في 27 أيار 1936..حادثٌ مثير في البلاط الملكي.. الأميرة عزة وزواجها

في 27 أيار 1936..حادثٌ مثير في البلاط الملكي.. الأميرة عزة وزواجها

   نهلة نعيم عبد الباقي
 ولدت الأميرة عزة عام  1905  في أسطنبول، وكانت أكبر أبناء الملك فيصل الأول، عادت الى الحجاز ولها من العمر ثلاث سنوات، عاشت طفولتها المبكرة في مكة حتى مجيئها الى العراق عام  1924 مع عائلتها وبقيت هناك حتى زواجها عام  1936.

عاشت الأميرة عزة في الحجاز حياة تختلف تماماً عما كانت عليه في بغداد فلم يكن بأستطاعة سيدات العائلة المالكة الخروج من البيت مثل النساء الأخريات إلّا  ليلاً  فقد كان خروجهن يقتصر على زيارة جدهن الشريف حسين. أما في بغداد التي تعتبر أكثر أنفتاحاً، فقد كان بأستطاعتها أن تخرج وتفعل ما تريد، وكانت الأميرة عزة تختلف تماماً  في طبيعة تصرفاتها عن شقيقتها الأميرة راجحة، فلم تكن طبيعية في تصرفاتها إذ كانت تضحك وتبكي في أوقات غير مناسبة، وكانت أنانية بشكل كبير ولم تكن تملك أيّ شيء من مقومات الجمال، ولم يتقدم أحد لخطبتها من العوائل التي ترغب العائلة المالكة في الاقتران بها، وكانت عصبية المزاج وتسخط على الآخرين من دون أية أسباب إذ لم تكن والدتها تراقب تصرفاتها وقد كان بإمكانها الحصول على أيّ شيء من دون تفكير وهذا ما دفعها الى إقامة علاقة مع النادل الأيطالي عام 1936 (تشير بعض المصادر بأنه كان يعمل سفرجياً في بغداد وبعضها يؤكد بأنه كان يعمل في أحد الفنادق في جزيرة رودس وقام بمهمة الدليل للأميرة في اثناء  أقامتها في الجزيرة بصحبة شقيقتها الأميرة راجحة إلاّ أن الأميرة بديعه تذكر بأنه لم يكن طباخاً في قصر الزهور كما زعم البعض وأنما كان نادلاً  في أحد الفنادق السياحية في جزيرة رودس، ولم يأت الى العراق وأنما تعرفت إليه في سفرة سابقة لها في اليونان)، وقد تظاهرت بالمرض الشديد كي تسافر الى خارج العراق، فسمح لها شقيقها الملك غازي بالسفر الى إحدى الجزر اليونانية للعلاج والاصطياف بصحبة شقيقتها الأميرة راجحة على أمل أن تتحسن صحتها هناك، ورافقهما  سكرتيرها الخاص فيكتور باحوش مع ثلاث خادمات، لكن تبيّن فيما بعد بأنها قد تعرفت في العام الماضي عند سفرها الى جزيرة رودس على نادل يعمل في أحد الفنادق يدعى أنستاس خارالامبوس. وقد ارتبطت معه بعلاقة عاطفية، أذ اتفقا على الزواج، وفي أثناء وجود الأميرة عزة في اليونان تمكنت من الهرب والزواج من النادل واعتنقت الديانة المسيحية وأستبدلت أسمها بأسم أنستاسيا، وعقد قرانها في كنيسة أكاليدا في أثينا، وبعد الانتهاء من مراسيم الزواج توجّه العروسان الى فندق أتلانتيك الذي كان خارالامبوس مقيماً فيه وبعد ذلك غادر العروسان بالطائرة الى جزيرة رودس لقضاء شهر العسل.
     لقد جاء في تقرير كتبه فيكتور باحوش الى رئيس الديوان الملكي رستم حيدر في الرابع عشر من حزيران عام  1936، بشأن قضية الزواج"حال وصولهم الى أثينا سكن الجميع في جناح واحد في الفندق وكانت إحدى الخادمات وهي طليعة عمر ملازمة للأميرة عزة، وكانت الأخيرة تعيش حياة طبيعية ولم يظهر على تصرفاتها ما يسترعي الانتباه أو الشك، وفي اليوم الثاني سحبت من حسابها مبلغ مائة وخمسين ديناراً، وكانت حياتهم المعيشية في أثينا منتظمة كل الانتظام، ولم تترك الأميرتان لوحدهما يوماً، إلاّ أنه في صبيحة يوم الأربعاء الموافق السابع والعشرين من حزيران عام  1936 جاءت الخادمة طليعة عمر وأخبرتهم بأن الأميرة عزة غير موجودة في غرفتها، وتبيّن فيما بعد أنها غادرت الفندق مع الشخص الذي تزوجته وكان ذلك في رسالة سلمت الى الأميرة راجحه باللغة الإنكليزية بتوقيعها تخبرها بأنها  نظراً  لفقدان والدها وأنها لم تكن لها بد من أن تلحق بالرجل الذي تحبه وقد تزوجت وتنصرت"(يذكر ستيفن لونكريك بأنه لم يثبت رسمياً أن الأميرة عزة أخت الملك غازي قد أعتنقت المسيحية بعد زواجها من الخادم في شهر أيار 1936، لقد كانت تلك من دعاة أعداء البيت الهاشمي من العراقيين وغيرهم لاسيما أقطاب المعارضة الذين كانوا يخططون لإسقاط ياسين الهاشمي وكانت الصحف التركية أولى الصحف التي نشرت ذلك الحادث وشنت حملة واسعة للتشهير والتشنيع وعززتها بنشر صورة للأميرة عزه مع زوجها).
