صفحة مطويّة من تأريخ الحركة المسرحيّة ثانوية (كلية بغداد) والمسرح

صفحة مطويّة من تأريخ الحركة المسرحيّة ثانوية (كلية بغداد) والمسرح

عبد الستار محمد علوش
شملت نشاطات كلية بغداد الجوانب الثقافية والفنية، وتمثل ذلك في تأسيسها لجمعيات واتحادات عديدة سعت إلى توسيع مدارك الطالب وتوجيهه الوجهة التربوية الصحيحة نحو حياة تختلف نوعاً ما عن الحياة الدراسية التي اعتادوها، أبرز هذه الجمعيات هي جمعية الخطابة والتمثيل، التي كانت تقوم بتدريب الطلاب على كيفية الظهور أمام المجتمعات والتكلم في المحافل المحلية والدولية،

 فضلاً عن جمعية المناظرة الأدبية التي كان الهدف منها جعل الطالب إنساناً وخطيباً متحدثاً وواثقاً من نفسه، وتعويده على طريقة النقاش العلمي والمنطقي الصحيح المحصور داخل نطاق الأدب والحشمة المقيدة بالأنظمة والتقاليد الإنسانية الراقية.

على أية حال، أن تأسيس جمعيات الخطابة والتمثيل في الكلية كان يرجع إلى بدايات تأسيسها، فقد برز نشاطها من خلال المهرجانات الخطابية التي تقيمها الكلية على حدائقها في كل عام دراسي، وتميزت الكلية في بثها للروح الخطابية بين طلابها من خلال إقامة مباريات خطابية يشترك فيها الطلاب بعد أن يتم ترشيحهم من قبل اللجنة التحكيمية الخاصة بالسباق، وكانت مواعيدها تقرر في وقت سابق لبدء السنة الدراسية وفق المنهاج السنوي الجاري في الكلية.
فضلاً عن ذلك، أدى الطلبة دوراً فاصلاً في العروض المسرحية، إذ اهتمت إدارة الآباء كثيراً بتشكيل فرق للتمثيل التي كانت تقدم مسرحيات باللغتين العربية والانكليزية، حيث يقوم بتمثيل أدوارها نخبة جيدة من الطلاب الذين يمتلكون القدرة والكفاية في ذلك. وعلى الرغم من أن الكلية لم تكن تمتلك مسرحاً خاصاً لعرض المسرحيات، إلاّ أنها كانت تقدم عروضها على حدائق الكلية، ففي عام 1946 تم عرض مسرحية (الملك ميداس) التي قام بأدوارها طلبة الصف الأول من فئة الصغار، ومسرحية (فرساوس) التي قدمها طلاب الصف الثاني، ومسرحية ثالثة بعنوان (نشر الأخبار) التي قدمت من قبل الصف الرابع. ومن المعروف أن عرض هذه المسرحيات كانت خلال الدوام ووفق جدول مُعد مسبقاً من قبل إدارة الكلية، فالستارة كانت ترفع أحياناً في الساعة الأولى من الدوام الصباحي بحضور جمع غفير من الطلاب والهيئة التدريسية. أما في ما يتعلق بالأماكن الخاصة التي يتم تهيئة الممثلين لأنفسهم وتغيير ملابسهم فكانت دائماً تتم في داخل بناية الكلية أو في داخل أحد الباصات الخاصة بنقل الطلبة.
وفي السياق نفسه، شهد عام 1951 شروع جماعة التمثيل في كلية بغداد بتقديم مسرحية (الأخ أوركيد) المكونة من ثلاثة فصول، وفي شهر أيلول تم اختيار كادر المسرحية من قبل الأب توماس كلي، واستمر التدريب على أداء أدوارها مدة ثلاثة أشهر، وفي التاسع من كانون الأول تم عرض هذه المسرحية أمام جمهور واسع من طلاب الكلية. وفي السابع عشر من تشرين الثاني من العام نفسه، قدّم طلاب الكلية ثلاث مسرحيات من ذوات الفصل الواحد التي استطاعت تحقيق أفضل النتائج، وأهم تلك المسرحيات التي عرضت هذا العام مسرحية (لو أن الرجال يلعبون الورق كما تفعل النساء) وهي لجورج كوفمان، وكانت مسرحية كوميدية، ومسرحية (كابتن البوابة)، وهذه قصة عسكرية قام بتأليفها (بي أم. دكس) التي كانت تدور أحداثها على قصة جميلة كلها إثارة.
وعرضت مسرحية (سجين القصر) التي أداها مجموعة من الطلاب باللغة العربية، ومسرحية (الهنود الصغار) التي قدمتها مجموعة أخرى من الطلبة وباللغة الانكليزية. وفي عام 1955 ولأوّل مرة قدمت كلية بغداد عروضاً مسرحية خارج حدودها، إذ جرى عرض المسرحيات هذا العام على قاعة الملك فيصل وبرعاية وزير المعارف خليل كنة. ومن تلك المسرحيات التي قدمت، مسرحية (طبول أود) ومسرحيتا (مخلب القرد) التي قدمت باللغة الانكليزية و(عدالة الرب) التي أديت باللغة العربية. وعرضت هذه المسرحيات بنجاح كبير، كما كانت هناك لجنة مشرفة ساعدت على نجاح عرضها تألفت من السيد جوزيف كونوي الذي كان مسؤولاً عن التأثيرات المسرحية وجورج كاباك المسؤول عن المكياج، والبروفسور محمد يوسف وإبراهيم المنصور وهما متخصصان باللغة العربية وساعدا على تقديم المساعدة الممكنة في مسرحية (عدالة الرب). ومن اللافت للنظر حقاً، أن يقوم أعضاء اللجنة التمثيلية في كلية بغداد وباستمرار على تقديم ريع مسرحياتهم التي يعرضونها إلى الطلاب الفقراء والى العوائل المتعففة والمحتاجة وبالخصوص العوائل المسيحية.
