في ذكرى رحيله في 27 حزيران 1977.. من طرائف أحمد الصافي النجفي

في ذكرى رحيله في 27 حزيران 1977.. من طرائف أحمد الصافي النجفي

إعداد : ذاكرة عراقية
كان الشاعرالعراقي الكبير أحمد الصافي النجفي قد آثر الإقامة في بلاد الشام متنقلاً بين دمشق وبيروت منذ عشرينيات القرن الماضي، وبقي حتى منتصف السبعينيات في بيروت حين اندلعت الحرب الأهلية هناك، وكان يقيم في غرفة متواضعة أيضاً، بالقرب من مشفى"أوتيل ديو"، وكان يسير بمحاذاة الجدران في الشوارع، تحسباً من الرصاص الطائش،

 لكنه في ليلة من منتصف عام 1976، وبعد أن مكث في غرفته خمسة أيام من دون طعام، وبعد أن اخترق الرصاص جدار غرفته، قال"بين الرصاص نفذتُ ضمن معارك/ فبرغم أنف الموت ها أنا سالمُ".

خرج يبحث عن رغيف خبز، أو طعام ما، فأصابه قنّاص بعدد من الرصاصات اخترقت جسده النحيل، فسقط بعد بضع خطوات أمام منزل جاره، الذي سارع بالاتصال بالسفارة العراقية في بيروت، وأعلمهم بما حدث، فنقلته سيارة خاصة إلى مشفى"المقاصد"للعلاج، ففقد بصره أول الأمر، ثم نقل إلى بغداد، وحال دخوله العاصمة عن طريق المطار، قال"يا عودة للدار ما أقساها/ أسمع بغداد ولا أراها".
وبقي في مشفى مدينة الطب عشرة أيام، أجريت له خلالها عملية جراحية لاستخراج رصاصة في صدره، وقد نجحت العملية، لكن جسده المنهك أصلاً لم يقو على تحمّل الألم والأوجاع المتتالية، فتوفي في السابع والعشرين من يوليو/ تموز 1977. وفي ذكراه نقتطف بعضاً من طرائفه التي اشتهر بها.

أمير المفلسين أحمد الصافي

وفي إحدى المرات دعيَ الشاعر العراقي أحمد الصافي النجفي الى إلقاء قصيدة في إحدى المنتديات الأدبية في لبنان، وقام عريف الحفل بتعريفه مطلِقاً عليه لقب أمير الشعراء، ولكن هذه التسمية أثارت الشجون في نفسه فضمتها رباعياته الشهيرة حيث يقول :
فكم من أحمق فيهم دعاني أميراً مالئاً قلبي شجونا
دعاني بالأمير وكنت أولى بأن ادعى أمير المفلسينا
ويقول أيضاً في مكان آخر حول الإفلاس الذي كان يعاني منه طوال حياته لإبائه وعزة نفسه :
صافحتْني يدُ امرئ فرآني ساخنَ الكفِ من لظى الوسواسِ
قال هذي حرارة الإيمان قلتُ لا بلْ حرارةُ الإفلاسِ


حسناء في معرض دمشق

ذهب أحمد الصافي النجفي ذات مرة لزيارة معرض دمشق الدولي. وتعب من كثرة السير فجلس بجوار نافورة جميلة فجاءت حسناء بارعة الجمال وجلست بجواره وسألته : هل أنت أحمد الصافي النجفي الشاعر المشهور؟
فقال: هو بلحمه و دمه واعجابه بهذا الجمال الأخاذ يا ذات الصون والشرف والعفاف.
فقالت هي بلهجة شامية : تقبرني
 قل بي شيئاً من شعرك ألا ترى أني استحق؟
فقال: سمعاً وطاعة وحباً و كرامة، وقال بيتين من الشعر الفوري أو العفوي وهما :
ومليحة جاءت لمعرض جلق    
        تطفى مناظره بمنظرها الوضى
 هي ما أتت لتشاهد معرضاً     
       جاءت لتعرض حسنها في المعرض

وانتشر هذان البيتان في هذه السنة انتشار النار في الهشيم فقد لجأت هذه الحسناء الى وسائل الإعلام ونشرت هذين البيتين.

