من ذكرياتي في مقاهي بغداد

من ذكرياتي في مقاهي بغداد

حسين مردان
كانت الزيارات بين أدباء وشعراء المقاهي عادةً طريفةً تشكّل نواةً متفجرة للحوار والمصادمات الأدبية.. وكانت جماعة مقهى (حسن العجمي) تضم البراك والجواهري وجلال الحنفي وكمال الجبوري وغيرهم.. وكنا نحن أدباء الشباب نعامل كل هؤلاء بتقدير فائق، وكانوا بدورهم يشيدون بنتاجاتنا فيسهمون بدفعنا للتجديد والابتكار،

 وشيئاً فشيئاً بدأت أصبح نقطة لتجمع أدبي جديد، فانتقلنا ومعي كل من رشيد ياسين وبلند الحيدري وزهير أحمد القيسي الى (مقهى البلدية) وكان شعراء أدباء الكليات يهرعون إلينا بمجرد الانتهاء من دروسهم، ومن هؤلاء بدر شاكر السياب وعبد الرزاق عبدالواحد وأكرم الوتري.. فقد كانت تلك المقاهي جامعات حقيقية للأدب والشعر، وكنا نعيش في جو من الصداقة الصميمية..

ومع أننا لم نكن نمارس التفكير السياسي بصورة جدية فقد كانت حياتنا سلسلة من العذابات والحرمان.. إلاّ أننا كنا نمثل أسلوباً فريداً من ناحية تطبيق الاشتراكية.. فعلبة الدخان التي كان يملكها أحدنا تطرح على الطاولة لتكون مشاعة للجميع.. وكان أكثرنا مالاً هو الذي يدفع ثمن أكواب الشاي.. وأحياناً كنا نفرض على أدباء دار المعلمين العالية دعوتنا الى تناول الطعام في مطعم الكلية.. وفي الواقع كنا نحسدهم كثيراً، ولطالما طلبنا منهم أن يصفوا لنا الأكلات الشهية والفواكه ليؤتى بها إلينا.. كذلك كنا نشترك في نظم القصائد وكتابة المقالات النقدية. ولعل الأخ زهير احمد القيسي هو الوحيد الذي لم يزل يحتفظ بتلك المنظومات التاريخية..
وكان رشيد ياسين من عناصر الازعاج بيننا فقد كان يستغل معرفته بالنحو لإثارة بعضنا، فكنا نتهمه بالجمود وقد نذهب الى أبعد من ذلك فنسخر من سيبويه وكل فلاسفة اللغة.. وهكذا نضطره الى السكوت ثم الضحك. وبعدها تحولنا الى (مقهى الدفاع) وهنا التحق بمجموعتنا عدد من المثقفين والكتّاب وعلى رأسهم المسرحي صفاء مصطفى وكمال القيسي والممثل يحيى فائق وغائب طعمة فرمان، ومصطفى الفكيكي – صاحب مجلة الراصد الآن- وفي هذا المقهى بدأت محبتنا للشطرنج، حيث كان يلتقي أباطرة هذه اللعبة كالسيد عبدالرزاق المدرس والشيخ عبدالكريم الطحان، الذي يعتبر مؤسس المدرسة العراقية في هذا الفن، ومن هذه الأجواء بالذات ولدت الشخصيات الحقيقية لرواية (خمسة أصوات): وفي تلك الفترة وصل جبرا إبراهيم جبرا الى العراق وانضم الى جماعة (كافيه سويس) والتي كانت ترتبط بنا أيضاً، ولكننا لم نكن لنهتم بهم كثيراً لما يبدو عليهم من مظاهر الترف البرجوازي ومن هؤلاء الرسام جواد سليم ونجيب المانع وعبدالملك نوري ونزار سليم،، وكان ساطع عبد الرزاق هو حلقة الوصل بين الجماعتين، وقد استطاع بمساعدة بلند الحيدري سحبي الى ذلك المقهى الأنيق، ولكن وفائي