وثائق:موقف العراق مما حدث في سوريا سنة 1928 - 1938

وثائق:موقف العراق مما حدث في سوريا سنة 1928 - 1938

زينب النعيمي
واصل الملك فيصل الاول مساعيه في سبيل تحقيق الاتحاد بين سوريا والعراق وفي هذا المجال يقول شكيب ارسلان ان توقيع معاهدة 1930 بين العراق وبريطانيا كان حافزا قويا للملك لان يكثف جهوده من اجل القضية العربية وفي اواخر عام 1931 احتل الملك فيصل الاول مكانة عظيمة في نظر رجال الحركة الوطنية في سوريا

والاردن وفلسطين وذلك من خلال الدور الذي لعبه اثناء المؤتمر الاسلامي الكبير في القدس في تلك الحقبة ففي سوريا اصبح مطلب الوحدة مع العراق تحت عرش الملك فيصل الاول من صميم الحركة الوطنية الى حد جعل بعض السياسيين الفرنسيين يؤيدون هذا الاتجاه املا في مد نفوذهم الى العراق وضرب المصالح البريطانية بعد ان حصل العراق على استقلاله عام 1932 واصبح عضوا في عصبة الامم انعقدت عليه الامال وبدأت بقية الاقطار العربية الاخرى التي كانت تحت الانتداب وفي مقدمتها سوريا تتطلع اليه في ان يسهم في استقلالها وبالفعل واصل مساعيه الدبلوماسية من اجل استقلال سوريا
حيث طالب ممثل العراق في عصبة الامم 1932 باستقلال سوريا قد اكد في طلبه بان السوريين قادرون على حكم انفسهم وتكوين دولة مستقلة واستمر العراق في موقفه هذا من قضية استقلال سوريا حتى بعد وفاة الملك فيصل الاول وتولي غازي عرش العراق طيلة فترة حكمه والتي امتدت من عام (1933 -1939) ففي عام 1936 سعي العراق للضغط على ارتباطه ببريطانيا لحملها على العمل بما يخدم الوفد السوري المفاوض في باريس في تلك الفترة من اجل عقد معاهدة بين سوريا وفرنسا تحل محل الانتداب ويذكر باتريك سيل ذلك بقوله كانت الاموال العراقية تقدم حتى لتسديد قوائم حساب الفنادق التي يقيم فيها السوريون وخلال فترة رئاسة ياسين الهاشمي للوزارة اعطى القضية السورية اهمية خاصة حيث امر المفوضيات العراقية في اوربا ولاسيما في باريس ان تكون مراكز لخدمة القضية السورية كما انه كان على اتصال مستمر بالوفد السوري المفاوض في باريس وقد اكد ذلك السيد هاشم الاتاسي بقوله ان القوى الوطنية في سوريا قد انتظمت لجانها وتعددت مكاتبها وتماسكت فروعها ولياسين الهاشمي فضل مباشر في ذلك كله، وعلى اثر الانقلاب العسكري الذي قام به بكر صدقي في عام 1936 تم اسناد منصب رئاسة الحكومة الى حكمت سليمان وقد افصح عن منهاج حكومته الجديدة مبينا فيه موقف العراق من سوريا حيث قال ان موقف الحكومة الحاضرة من البلاد العربية موقف الاخ من اخيه وموقفنا من سوريا هو كموقفنا اتجاه البلاد العربية الاخرى اي موقف الاخ من اخيه وبالنظر الى الوضع الجغرافي بين العراق وسوريا فان الحكومة ستسهم بتقوية العلاقات الاقتصادية المشتركة بين القطرين الشقيقين فضلا عن العلاقات السياسية. كان الملك غازي على اتصال مستمر بالعناصر الوطنية السورية التي تؤيد الاتحاد بين العراق وسوريا وكان يقول لهم ارجوا ان تثقوا ويثق الجميع بان خطتي في هذا المضمار لن تتغير عن خطة المغفور له جلالة والدي العظيم طيب الله مثواه. زاد اهتمام الملك غازي بسوريا بعد اضطراب الأوضاع السياسية فيها نتيجة لامتناع السلطات الفرنسية من تصديق المعاهدة التي وقعتها مع السوريين في 19 ايلول 1936، والنداءات التي كانت توجه اليه من السوريين مستصرخة اياه ومستنجدة به من اجل مساعدتها وتخليصها من مظالم الفرنسيين. لم تقف جهود غازي عند حدود ايجاد اتحاد عربي فقط بل اتجهت الى اتباع الأساليب الدبلوماسية.
