صفحة مطويّة من تأريخ الحركة الديمقراطية في العراق .. نادي التضامن.. كيف تمَّ تأسيسه؟

صفحة مطويّة من تأريخ الحركة الديمقراطية في العراق .. نادي التضامن.. كيف تمَّ تأسيسه؟

قيس ادريس
بعد أن أُقر قانون الجمعيات في 2 تموز 1922. ظهرت العديد من الجمعيات والنوادي السياسية والثقافية والرياضية والمهنية في بغداد، ومن أبرز تلك الأندية التي ظهرت في بغداد في عشرينيات القرن العشرين والتي كان لها دورٌ متميزٌ في الحركة الوطنية هو "نادي التضامن". إذ أن تأسيسه يعد نقطة تحول في نشاط المثقفين المجددين، وعلامة بارزة في التأريخ الثوري للعراق.

جرى الإعداد لتأسيس "نادي التضامن" عندما قدّم المحامي "حقي الجيبة جي" ورفقاؤه طلباً إلى وزارة الداخلية في 11 نيسان 1926 لتأسيس نادٍ باسم التضامن مركزه في بغداد مرفقين معه أهداف ومبادئ النادي. وتمت موافقة الوزارة المذكورة على منحهم الرخصة, وذلك في 21 نيسان 1926 علـى أن يراعـي قانـون الجمعيات لسنة 1922.
كان لحسين الرحال الدور الأساس في تأسيس النادي, وفي تنظيم أموره وقيادته. ففي اجتماع الهيئة العامة للنادي الذي عقد في 19 تموز 1926 تم انتخاب هيئة إدارية مؤلفة من حسين الرحال وحقي الجيبة جي وآخرين.
حاول حسين الرحال أن يخفي ميوله الماركسية كي ينأى عن النادي صفة الشيوعية, ولا سيَّما بعد القرار الذي أتخذه مجلس الوزراء العراقي في 27 نيسان 1926، القاضي بتنفيذ الترتيبات المتفق عليها في القاهرة بتاريخ 13 كانون الثاني 1926، بشأن مكافحة الشيوعية على الصعيد العربي، بالتعاون مع السلطات الحكومية في المنطقة، فصار الرحـال يـعمل فـي "نادي التضـامـن" بمعية "يوسف زينل" ذي الميول القومية المغايرة لفكر حسين الرحال.
مهما يكن في أمر الرحال والاختلاف في تبني الفكر الماركسي للنادي, إلا أنه أتخذ عنواناً جامعاً للجميع عندما اقتبس "نادي التضامن" أسمه من شعار حزب الشعب (الاخلاص, التضامن)، وأعلن برنامجه في الصحافة في 25 تموز 1926، وقد أكد فيه على أن النادي يسعى إلى تضامن الشباب واتحادهم اجتماعياً واقتصادياً، وترويج المصنوعات الوطنية، وحث الشباب على احتراف المهن الحرة، ونشر العلم, وتنشيط الأبدان ومراعاة القواعد الصحية، ونشر المبادئ التي تؤول إلى تحسين الحياة الاجتماعية بقدر المستطاع.
وفي 23 آب دعا النادي الراغبين في الانتماء إليه إلى تقديم طلباتهم إلى معتمد النادي المحامي حقي الجيبة جي, وقررت إدارة النادي في جلستها المنعقدة في 20 أيلول 1926 لتكون باكورة نشاطه بتأسيس شعبة له في لواء ديالى على أن يكون مركزها بعقوبة، وبعد أن أطلع متصرف لواء ديالى على برنامج النادي سمح له فتح شعبة للنادي في اللواء المذكور.
وفي اجتماع المؤتمر العام للنادي الذي أنعقد في 11 كانون الأول 1926 صادق المجتمعون على النظام الداخلي للنادي، والذي تضمن (12) اثني عشر باباً جاء في الأول حول "كيفية تكوين النادي وتشكيلاته الأساسية"، في حين تناول الباب الثاني "موضوع الانتخابات"، والثالث جاء تحت عنوان "اللجان الاختصاصية"، والرابع "الهيئة الإدارية العامة"، والخامس "الهيئة العامة"، والسادس "المؤتمر العام"، والسابع "في الواجبات"، والثامن "أصول المذاكرة"، والتاسع "الأمور المالية"، والعاشر "في الانتماء والانفصال"، والحادي عشر "العقوبات"، والثاني عشر "القواعد العامة".
وفي اجتماع الهيئة العامة للنادي في 6 أيلول 1927 أدخلت بعض التعديلات والاصلاحات على نظامه الداخلي, إذ تم تأسيس نظام الشُعب من (12) عضواً فأكثر، وتم حذف الباب الخامس "الهيئة العامة" من نظامه الداخلي.
اتخذ النادي مقره في غرفتين مستأجرتين في "رويال سينما" (ملتقى شارع الرشيد وجسر الشهداء حالياً), وافتتح أبوابه للأعضاء ابتداءً من 23 كانون الأول 1926, وفي اجتماع الــمـــؤتـمــــر الــعــام للــنــادي فــــي 23 أيــار 1927 أنـــتـــخــــب يـــــوســــف زيـــنــل مــعـــتـمـــداً "لــنــادي التضامن".