الطبقي كان يدفعني الى العودة الى اصدقائي القدماء، وأخيراً قررت الانتقال الى المقر الجديد في (مقهى الصباح) في باب المعظم. فقد كان السأم من وجوه الزبائن المدمنة وتكرار المنظر الواحد من الأسباب التي تدفعنا الى الانتقال من مكان الى آخر، ولكننا قد نتحمل كل شيء إذا كانت علاقتنا بصاحب المقهى مرنة ووديّة، ولكل كلمة من هاتين الكلمتين اكثر من معنى واحد.. فالمرونة تعني الاستجابة لطلباتنا الكثيرة وعدم الإلحاح باسترجاع الديون المتراكمة! أما بالنسبة للمودة، فنحن نريد من صاحب المقهى أن يستقبلنا ويودعنا بالترحيب والابتسام. كانت جلساتنا الطويلة تبدأ من شروق الشمس ولا تنتهي قبل الساعة الثامنة مساءً، حيث نتسرب الى الحانات المجاورة لمنطقة الميدان، والذي كان قلب بغداد النابض حينذاك، والحقيقة أن المقهى كان يعتبر البيت الدائم لكلّ منا، وحتى الأعضاء الذين كانوا يقيمون في بغداد كانوا يتناولون الغداء معنا في اكثر الأحيان وكنا نقدر مثل هذه التضحية العظيمة، لأنهم يحرمون أنفسهم من أطايب الطعام من أجل البقاء بقربنا، واذا حدث وذهب أحدهم لرؤية أهله، فإنه سرعان ما يعود لكي لاتفوته زيارة بعض الأدباء لنا، فقد كان عدد الزوّار يزداد يوماً بعد آخر، ومن هؤلاء الدكتور محمد جواد رضا الملقب بـ(دعبل) والشاعر كاظم التميمي والناصري وصفاء الحيدري والكاتب عبد الرزاق الشيخ علي وعبد الصاحب الملائكة والناقد طالب السامرائي، ولم يكن هذا الزائر أو ذاك ليأتي لمجرد رؤيتنا فقط، بل ليقرأ علينا قصيدته أو قصته الجديدة، وكانت مثل هذه الأعمال الأدبية تطرح من قبل صاحبها للنقد والمناقشة بكل تواضع للحصول على تزكيتها أو الحكم بإعدامها، وقد يستمر الجدل حول قصيدة واحدة ساعات طويلة، وغالباً ما كنا نحن الذين نقرر صلاحها للنشر،، فقد كنا نسيطر عن طريق غير مباشر على الصفحات الأدبية التي كانت تخصص في بعض الجرائد، حيث كان معظم المشرفين على تحرير تلك الزوايا الأدبية من حاشيتنا، وكان باستطاعتنا أن نثلم شهرة أي شاعر أو أديب يحاول الخروج أو التمرد على مفاهيمنا الأدبية والفنية، أما المجلات الادبية العالية فقد كانت هي الحُلم الأوحد الذي يقوم ويقعد معنا، فعندما كان يحصل انسان ما على امتياز مجلة أدبية، كنا نركض إليه من المقاهي كافة، لكي نضع مجلته ضمن نفوذنا الأدبي، وأذكر بهذه المناسبة أن واحداً من هؤلاء قد طلب من عبد الملك نوري قصة لا تحمل أي طابع سياسي، وطلب مني قصيدة خالية من الصور الجنسية وقصيدة من عبد الوهاب البياتي بعيدة عن الإشارات الثورية، وعندما قلنا لماذا؟ أجاب وهو يتلفت حوله: لأنني أخاف من الحكومة! وعندئذ صحنا بصوت واحد.. ولذا نقترح عليك أن تطبع الغلاف وحده وتكتب عليه.. بما انني اخشى السجن فقد قررت اصدار مجلتي بهذا الشكل الفريد..