قدّم له صديق قديم مبلغاً من المال داخل رسالة في مناسبة من المناسبات فحار الصافي في رفض المبلغ أو قبوله، وقد عبّر عن هذه الحيرة في أبيات، منها:
ونبيلُ قومٍ جادَ لي برسالـــــــةٍ *******فواحـــــةٍ من لطفِهِ بعبيرِهِ
وإذا بها ملغومةٌ بسخائِــــهِ ****** فأحترتُ بين مسائتي وسرورِهِ
حاولتُ ردَّ سخائِهِ فخشيتُ أن *****أقضي علي نبعِ السخا بضميرِهِ
فرضيتُ منكسراً بجرحِ كرامتي **وقبلتُ جرحي خوفَ جرحِ شعورِهِ
 
في مقهى الهافانا الدمشقي كان يتجمع حوله كل عشاق الأدب والفلسفة يومياً. وزوّاره يأتونه من الدول العربية كافة، وكان أقرب أصدقائه في دمشق، عبد السلام العجيلي وفخري البارودي وبدوي الجبل وعمر أبوريشة وأحمد الجندي وسعيد الجزائري.
أما في مقاهي بيروت (مقهى البحرين، مقهى فاروق، مقهى الحاج داود)، فكان من صحبه ميخائيل نعيمة، الشاعر القروي، مارون عبود، وآخرون.. كان يدوّن قصائده على حواشي الصحف، وعلى أغلفة علب السجائر، ويحررها ليلاً في غرفته على ضوء مصباحه الوحيد، الذي يتدفأ به أيضاً.

حدث أن انقطع الصافي عن مقهى الهافانا لفترة، واستبدله بمقهى آخر، فانقطع الكثير من الزبائن والضيوف عنه كذلك، فذهب إليه صاحب المقهى متوسلاً"قل ماذا تريد، مر بما تشاء، ولكن عُد إلى المقهى فقط، الله يستر على عرضك، أنا وأولادي تحت أمرك، وإن أردت ألّا يتناول أحد من مجالسيك مشروباً، فأغمزني عليه فقط"، إذ عرف عن الصافي بأنه كان يدفع مشروبات كل مجالسيه، فعاد إلى المقهى بعدها فعلاً.
زاره بدر شاكر السيّاب مرة في مقهى الهافانا، ونشر عن تلك الزيارة وتجربة الصافي الفريدة مقالاً مطولاً في مجلة"أهل النفط"البغدادية. أما عن رفضه التام لإقامة الاحتفالات التكريمية له، فقد قال لمن يدعونه بغرض تحيته"كان ذاك السلام لي مهرجانا/ مهرجاني على الرصيف يقام".

ومهما كان رأي النقّاد في شعر الصافي النجفيّ، فإنّه سيظلُّ واحداً من أولئك الشعراء المحدثين العظام الذين خلّصوا الشعر العربيّ من زخرفة البديع وحوشي الكَلِم، وأرسلوه بلغةِ البسطاء من الناس، وتناولوا فيه همومهم ومشكلاتهم. وسيبقى أثيراً إلى نفسي بفضلِ رقَّةِ روحه، وحبِّه للفقراء والمساكين، وسأذكر، ما حييتُ، تلك القصيدة التي حفظتها له في المدرسة الابتدائيّة بعنوان"الفلاح":":
رفـقاً بنفســكَ، أيـها الفــلاحُ تسـعى وسـعيك لـيسَ فيه فَلاحُ
لكَ في الصباح، على عنائك، غدوةٌ وعلى الطوى، لك في المساء رواحُ
هذي الجـراح براحتيكَ عميــقةٌ ونظـيرها لك في الفـؤادِ جـراحُ
في الليلِ، بيتُكَ ـ مثل دهركَ ـ مُظلمٌ ما فيه لا شــمعٌ ولا مصبـاحُ
ويخرُّ ســقفكَ إن همت عين السـما ويطيرُ كوخكَ إن تهبّ ريــاحُ