ومع أن النادي لم يشرْ في نظامه إلى أنه نادٍ سياسي, وأن بعض فقرات برنامجه أتسمت بالغموض إلاّ أنه مع ذلك استهوى معظم الشباب، ولا سيما طلاب المدارس, وأن غموض برنامج النادي لم يكن يبعده عن أعين السلطات البريطانية في بغداد لتحديد هوية النادي بسرعة، فأشارت إلى أنه نادٍ سياسي اجتماعي يضم بصورة رئيسة المحامين والشباب المتخرجين حديثاً من كل أبناء الشعب، وأهدافه الاستقلال التام للعراق بالاعتماد على الشباب المثقف ومعارضة الحكام التقليديين، وشخصت أهمّ أعضائه: وهم حسين الرحال ويوسف زينل وحقي الجيبة جي وآخرون،  ممن وردت أسماؤهم في الوثائق البريطانية بصورة خاصة.
يبدو أن دور حسين الرحال القيادي قد دفع أعضاء حلقته الماركسية ومعظم الذين عُرفوا بميولهم الماركسية للانضمام إلى "نادي التضامن" أمثال حسين جميل وزكي خيري وعاصم فليح وعزيز شريف وعبد الفتاح إبراهيم وعبد القادر إسماعيل ورشيد مطلك.
إن تجـمع هؤلاء في "نادي التضامن" أثار مـخاوف كبيرة لدى البريطانيين لـكـونـه يحمل توجهات ماركسية، فربطوا فكرة تأسيس النادي بفكرة تأسيس حزب ماركسي في العراق. بعد زيادة أعداد روّاد النادي من الشباب المثقف والطلبة أثار الشك في نفوس البريطانيين, ولم يكونوا مخطئين في ذلك، فمعظم الذين أسّسوا جماعة الأهالي والحزب الشيوعي العراقي فيما بعد كانوا من أعضاء النادي وقد تأثروا بشكل أو بآخر بآراء وأفكار حسين الرحال الماركسية.  
كان الموقف المشكّك بميول النادي عندما ربط نائب المفتش العام للشرطة البريطانية في وزارة الداخلية العراقية، وجود مؤثرات ماركسية في بعض المناطق مما دفعه إلى اتهام "نادي التضامن" بذلك، وتحدث أيضاً عن صلة "نادي التضامن" بـ "حزب الشعب"، وذلك لأن معتمد الـنادي حـقي الـجيـبة جـي كان يعـمـل مـحرراً في صحيفة "نـداء الشـعب" الـناطقة بـلسان الـحـزب المذكور، وأن قادته على اتصال بالمراسلة مع الأممية الثالثة، وعليه فقد أصبح النادي محط مراقبة السلطات البريطانية بدقة، وتابعوا نشاط كل من حقي الجيبة جي وحسين الرحال الذي توفرت لدى الاستخبارات البريطانية معلومات كافية عنه تؤكد أن له أفكاراً ماركسية, فوجهوا اتهامات للنادي، وقد دفعتهم مخاوفهم من أنشطة "نادي التضامن" إلى ترجمة منهاج  النادي الذي سبق أن نشرته الصحف المحلية.
أصبح "نادي التضامن" منبراً تجتمع فيه العناصر الوطنية والشباب المثقف، والمكان الذي يتابعون فيه ما تنشره الصحافة الوطنية في البلدان العربية ويستمعون إلى أخبار المعارضة العراقية ويناقشون فيه القضايا الوطنية. إذ أظهر النادي ميوله السياسية المعارضة عندما طالب بسقوط معاهدة عام 1922، ولتكون أساساً لشعاراته في التظاهرات التي قادها، ومن جهة أخرى حارب مساعي المستعمر في تقوية وبث النعرات العنصرية والطائفية، ونظراً لالتفاف الطلبة والشباب حول النادي، فقد أسس أول نادٍ رياضي ووسّع نشاطه في تهيئة مسارح رياضية بأنواعها ولا سيَّما كـــرة الـقـدم، إذ كـانـت فــرقة كـرة الـقدم الـتابعة للنادي مـــن أشــــهر الـفرق البغـداديــة آنذاك.
أولى "نادي التضامن" النشاط المسرحي جانباً من اهتمامه، ولكن من منطلق أتسم بوعي أعمق من نشاطات مثيلاته في هذا الميدان, ففي ليلة 24 كانون الثاني 1927 قدّم أعضاء النادي مسرحية ذات مغزى سياسي على قاعة "السينما الوطني" ورد فيها انتقاد واضح مسَّ المستشارين البريطانيين مما أثار الحماس لدى الشباب.
كان للنادي نشاط أيضاً في المجالين التعليمي والثقافي، فقد نظم دورات لتعليم اللغة ودعا الشباب الراغبين في دراسة اللغتين العربية والإنكليزية والعلوم الأخرى إلى تقديم طلباتهم إلى النادي، وقام بتوفير الصحف للمطالعة مما شجّع المثقفين على الإقبال عليه، كما بادر عدد من المثقفين بإلقاء محاضرات بدعوات من النادي منهم "إبـراهيم حلمي العمر" الذي ألقى محاضرة عن الصحافة، وقدم "ساطع الحصري" مـحاضـرة فـي الـتربية الاجتماعية، كــما عمـل النادي عـلـى إرسال بــعض الطلبة للدراسة خارج العراق. غير أن أهم أحداث تاريخه كانت مشاركته الفاعلة في قضيتي أنيس النصولي وزيارة الفرد موند..
عن رسالة (حسين الرحال ودوره الفكري والسياسي)