وهنا كان لابد لنا من أن نمنح هذا المتأدّب المسكين أحد الألقاب البهلوانية التي كنا نطلقها على أمثاله، وقد فاز بلقب (الطائر الخرافي).. وبقدر ما كنا منسجمين من ناحية اتجاهاتنا الفكرية العامة كنا نختلف أحياناً من حيث أساليبنا وطموحاتنا الفردية، ولعليّ الوحيد الذي لم يدخل في صميم المشاحنات الأدبية، التي كانت تحدث دائماً بين الأدباء والتي غالباً ماكانت تؤدي الى الخصام وقطع العلاقات، وأشهر تلك الخصومات هي التي كانت تحدث بين السيّاب من جهة وعبد الوهاب البياتي وكاظم جواد من جهة أخرى، وكان كاظم هو مركز الثقل في هذه المعارك، فإن انضمامه الى أحد الطرفين كان يعني فوز ذلك الطرف.. وكان كل من الفريقين يحاول الاستعانة بي، إلاّ انني كنت أرفض مثل هذه المواقف وأعمل على إزالة الجفاء وتقريب وجهات النظر بين الجبهتين، فقد كان الصراع في حقيقته يدور حول الزعامة الشعرية! وهو عمل كنت أنظر إليه من جانبي باستخفاف وبامتعاض، لأني لم أكن مؤمناً بمثل هذه السخافة، سخافة الإمارة والامتياز الأدبي، ومع اني كنت اعتقد أن هذه المنازعات تخلق رجة لا غنى عنها للحركة الأدبية، ولكنني لم أكن أسمح بتطورها الى درجة العنف، ولذلك كنت أقف ضدها باستمرار. كان انتقالنا الى (مقهى الصباح) في بداية عام 1948 وهو العام الذي صدر فيه ديوان بدر شاكر السياب (أزهار ذابلة) وديوان عبد الوهاب البياتي (ملائكة الشيطان) وفي نفس السنة طبع بلند الحيدري مجموعته (خفقة الطين) وأصدرت نازك الملائكة كذلك ديوانها (شظايا ورماد).. وهكذا بدأت حياة المقاهي الكئيبة ترصع سماء الشعر القديمة بنجوم ذات بريق جديد، وقد قوبلت هذه المجموعات الشعرية بشيء من الحماسة من قبل القرّاء الشباب ومن المثقفين بصورة خاصة،، إلاّ أنها استقبلت بنوع شديد من الحذر من جانب المتزمتين من عباد الثالوث الشعري المتكون من الزهاوي والرصافي والجواهري.. في الوقت الذي كانت فيه شهرة الزهاوي قد أخذت تميل الى الاصفرار وخمدت ألسنة اللهب على حافة بركان الرصافي.. وبرز الجواهري مرتدياً بردة الزعامة.. ولم يكن هناك من يرفض الاعتراف بقيادة الجواهري للحركة الشعرية.. فقد كانت قصائده ترن في كل مكان.. وعندما صدر ديواني (قصائد عارية) في مطلع عام 1949 وأمرت الحكومة بمصادرته وتقديمي الى المحاكم بتهمة إفساد أفكار الشباب.. جاءني القاص عبد الرزاق الشيخ علي، وأخبرني أن الجواهري يريد رؤيتي ويدعوني الى زيارته.. ولكني رفضت الذهاب وقلت له: ليأتي الجواهري اليَّ في المقهى.. ويبدو أن أبا فرات كان يفهم مدى الغرور الذي يحمله الشعراء الشباب!! فاستعان بديموقراطيته وحضر الى مقهى الرشيد حيث كان مقري الدائم حيذاك،، وقد نهضنا لاستقباله بما يليق به باعتباره الوريث الشرعي لكل إبداعات التراث الشعري منذ العصر الجاهلي الى يومنا ذاك.. وبعد حديث قصير أظهر الجواهري أسفه لمصادرة ديواني ومحاكمتي وعرض عليّ مساعدته، وأظن أنه تحدث مع الحاكم الذي أحيلت أوراق الدعوى إليه..