في ذكرى افتتاحها في 28 آ ذار 1939 سدة الكوت البداية والتأسيس

في ذكرى افتتاحها في 28 آ ذار 1939 سدة الكوت البداية والتأسيس

د. يحيى المعموري
يعد مشروع سدة الكوت أول مشروع من مشاريع الري الكبرى التي قامت به الحكومة العراقية في العهد الملكي حيث تجاوز ما خصص له من الأموال أكثر من مليون دينار وهو مبلغ جسيم في حينه. وأول من أوحى ببناء هذه السدة (ويلكوكس) في تقريره الذي رفعه إلى الحكومة العثمانية عام 1911.

 وأكدته معظم الدراسات الفنية التي تناولت إحياء نهر الغراف الذي جفت فيه المياه وهاجرت معظم القبائل التي كانت ساكنة على ضفتيه مما أدى إلى خسائر فادحة للاقتصاد العراقي ولسكان المنطقة التي كانت مشتهرة بزراعة الحنطة والشعير وغيرها. إن هذه المشكلة لا تحل إلا بإنشاء سدة على نهر دجلة لتنظيم المياه بين الغراف ودجلة على مدار أيام السنة.

أعلنت وزارة الاقتصاد والمواصلات في وزارة جميل المدفعي الأولى مناقصة دولية دعت فيها الراغبين أفراداً وشركات للدخول في هذه المناقصة. تقدمت ست شركات لتنفيذ المشروع هي شركة هرسان وشركة بلفور وبيتي وشركة هولزمان وشركة ناتال ومولم براند وعبود وشركة بولينغ.
وقد حذرت جريدة الاستقلال الحكومة العراقية من نوايا الشركات التي تشترك في مناقصات هذا المشروع. وهذا يعني إن بعض الشركات قد تكون مدسوسة ومدعومة من الحكومة البريطانية لتحقيق الأغراض الاقتصادية والتجسسية لصالح حكومتها وتستخدمها للضغط على الحكومة العراقية. وما يؤكد هذا القول إن معظم المشاريع التي نفذت في العراق كان من نصيب شركة بلفور وبيتي أو غيرها من الشركات البريطانية.
وأبدى مدير الري العام تخوفه من هذه المشاريع التي ستكلف الدولة ما يقارب (1250000) دينار وهو أعلى مبلغ صرف في ذلك الوقت على المشاريع العامة. وصرح بأن سدة الكوت ستؤدي إلى ضرورة إعادة النظر في الوضع الراهن لجداول العمارة وتخصيص مبلغ كبير لإصلاح الحالة فيها. إلا إن هذه المبالغ لم تكن متيسرة بينما صرح المهندس الإجرائي لمنطقة ري بغداد المستر هوك بأنه لا يرى سبباً للتخوف أو التردد لأنه"لا يخفى أن عدم تنفيذ الحكومة مشروع أقره البرلمان في 12 أيار 1934 نتيجة مناقشات طويلة بعد تلقيها عطاءات ضمن المبلغ المخصص في القانون من الأمور التي ستؤثر في سمعة العراق".
ويجدر بالذكر أن هناك شركتين كانتا في وضع تساو تقريبا من حيث العطاءات لشروط الحكومة. هما شركة هرسان الفرنسية وشركة بلفور وبيتي الانكليزية. وعند مناقشة العرضين في مجلس وزراء قرر تفضيل شركة بلفور وعدها أكثر ملائمة من شركة هرسان. ويبدو أن الضغوط والتأثيرات البريطانية كان لها أثر كبير في اختيار هذه الشركة لأن بريطانيا لم تكن تسمح لغير شركاتها تنفيذ مشاريع الري الكبرى في العراق.