شهدت النشاطات الثقافية عام 1955 تطوراً كبيراً ولاسيما في مجال التمثيل، وحققت قفزة نوعية في أعقاب تأسيسها لمنظمة جديدة سميت (أكاديمية الكلاسيكيات)، التي أثارت اهتمام الطلاب بالمسرحيات الكبيرة وبالأدب، مع العلم أن الانتماء إلى هذه الأكاديمية كان مقتصراً على طلبة الصفوف المنتهية في الكلية، ومن ذوي المعدلات الجيدة. واستهلت أول مناقشة لهذه المنظمة للحديث عن مبادئ الدراما، ثم انتقل الأعضاء بعدها إلى مناقشة قراءة المسرحيات، مثل (إقطاعي كلامس) ومسرحية (ماكبث) لوليم شكسبير. أن ما كان يرمي إليه الآباء من وراء هذه الفعاليات والنشاطات هو الرغبة بتحسين اللغة الانكليزية لدى الطلاب المشاركين وتحقيق فهمٍ أعمق للأدب والتراث العالمي فضلاً على تطوير الأداء الخطابي والدرامي للطلبة.
وفي إطار النشاط التمثيلي والمسرحي، فقد شهدت قاعة الملك فيصل في يومي التاسع والعشرين والثلاثين من كانون أول 1958 عرض ثلاث مسرحيات، هي لغز في المحطة لـ(ألبرت كارير)، ومسرحية الباسل لـ(هو لورثي هول وروبرت مدلماس). أما المسرحية الأخيرة فكانت النسخة العربية من الأصدقاء لـ(هربرت فارجيون)، مع العلم أن المسرحيتين الأولى والثالثة كانتا كوميديتين بينما مسرحية الباسل عبارة عن تراجيديا. وشهد عرض هذه المسرحيات عدد كبير من الحاضرين، فضلاً عن الثناء الذي حصلت عليه تلك العروض من لدن بعض الهيئات البريطانية وخصوصاً مسرحية الباسل التي عدت من بين أفضل النتاجات التي قدمتها كلية بغداد خلال هذا العام إلى الحد الذي جعلها تتفوق كثيراً على عدد من مسرحيات أخرى أداها طلبة انكليز وأمريكان من قبل. في السياق نفسه، قدّم المسرحيون في كلية بغداد عام 1960 مسرحيتين، كانت الأولى تحت عنوان غادر العزيز لـ(ستانلي هوتن) وهي مترجمة للعربية، والاخرى بعنوان حادثة قرب شجرة بلوط لـ(روبرت فريل). وقد عرضت في يومي الحادي عشر والثاني عشر من كانون الأول، وكانت هذه الأعمال من إنتاج باسل القيسي وإخراج هارفي فرهاد، وبمشاركة حسين أفنان الذي كان مخرجاً فنياً وداود ليون مديراً للمسرح.
وفي ظل الرعاية الشخصية التي أولاها السيد وزير المعارف إسماعيل عارف الكلية بغداد، فقد أقدم طلاب الكلية في عام 1961 على عرض إنتاجهم لهذا العام، والذي تضمن مسرحية كابتن البوابة لـ(ماريا دكس)، ومسرحية حريق الفندق لـ(جورج كريكوري)، إذ قدمت المسرحية الأولى بالعربية، بينما الثانية عرضت بالانكليزية، أما أوقات عرض هذه المسرحيات فكانت على قاعة الشباب في الرابع عشر والخامس عشر والسادس عشر من شهر كانون الأول.
من ناحية أخرى، فإن كلية بغداد تميزت عن غيرها من المدارس بامتلاكها جمعية أدبية كان يطلق عليها اسم (مجتمع المناظرات). وأعضاء هذه الجمعية كانوا يمثلون طلبة الصفوف المنتهية للمرحلة الثانوية فقط بعد دراسة سجّلهم الأكاديمي في الكلية، مع العلم أن المناظرات التي كانت تنظمها الجمعية هي مناظرات نصف شهرية تجري باللغتين العربية والانكليزية، أغلبها كانت تدور حول الحياة الدراسية اليومية والأحداث العالمية. إذ كان الهدف الأساس من هذه المناظرات هو تطوير قدرة الشاب للتعبير عن نفسه وتعليمه كيفية التحدث أمام الجمهور، فضلاً عن جعل الطالب ملماً بقوانين المنطق. وكانت أولى المناظرات التي نظمتها الكلية عام 1948.
في الواقع، أن هذه الجمعية تطورت بمرور الزمن، وأصبحت من الأنشطة التي لا يمكن أن تستغني عنها الكلية خصوصاً بعد الإقبال المتزايد عليها من جانب الطلبة. تعقد المناقشات دائماً في بداية العام الدراسي وتبدأ بإعطاء عدد من التوجيهات من مدير الكلية، إذ يخصص اللقاء الأول دائماً حو حث الطلبة على ضرورة امتلاك السلاسة في الكلام والقدرة على تنظيم الحجج عند الإقناع. أما عن مواضيعها فإنها تدور دائماً على أهمية العلم في الحياة الاجتماعية والتعليمية التي يفرضها الزمن الحاضر، وجرت العادة أن يتم ترشيح الطلاب الذين يقدمون أداءً جيداً في المناظرات الأسبوعية إلى المناظرة السنوية، كما يجري تقديم الجوائز لأبرز متحدث خلال احتفالات التخرج التي تقام في شهر حزيران من كل عام.

عن رسالة (كلية بغداد 1928-1969"
دراسة تاريخية")