وذلك باقناع الحكومة بصورة التدخل لحمل الفرنسيين على الابتعاد عن ممارسة اعمالهم الوحشية في سوريا وتصديق المعاهدة التي تم التفاوض عليها بين سوريا وفرنسا عام 1936 وقد تم ذلك عن طريق مفاتحة القائم بأعمال السفارة البريطانية في العراق (هو ستون بومريل حول ضرورة توسط ملك بريطانيا لدى الرئيس الفرنسي من اجل تصديق المعاهدة) قائلا: انه سيجد صعوبة في الوقوف الى جانب بريطانيا حال اندلاع حرب عالمية طالما ان حلفاء الانكليز الفرنسيون ينتهجون سياسة تعسفية اتجاه عرب سوريا وبالفعل قامت بريطانيا بمفاتحة الجهات الرسمية الفرنسية عندما قررت الحكومة البريطانية بمفاتحة الحكومة الفرنسية حول السياسة المراد اتباعها تجاه سوريا وطالب بضرورة تحسين العلاقة مع العرب في الشرق من اجل ضمان وقوفهم الى جانبهم عند اندلاع الحرب العالمية الثانية كما امر الملك غازي تخصيص برامج خاصة في اذاعة قصر الزهور لمناصرة الحقوق السورية ومهاجمة السياسة الفرنسية والتنديد باساليبها الوحشية والمناداة بتحرير سوريا من السيطرة الفرنسية وكان الملك غازي يذيع بنفسه عبر هذه الاذاعة حيث استطاع من خلالها شحن همم السوريين في نضالهم ضد المستعمرين ونقل من خلالها احاسيس العراقيين ومشاعرهم تجاه سوريا فأصبحت هذه الإذاعة اللسان الناطق والمعبر عن السوريين والعراقيين معا ولم يقتصر دور الملك غازي بالنسبة للقضية السورية على الوسائل الدبلوماسية وتخصيص اذاعة قصر الزهور والمساعدات السرية فقط بل صرح وبشكل واضح عند افتتاح المجلس النيابي العراقي في 1 تشرين اول 1938 بان حكومته شاعرة بمسؤوليات العراق دولة فعالة في مجموعة الدول العربية المكلفة بحفظ السلام والحضارة في الشرق الادنى وسواحل البحر الابيض وانها لهذا السبب تهتم اهتماما كبيرا بنجاح قضية سوريا وجعلها قادرة على تبوء مركزها عضوا في هذه المجموعة كما قامت الحكومة العراقية بابلاغ وزراءها المفوضين في لندن وباريس والقاهرة وجدة بضرورة السعي لدى الدول التي يعملون فيها في حث حكوماتها بالوقوف بجانب القضية السورية ان هذا الموقف الذي وقفه العراق بزعامة الملك غازي في سبيل العرب بشكل عام وسوريا بشكل خاص قد اثار عليه غضب الانكليز واعوانهم في العراق بحيث اصبح من الواضح للانكليز ان الملك غازي يسعى لتوحيد الاقطار العربية بعد ما حاول تسوية خلافاته مع عمه الامير عبد الله امير شرق الاردن في اوائل عام 1939 من اجل قيام اتحاد عربي يضم سوريا وفلسطين والاردن والعراق الا ان الانكليز حذروا الامير عبد الله من اطماع الملك غازي في المنطقة، وقد عبر السفير البريطاني عن خوف بريطانيا وقلقها حين ابلغ الامير عبد الاله بقوله لقد اصبح من الواضح ان الملك غازي يجب ان يسيطر عليه او يخلع وهذا ما يدفعنا الى الاعتقاد بان بريطانيا كانت وراء عملية وفاة الملك غازي في نيسان 1939 وقد دفع تطور الاحداث السياسية السورية اعضاء البرلمان العراقي الى مناقشة تلك التطورات داخل قاعة
المجلس.
