حكاية عبد الصاحب شرّاد  مع محمد الموجي

حكاية عبد الصاحب شرّاد مع محمد الموجي

  ثامر العامري
المطرب الريفي عبد الصاحب شرّاد ذو الصوت الشجي والقوي والأداء المتميز والقادم من أعماق الريف العراقي والذي كانت أغانيه على شفاه الناس لفترات الفن الذهبية في الستينات والسبعينات من القرن الماضي.
ولد في بغداد في عام 1927.. لقد تجذر حب الغناء في نفسه عن والده السيد شرّاد وحيد الذي كان يجيد الغناء ولكنه لم يحترفه.

في أوائل عام 1952 انطلق من الإذاعة صوت غنائي ريفي جديد.. صوت لشاب تميّز بجمال صوته الطروب وطابعه الريفي الخاص.. إنه المطرب عبد الصاحب شرّاد الذي أصبح فيما بعد من ألمع مطربي الغناء الريفي فهو مطرب إذاعي وتلفزيوني ناجح.  بعدما كان  عاملاً في شركة الغزل والنسيج العراقية.. حيث بدأ في هذه الشركة كعامل وأصبح برّاداً في شعبة النسيج.
أقامت شركة الغزل والنسيج في مطلع عام 1952 حفلة ترفيهية لعمّال المصنع برعاية أديب الجادر وزير الصناعة الأسبق، والذي كان آنذاك مديراً عاماً للشركة.. ورشّح بعض العمال ليقوموا بالتمثيل والغناء وكان عبد الصاحب شرّاد واحداً من بين اولئك المغنّين.. وفي تلك الحفلة غنى أوّل مرة أمام جمهور كبير من العمال وأصدقائهم وكان بعض المطربين والمطربات الإذاعيين مدعوين الى تلك الحفلة منهم المطربة راوية وكبير المذيعين يومذاك – محمد علي كريم – وكان أحد المصريين هو السيد عبد الرحمن المصري الذي سمعه فشجعه كثيراً، وقال له بعد الحفلة: صاحب إن صوتك جميل جداً وصالح للإذاعة.. فلماذا لاتغني؟ وكان قوله هذا خير مشجّع له.. وقدمت له بعد الحفلة هدية وهي كأس فضيّة قدمها له الجادر المدير العام تقديراً لمساهمته في تلك الحفلة التي ظهرت فيها موهبته كمطرب ريفي جديد، وفعلاً تقدم الى الإذاعة للعمل كمطرب فيها في نفس العام، ووافقت لجنة القبول بأغلبية الأصوات، بأربعة أصوات مقابل صوت واحد هو صوت (حضيري أبو عزيز) العضو الوحيد الذي عارض في قبوله كمطرب.. غير أن رأي الأغلبية قرر اعتباره مطرباً إذاعياً وفعلاً خصصت له ثلاث حفلات غنائية حيّة في كل شهر.
كما غنى من التلفزيون بناءً على رغبة المدير العام – آنذاك- المقدم عبد الستار رشيد، وفعلاً بدأ يغني في ركن الريف.. ثم انتقل الى تقديم حفلات غنائية في كل شهر أربع حفلات بمصاحبة فرقة التلفزيون الموسيقية. زار الملحن المصري المعروف محمد الموجي بغداد، ضمن جولة تسويقية شملت بلداناً عربية عدة، إذ أنشأ في حينها شركة انتاج مع السيد بدير والمخرج السوري نذير عقيل، وكانت تربط الموجي علاقة حميمية بمدير إذاعة بغداد آنذاك، وحسب قول مدير الإذاعة:"دخلنا ذات صباح أنا والموجي الى استوديو الموسيقى فسمع مطرباً شعبياً اسمه عبد الصاحب شرّاد يسجّل إحدى أغنياته. ادهشه صوته بنقائه وقوته، وجلس الموجي ينصت بكل جوارحه، الى أن انتهى شرّاد من غنائه، فقال: أريد أن التقي بهذا المطرب، لقاء عمل، وبالفعل حصل اللقاء، فقال له: اسمع أعرض عليك ما يلي:"تأتي معي الى القاهرة وتقيم على نفقتي الخاصة، على أن تتفرغ لألحان سوف أضعها لك وأقوم بتدريبك عليها. سأطلقك بعد ستة أشهر في سماء الغناء العربي، بعد أن أعلمك فن الظهور والتصرف بنجومية. شرطي الوحيد أن توقّع معي عقد احتكار لمدة خمسة أعوام اتقاسم فيها معك كل ما سوف تحصل عليه من المال".
اعجاب الموسيقار محمد الموجي بالمطرب الريفي عبد الصاحب شرّاد، وتبنّي موهبته ليطلقه نجماً في سماء الأغنية العربية، هذا العرض كان مطمح وغاية كل مطرب، لا سيّما أنه صانع النجوم وكان في أوج عظمته في صياغة الألحان الخالدة، بعد أن غنّت له كوكب الشرق أم كلثوم وعبد الحليم حافظ ونجاة الصغيرة وكبار المطربين العرب.. ما تتوقعون أن يرد شرّاد على الموجي؟
لنعود الى القصة: لم يصدق عبد الصاحب شرّاد ما سمع. حتى أن الفرحة أخرستهُ فلم ينبس ببنت شفة. وخرج ولم يقل له ولو كلمة شكر عابرة!.
وقبل أن يسافر الموجي دعوت المطرب المذكور لمقابلته. فاعتذر، ورفض العرض، وقال:"إنني راضٍ عما أنا فيه الآن، فلماذا اغترب وأغامر وقد أفشل وأعود بعد ذلك لابدأ من جديد؟."
فتفوت على مطربنا صاحب شرّاد فرصة ذهبية، لا تأتي إلا للذي له حظ كبير، ولتغيّرت حياته رأساً على عقب، ولانتشلته من القاع الى مصاف النجوم العرب، لكنه زهد بشهرة كبيرة طرقت بابه. بسبب روحه التي يغلفها الخوف من امتطاء صهوة المغامرة، وعدم وعيه بأهمية الفرصة المواتية.
رحل هذا الفنان ولا يزال في ذاكرة الناس بعد أن قدّم عدة أغانٍ لاتزال الناس تردّدها مثل:
*أه ياعيني
*ذبي العباية
*تتندم علي
*سفرتكم لطولوهه
*الهجع
*آه يا عيني شضامتلي
*يا خايبة اهنا
*تطلع شمس وتغيب
*ياسفانة
*سلمت ما كلي هله
*اريد وياك"
*عجيبة يا حلو والله عجيبة تخلي الروح من بعدك غريبة
*أرد انشد من أهل الهوى.