هرعت الأميرة راجحة بعد أن أطلعت على الرسالة الى فندق أتلانتيك الذي كان العروسان يقيمان فيه في محاولة منها لمعالجة الأمر وإلغاء الزواج لكن الأميرة عزة رفضت مقابلة أحد وبعثت بورقة باللغة الأنكليزية طلبت فيها من اختها عدم الانتظار لأنها تزوجت وأنتهى الأمر، وأخذت الأميرة راجحة تنادي على أختها من خلف الباب قائلة"عزة عزة ما الذي تفعلينه فكري بأخينا سوء ما أنت فاعلته، ماذا سيكون شرف عائلتنا عندما ينتشر هذا الخبر المخزي في بغداد، فأجابت عزه من خلف الباب، لا تنشغلوا بي أنسوني وأعلنوا براءتكم مني فإني براء من كل شيء لا أريد السمعة أو الثروة أو الملكية فلقد أصبحت الآن مسيحية وتزوجت ولا ينفع ما تقولينه أني أحب فقط"(2).
      لجأت الأميرة راجحة الى السفارة البريطانية في اليونان محاولة بشتى الطرق منع تلك الفضيحة، فقدمت شكوى على الزوجين بأنهما قد سرقا مجوهراتها التي تقدر بستة آلاف جنيه أسترليني ومبلغ مائة وخمسين ديناراً، وكان غرض الأميرة راجحة  من هذه الشكوى وضع الزوجين تحت الحراسة لكسب بعض  الوقت للقيام بجهود لإلغاء هذا الزواج، وحضر المدعي العام اليوناني الى فندق أتلانتيك وهيّأ مقابلة بين الشقيقتين وكان يحيط بالأميرة عزة زوجها ومحاميها وبعض المناصرين لهما، ولم يبد عليها أي تأثر وأخذت تجيب على أسئلة الشرطة بكل جرأة، أما الأميرة راجحة فلم تتمالك نفسها فأخذت تحدث أختها بكل لطف ذاكرة أعمال والدها ومجده وشرف الملك والوطن والعائلة ناصحة إياها بإعادة النظر فيما فعلته والعودة الى العراق وعدم فسح أيّ مجال لإلحاق إهانة كبرى بالعائلة، لكن الأميرة عزة لم تعر شقيقتها اهتماماً وكانت عنيدة، إذ قالت لأختها"ليس عندي أخت ولا أقارب ولا وطن، أعتبروني ميتة، هذا هو نصيبي فهو لي الكل في الكل لقد تنصرت وتزوجت من هذا الرجل الذي أحبه وليس بمقدور أحد أن يفصلني عنه، وإذا كان عندكم حق ما فعليكم جلبي بواسطة المحاكم ولن أعود الى العراق بعد الآن وإذا ما أجبرت على ذلك سأنتحر".
   عادت الأميرة راجحة بعد أن أخفقت في إقناع شقيقتها بالعودة وعدها القضاء العام اليوناني قضية سرقة بين الإخوة، وعلى ما يبدو فإن الأميرة عزة قد دبّرت زواجها بمهارة فائقة من دون دليل قبل الحادث واستقرت الأميرة عزة في جزيرة رودس وحصلت على الجنسية الأيطالية لكون زوجها أيطالي الجنسية، وعد زواجها مشروعاً ونافذاً في قانون الأحوال   الشخصية الأيطالي.  بعد أن نفدت كل مدخراتها حاول زوجها الحصول على عمل في جزيرة قبرص وبما أنهما لا يخضعان لقانون الهجرة، فقد فشلت المحاولات كلها، ذهب الزوجان الى لندن، إذ حاول زوجها أن يعمل بائع أسفنج هناك، لكنه أخفق أيضاً في الحصول على فرصة عمل.
        لم يستمر زواج الأميرة عزة، إذ انفصلت عن زوجها عام  1939 وعادت الى أيطاليا عام  1940، ولم تنجب من زواجها، وعند عودتها منحتها الحكومة الأيطالية راتباً قدره مائتا ليرة أيطالية شهرياً،  ثم ازدادت الى أربعمائة ليرة شهرياً عام  1944، وكانت آخر دفعة تسلمتها الأميرة قبل دخول قوات الحلفاء الى روما، وبعد ذلك قدمت طلباً الى الحكومة الأيطالية باستمرار هذه المعونة، ولكن طلبها قوبل بالرفض لأن الجمهورية الجديدة لا تسمح بذلك.

عن رسالة (سيدات العائلة المالكة ودورهن الاجتماعي والسياسي)