طرائف شعريّة في الانتخابات النيابيّة

طرائف شعريّة في الانتخابات النيابيّة

إعداد : ذاكرة عراقية
للانتخابات قـــــــــامت معـــــاركٌ ومعامعْ
لكلّ حزبٍ هـتـــــــافٌ تستك منه المسامعْ
فللشباب طمــــــــــوحٌ و(للشيوخ) مطامعْ
سوق الضمـائر فيها مابين شارٍ وبائــــعْ
ذرائعُ القــوم شتى والمال بعض الذرائعْ
وليس يــــربح إلا  من رشّحته المـــراجعْ

هذه الأبيات للشاعر العراقي والخطيب المفوّه الشيخ محمد علي اليعقوبي (ت1965)، وقد نظمها في الانتخابات النيابية في العهد الملكي في عهدها الأول، وأعني بها انتخابات العشرينيات من القرن الماضي. والحقيقة أن الشعر العراقي في الانتخابات النيابية أو في المجالس واعضائها كثيرة، ولم يفت أمرها على أيّ من شعرائنا الروّاد، لكننا في هذه المقالة سنكتفي بشعر الشيخ اليعقوبي الطريف في هذا الموضوع.
على أن أشهر قصائده التهكمية والساخرة في المجالس النيابية ما قاله في منتصف الثلاثينيات  :
أرأيت في بــغداد مجلسنا الذي      أخذت مقاعدها به النــــــوابُ
نصبت على تلك الكراسي التي  
   فيها هياكل كلّهــا أنصــــــابُ
نجحوا وأسباب النجــاح كثيرةٌ  
  في الانتخاب، وبئست الأسبابُ
رضيت نفوسهم بنيل مرارهـــا   
  وجميع أبناء البلاد غضـــابُ
ما ضرّهم،وقصورهم فيما ازْ   
    دهت معمورة، إنّ البلاد خـرابُ
سيطول موقفهم إذا ما حوسبوا   
   حيث الجرائم ما لهنّ حســـابُ
ومن الأمور المستحيلة أنّــه     
   ينجو القطيع، وحارسوه ذئـــابُ
لا درّ درّ مجـــالس ٍ أعضاؤها  
   سيّان إن حضروا بها، أو غابوا
يعتبر اليعقوبي من الطبقه الأولى من بين شعراء عصره، فهو حالة متميزة - لسهولة شعره الممتعة، وجزالة لفظه، وعذوبة نغمه، وقوة معانيه المبتكرة، وسرعة بديهته. وكان خطيباً حسينياً مفوّهاً دالت له دولة الخطابة اذ كان يضمن خطاباته القصص المفيدة والأدب الجميل والالتقاطات الادبية النادرة. وقيل عنه خطيباً : أما خطابته، فهو الخطيب المفوّه الذي يسحرك بنبراته الجياشة، وقصصه التاريخية الممتعة لما يريد أن يدلك عليه من تجارب الأولين، وأخبار الماضين بأسلوب جذاب، فتسمع ولاتمل، بل تستزيد، وشواهده الشعرية الممتعه والمكملة للمعنى الذي يريدك أن تذهب إليه فرضاً، وأنت طائع مطيع!، وكانت هذه شغلته ومهنته، وشغله الشاغل، ولم يقبل لها بديلاً، لأن ببساطة على المنبر هو الآمر الناهي، وعلى الكرسي هو المأمور المنهي، وقد صرح بذلك صراحة، عندما أغرته السلطات بمنصب رفيع لاستمالته وإسكاته وسكوته عن النقد الفاضح، والتصريح الجارح قائلاً:
أأرتاح بالكرسي مزدهياً به         
   تهتز ّ من شوق ٍإلي ّ المنابرُ؟
وأضرع مأموراً لناه ٍ وآمرٍ     
    ولي مقول ٌ في الشعب ناه ٍ وآمرُ
رضيت لنفسي في الحياة بمقنعٍ  
   من العيش يأباه خطيب ٌ وشاعرُ