موقف مجلس الامة العراقي: أ. مجلس النواب: كان اهتمام البرلمان بهذه القضية بصورة عامة قليلا بخاصة في اوائل الثلاثينات ولكن منذ اواسط الثلاثينات اخذ اهتمام البرلمان يزداد بشكل مستمر بتلك المسألة نتيجة لاضطراب الاحوال في سوريا بعد امتناع السلطات الفرنسية عن تصديق معاهدة 1936 هذه الامور دفعت البرلمان العراقي الى مناقشة تلك الاوضاع المضطربة في 28 كانون الاول 1936حيث تساءل النائب (سعيد الحاج ثابت) عن الموقف الذي ستتخذه الحكومة حول الاعمال اللاانسانية التي تقوم بها فرنسا في سوريا قائلا: ان ماحل في القطر الشقيق سوريا من محن وازهاق في النفوس البريئة اقلق الراي العام وبما ان العراق عضو في عصبة الامم وان ما يجري في القطر الشقيق هو باسم جمعية الامم التي فرضت الانتداب فيه فرضا ارجو من فخامة وزير الخارجية ان يصرح لنا عن موقف الحكومة تجاه هذه الاعمال التي تجري باسم الانسانية والتمدن وهل من مصلحة العراق المجاور لسوريا العزيزة ان تبقى هذه المصائب مستمرة.
وقد اجاب رئيس الوزراء ووكيل وزير الخارجية ياسين الهاشمي عن سؤال النائب قائلا وردت بعض المعلومات تشير الى ان الحالة في سوريا لاتزال متوترة اما الانتداب فلم يفرض من عصبة الامم بل فرض من مجلس الحلفاء الاعلى عند اجتماعه في سان ريمو وليس من مصلحة العراق ان تبقى حالة الاضطرابات سائدة في سوريا كما انه ليس من مصلحة سوريا ان تعطي فكرة مغلوطة عما يمكن ان يعمله العراق. وقد عقب النائب سعيد ثابت على جواب رئيس الوزراء ووكيل وزير الخارجية بانه لايقصد المداخلة في الامور الداخلية بل اراد من الحكومة العراقية ان تقول كلمة في ذلك الوضع لعل الحكومة الفرنسية ترجع الى جادة الصواب وتؤمن بحقوق السوريين كما قدم رئيس مجلس النواب ومجموعة من الاعضاء شكوي الى رئيس مجلس النواب الفرنسي من اعمال ممثلي الانتداب الفرنسي في سوريا وحث النواب روفائيل بطي وسعيد ثابت وعلي محمود وحسن السهيل الحكومات العربية القائمة على العمل في سبيل استقلال سوريا من خلال التوسط لدى السلطات الفرنسية. ب- مجلس الاعيان: كما دفعت الحالة في سوريا جماعة من الاعيان والنواب الذهاب الى المفوضية الفرنسية في بغداد يوم 29 كانون الثاني 1936 وقدموا احتجاجا إلى المسيو (ليبسية) وزير فرنسا المفوض في بغداد في تلك الفترة حول الاعمال الشاذة وحوادث الاضطهاد التي تمارسها السلطات الفرنسية تجاه اخوانهم السوريين كما دفعوا نسخة من احتجاجهم المذكور الى لجنة الانتدابات في عصبة الامم باللغتين العربية والانكليزية. لم يقتصر ذلك الموقف على البرلمان العراقي بل امتد ليشمل الحركة الوطنية والصحافة العراقية وبقية الشرائح الاجتماعية. الحركة الوطنية: احتج نادي المثنى على قيام فرنسا بنكث عهودها واستنكر سياستها التعسفية في سوريا وطالب بتضامن العرب مع اخوانهم هناك في المطالبة بحرية سوريا واستقلالها ووحدتها واصدر النادي بيانا حول اضطراب الاحوال في سوريا بعد الغاء الدستور والحكم الوطني من المفوض السامي الفرنسي في سوريا والعودة الى الحكم المباشر وقد احتج قبل ذلك ايضا مرات عدة على اعمال السلطة الفرنسية في سوريا وبعث بمجموعة من برقيات الاحتجاج الى وزير الخارجية الفرنسي وسفير فرنسا في كل من دمشق وبيروت معربا عن استياء الرأي العام العراقي الذي يعيش حالة من الغليان على اثر سفك دماء ابناء سوريا.
