذاعة، غير أن قسماً منها لم يبث لأسباب غير معلومة.
الفنان علي الدبو فنان متعدد المواهب من مربعات ومقامات وتمثيل وغناء، وكان متأثراً بالفنان حقي الشبلي الذي كان يلقي منولوجاته بين فصول المسرحيات التي يمثلها أو يخرجها في الثلاثينيات، فقد مثل في مسرحية (لاله هراتي) من تأليف سلمان الجنابي وإخراج حقي الشبلي، مثلت هذه المسرحية في قاعة مسرح المعهد العلمي مقابل جامع الحيدرخانة ومدير المعهد كان الفنان يحيى قاف، وكان معه العديد من الفنانين مثل عمو زكي وفائق حسن التشكيلي المعروف عالمياً وفتح الله الخيالي وصفاء الخيالي ونديم الاطرقجي والممثلة نزيرة خاتون القمارة جي.  وغنى أول مونولوج"الطلاق"من تأليف عبد الكريم العلاف سنة 1938.
وكانت مونولوجاته تعالج القضايا الاجتماعية والصحية والأحوال الشخصية، وله الكثير من المنولوجات منها على سبيل المثال لا الحصر : (كل يوم الهرجة إبيتي، الطب القديم،الجدري (الذي يقال انه انتشر سنه 1942)، الطلاق، المطيرجية وسكران بالك عنه وغيرها)، حيث كان فن المونولوج رائجاً وشائعاً في تلك الفترة، حتى أن الأستاذ القبانجي غنّى منولوج في العراق على أسطوانة أم الغزال وهي:
(خليها سنطة، ياخذها سفطة، هوسة ياريما، صارت عونطة)
وقدم الى المحاكم بسببها لما حوته الكلمات من غمزات سياسية، علماً بأن أول من غنى المونولوج في العراق هو الفنان الكبير عزيز علي، حيث كان كل من الفنانين عزيز علي وعلي الدبو في فرقة حقي الشبلي، وأبدع الفنان عزيز علي في غناء المونولوج  لأنه اتجه إليه بكل روحه، كما أنه مثقف ثقافة عالية ويجيد عدة لغات كالانكليزية والروسية والألمانية والكردية، إضافة الى لغته الأصلية العربية، وكان شاعراً من الطراز الفريد وقد اختص بنظم نوع جديد في الشعر لا يجيده أحد غير عزيز علي نفسه.
بعد ذلك ترك الفنان علي الدبو هذا اللون من الغناء الموجّه الخفيف لأنه كان يسجّل المونولوج وبعد أن يتم فحصه يركن على الرف بدون معرفة السبب، ويُثار الجدل بين المخرجين من دون نتيجة، أخيراً قالوا له :"يا علي أفندي وقت المونولوج راح والشعب قد ترقى عن هذه المفاهيم الفنطازية".
اتجه الفنان حقي الشبلي الى التمثيل والفنان محمد القبانجي كان راسخاً في المقام العراقي.. فلم يجد الفنان علي الدبو فسحة له في كل هذه الفنون، فاتجه الى فرقة الجالغي البغدادي، وأصبح أحد أعضائها واختص بالعزف على الرق حتى وافاه الأجل.
أخرج الفنان علي الدبو العديد من الأغاني الفلكلورية"كزفة العروس والحنة"والكثير من أغاني أحلام وهبي وهيفاء حسين ودلال شمالي وسمورة وجاكلين وسلامة وسميرة توفيق.
في الثلاثينيات، بدأت بعض الفنانات يسحبن البساط من تحت أرجل الرجال ويأخذن مواقعهن منهم، من هؤلاء الرائدات ماري كزبرخان، ذهبت ماري مع فرقتها الى الحلة لتقديم مسرحية (بيبي خجاوي) وقبل البدء بقليل زعلت كزبرخان وتجمع المخرج والممثلون وبعض أهل الخير ليقنعوا ماري ويخفّفوا من حدة زعلها، ولكنها أبت، جمعت حوائجها ولبست نعالها وغادرت الى بغداد.
ماذا يصنعون والمسرحية هي (بيبي خجاوي)، والشخصية الرئيسة هي ماري نفسها، لم يجدوا غير حل واحد من اثنين، أما أن يلغوا المسرحية أو يبحثوا عمن يحل محل ماري، وكان الاختيار الأول صعباً، فالمشاهدون داخل الصالة ولايستطيع أي أحد أن يقف أمامهم ويعلن عن تأجيل المسرحية، اذن ليبحثوا عن بيبي خجاوي أخرى، في تلك اللحظة، نهض علي الدبو وتطوع أن يكون بيبي خجاوي، وهكذا شاهد جمهور الحلة في بداية الثلاثينات امرأة على المسرح من دون أن يعلموا أنه المنولوجست علي الدبو.