ولم أدخر غير القناعة ثروة     
     وتلك التي تبقى وتفنى الذخائرُ
ــ وثار الشيخ اليعقوبي على طلب تركيا بإلحاق الموصل الحدباء إلى أراضيها في مؤتمر لوزان الشهير سنة 1923 م، بأعتبار أن الموصل كانت خارج النفوذ البريطاني عند إعلان الهدنة عام (1917)، واستمرت المشكلة فترة من الزمن واعتبر اليعقوبي، إن الموصل رأس العراق، ولا يمكن أن يعيش بدونه، فقال مخاطباً المجلس التأسيسي:
يا أيها الـــنواب صونوا شعبكم    
    بالاتـــحاد وبالحجى والبـــاسِ ِ
الموصل الحدباء رأس بلادكم    
     والجسم يفنى بعد قطع الراسِ
ومن طرائف شعره ما ذكر عندما تم توزيع قطع أراضي في النجف على علماء الدين إبان حكومة الدكتور فاضل الجمالي، وعند مراجعة شيخنا إحدى دوائر بغداد المختصة لتنفيذ القرار، استغفل الموظف المسؤول الخطيب المشهور، وكان يجهله لجهله بالأمور، فأعطاه رقماً وهمياً لا أساس له ولا رأس، وعند ذهابه للنجف لغرض تسجيل القطعة باسمه لدى الدائرة العقارية، أخبره الموظف النجفي لا وجود للرقم المزعوم في سجلات القيد المرسوم، وما هذه إلاّ حيلة، فعاد خائباً إلى بغداد، ولكن توجه إلى مكتب رئيس الوزراء، وكان الرئيس نفسه قد أصدر أمراً - في الفترة نفسها - بغلق دور الدعارة في محلة الصابونجية البغدادية، دخل الشيخ الجليل على الدكتور الجمالي، استقبله الرجل استقبالاً حافلاً، يليق بمن مثله، وطلب منه الجلوس، رفض الشيخ اليعقوبي هذا العرض، وقال له: أقرأ عليك هذين البيتين:
قالوا ببغداد الجمـــــالي قد محى     
   منازل قد كانت بهنّ العواهرُ
فإنْ طهّرت تلك المنازل لم تكن     
  لتطهر من أبنائهنّ الدوائـــــُر
ومن طرائف ما ينقل من شعره السياسي الهازل والساخر والانتقادي عندما  أقام نادي (المتنبي) في الكوفة حفلة تكريمية لقائممقام النجف السيد حسن الجواد، ألقى الشاعر المبدع الشيخ علي البازي قصيدة ختام الحفل، قال فيها مخاطباً الجواد:
أفي مثل عصر النور نحيــا بظلمةٍ
ومثلك فينا يملك النهي والأمرا
على النهر من شاطي الفرات بيوتنا
وأكبادنا ممــــــــــــا تكابده حرّى
وما إن انتهى البازي من شعره حتى انبرى اليعقوبي مرتجلاً ومداعباً ومخاطباً الجواد نفسه:
لا تعر أهل كوفة الجند سمعــاً
ودع القوم يهلكون ظمـاءا
كيف تسقي يا ابن الجواد أناساً 
منعوا جدّك الحسين الماءا
كانت مداعبة الشيخ اليعقوبي مفارقة لطيفة، ومبادرة غريبة، طلب الحضور تشطيرهما من السيد محمود الحبوبي، فشطرهما في الحال ضاماً صوته لصوت صديقه الحميم اليعقوبي، وأيده الشيخ عبد الغني الخضري، ولكنَّ الشيخين محمد الخليلي والبازي دافعا عن الكوفة وأهلها، ومما قاله البازي الجميل:
لا تعر أهل كوفة الجند سمعـــــاً
عجبا منك, يطلبون جفاءا
ويقولون لا تجبـــــــهم بشـــيءٍ
ودع القوم يهلكون ظماءا