وبتاريخ السادس من أيلول 1934 تم التوقيع على عقد المقاولة حيث مثل الشركة أ.أم.ماكتكارت., نصت المقاولة على تعهد الشركة المنفذة إنشاء سدة الكوت وصيانتها و (هويس) ممر السفن وناظم الغراف الرئيس وممر للسفن وجدول تحويلة الغراف والسداد والضفاف والأشغال الفرعية الأخرى وتسليمها في مدة ثلاث أعوام من تاريخ توقيع المقاولة على أن تجري المياه في الغراف في يوم الأول من شهر تشرين الثاني 1937 أو قبله.
ولأهمية المشروع قرر الملك غازي حضور إجراء مراسيم حفل وضع حجر الأساس وحدد يوم الاثنين الموافق 10 كانون أول 1934 موعدا لذلك. وتم وضعه من قبل الملك شخصياً.
لاقت الشركة صعوبات جمة في سد مجرى النهر , حيث تطلب العمل دق الركائز فألقت مليون كيس رمل و 1500 قطعة من الشباك وعشرة آلاف برميل من براميل الاسمنت وهي مملوءة بأكياس الرمل. وبهذا استطاعت الشركة إيقاف قوة المياه الجارية. وقد استمر العمل حسب البرنامج المرسوم وبات من المقرر أن تنجز الأعمال في التاريخ المحدد لها. لكن فيضان سنة 1936 كبد الشركة خسائر كبيرة أدى إلى تأخير موعد انجاز العمل.
وبمناسبة قرب انتهاء الأعمال الإنشائية في سدة الكوت أعدت وزارة الاقتصاد والمواصلات منهاجاً خاصاً لافتتاح المشروع واقترحت أن يكون الافتتاح برعاية الملك غازي وحدد يوم 28 آذار 1939 تاريخا لافتتاح المشروع. وعندما اخذ رأي الملك وافق على ذلك وأمر بدعوة أعضاء الهيئة الدبلوماسية ومدراء الشركات التي لهم صلة بهذه المشاريع فضلا عن الوزراء والنواب والأعيان والمتصرفين.
وصل الملك إلى محل الاحتفال في الوقت المحدد وألقى كلمة في المناسبة أكد فيها إنه مسرور لافتتاح هذه السدة ومشروع الغراف لأنه كان موضع اهتمام والده الملك فيصل الذي كان يقول دائما (لا مشروع قبل الغراف) ووعد الملك الشعب العراقي بأنه مصمم على وضع الحجر الأساس لعدد من المشاريع الاقتصادية الكبرى وإسعاد كافة العراقيين. لكن أماني الملك الشاب لم تتحقق لأنه قتل بعد مرور اقل من أسبوع على افتتاح السدة (ليلة 3- 4 نيسان 1939) بظروف غامضة ظلت لغزا غير مفهوم حتى الساعة. ولا يستبعد أن الحادث كان مؤامرة دبرتها بريطانيا مع بعض السياسيين آنذاك.
بلغ طول السدة حوالي 600 م. وهي بذلك تمثل ثلاثة أضعاف سدة الهندية , وقد شيدت على طراز سدة (نجع حمادي) في مصر. فيها (56) فتحة عرض كل منها ستة أمتار. وفي كل فتحة باب لتنظيم جريان الماء وفيها مخرج مدرج للأسماك وممر للسفن (هويس) وكان أعلى تصريف مر من السدة هو التصريف الذي اجتازها في فيضان سنة 1941 حيث بلغ الماء في النهر في 9 آذار من تلك السنة (18,98) م فوق مستوى البحر. وهو أقصى حد سجل لمناسيب المياه هناك. وقدر التصريف الذي مر من السدة في ذلك الوقت زهاء (8200) م/ثا.
وقد اشتمل بناء السدة وناظم الغراف على (6180) طنا من الفولاذ وزهاء ربع مليون طن من الخرسانة. وكان الحد الأعظم لعدد العمال المشتغلين في آن واحد (3314)عاملاً وجرت معظم الأعمال بالكهرباء فنصبت لهذا الغرض مولدة تبلغ قوتها (1959) حصاناً.
مجلة البحوث الجغرافية  2013