اقتصاديات: جدلية الدفع بالآجل

اقتصاديات: جدلية الدفع بالآجل

 عباس الغالبي
لاشك أن جدلية الدفع الآجل التي أطلت علينا بها الحكومة مؤخراً لا تخرج عن إطار القرض الممول من قبل الجهة المتعاقد معها الذي يسدد بأسلوب معين آجلاً.
وعند مناقشة حيثيات العقد الحكومي الأخير لنصب محطات توليد كهربائية من قبل شركات كورية جنوبية، نتساءل، ما الفرق بين تسمية القرض والطريقة التي جرت من خلالها الاتفاقيات مع هذه الشركات على طريقة الدفع الآجل؟، أليست القروض دفعا بالآجل؟،

 كما أليس هو دين (وكما نعرف أن الدين هو مصدر من مصادر التمويل)  يضاف إلى الديون التي مازالت الدولة الجديدة تنأى بحملها، وهل أن الضرورة تستدعي إلى هذا الحد إلى القرض أو الدفع الآجل (وهما سيان) لحل أزمة الكهرباء، أم أن البعد السياسي يلقي بظلاله دائماً على القرار الاقتصادي ويلوي عنقه ويكبله ويجعله في غالب الأحيان غير ذي جدوى.
ونلفت انتباه أصحاب القرار السياسي والاقتصادي على حد سواء، أما كان الأجدى أن تجري مناقشة مثل هذه الاتفاقيات والمشاريع عند فترة أعداد الموازنة العامة للدولة سعياً لتضمينها في حيثيات الموازنة لتأخذ طريقها في التشريع من دون اعتراضات قانونية على هذا السعي الحكومي للحد من أزمة الطاقة الكهربائية وتوفير الخدمات التي مثلت القاسم المشترك لمطالبات المتظاهرين والمحتجين، حيث أن أزمة الكهرباء بطبيعة الحال قديمة حديثة ولم تبرز للتو حتى يمكن أن يكون هنالك مسوغاً لأقدام الحكومة على مثل هذه الاتفاقيات مع الشركات الكورية، وكان الأجدى بوزارة الكهرباء والحكومة أن يتعاملا مع هذا الموضوع بجدية وبطريقة قانونية سلسة منذ أن فشلت المفاوضات مع شركة (سيمنس) الألمانية لنصب المحطات المتعاقد عليها آنذاك من قبلها.
ولكن نقول لابد أن ننظر للموضوع من وجهتين الأولى فيما إذا سلمنا بإمكانية الشركات الكورية بنصب محطات التوليد الكهربائية نهاية العام الحالي بحسب ما أعلنت ذلك، فأن ذلك يعد تطوراً لافتاً للنظر في المشهد الانتاجي والتوزيعي للطاقة الكهربائية، ما ينعكس ذلك سريعاً على الاستهلاك المنزلي وإمكانية تدوير عجلة القطاعات الاقتصادية الأخرى ولاسيما القطاع الصناعي، أما الوجهة الثانية فهي ما يتعلق بعدم إمكانية تلك الشركات بالتنفيذ في الوقت المعلن عنه مسبقاً وما ينعكس ذلك على مشهد الطاقة الكهربائية ومدى صدقية الحكومة في التعامل مع الملف الحيوي، ولكن في كلتا الحالتين يتطلب من الحكومة أن تجد مسوغاً قانونياً لاسيما وأنها أعلنت أن آلية التسديد تكمن بتصدير 250 ألف برميل من النفط الخام يومياً ، حيث يبرز السؤال الأهم، هل يجري ذلك بمعزل عن مجلس النواب؟، فقد يدخل الحكومة في خلاف مع البرلمان في ظل المناكفات السياسية وحالات الفساد المالي والإداري التي تظهر مؤخراً، في وقت تتصدى الحكومة لملفات الأمن والخدمات والفساد في آن واحد، ما قد يدخل البلد في نفق مظلم لا نرى فيه ضوء قريب.