الصحافة العراقية: اما الصحافة العراقية فقد اعطت اهتماما خاصا للاحداث والتطورات التي حصلت في سوريا بعد الثورة السورية الكبرى وحتى اندلاع الحرب العالمية الثانية فكتبت جريدة (العراق) مقالا بعنوان عواطف الشعب العراقي تجاه الحوادث المؤلمة في شقيقتها سورية اشارت فيه الى التجمع الذي تم في جامع الحيدر خانه يوم 31 كانون الثاني 1936 احتجاجا على سياسة البطش والارهاب الفرنسي في سوريا وقد افتتح الاجتماع (سعيد الجلبي) نائب الموصل ثم القى كلمة تناول فيها السياسة الارهابية التي تمارسها السلطات الفرنسية في سوريا ثم خطب الاستاذ نعمان الاعظمي خطبة حث فيها على التعاون والتازر مع سوريا كما اشار قائلا ان عصبة الامم مهتمة الان بانقاذ الحبشة في اعتداء بريطانيا ولكنها لم تهتم بامر العرب ولا بقضيتهم كما احتجت الصحافة العراقية مجتمعة على عدوان فرنسا على سوريا متمثلة في شخصية عبد الغفور البدري صاحب جريدة (الاستقلال) ورزوق غنام صاحب جريدة (العراق) وجميل روحي صاحب جريدة (اليوم ) وطه فياض صاحب جريدة (السجل) ورفعوا برقية الى المفوضية الفرنسية في بغداد والسفارة في بيروت استنكروا فيها السياسة الظالمة المتبعة في سوريا. الشرائح الاجتماعية: كان الشباب العراقي في مقدمة الشرائح الاجتماعية التي ساهمت في التنديد بسياسة الارهاب التي مارستها فرنسا في سوريا وعقدوا تجمعا عبروا فيه عن حزنهم على الموقف المتفرج الذي يقفه العرب ازاء ما يحدث في سوريا فقام الشاب (طه الفياض) مندوب جمعية الشباب في البصرة واصفا الحالة المحزنة في سوريا وحمل العرب مسؤولية ذلك ثم تلاه الشاب سعدي خليل والقى كلمة باسم الشباب العراقي حمل فيها موقف العرب المتفرج عما يجري في سوريا وقد وصفهم على حد قوله بانهم لايحركون ساكنا..
كان للعمال موقف مماثل من الاحداث السياسية في سوريا فقد القى السيد (عطية حسون ابو الجبن) كلمة باسم عمال العراق معربا عن شعورهم نحو سوريا الشقيقة مترحما على ارواح الشهداء والضحايا الذين استشهدوا نتيجة العدوان الفرنسي الغادر على بلدهم كما احتجت نقابة المحامين في العراق على اعمال فرنسا في سلب حقوق سوريا الطبيعية في الحرية والاستقلال. اما الحركة الطلابية التي كانت تشكل قوة وطنية وشعبية كبيرة من بين الفئات الاجتماعية الاخرى فانها كانت في مقدمة المشاركين للعديد من النشاطات السياسية التي عبروا فيها عن مواقفهم الى جانب ابناء الشعب المخلصين حيث شهدت العاصمة بغداد وبقية محافظات القطر اوسع المظاهرات احتجاجا على سياسة الاستعمار الفرنسي في سوريا وقد أشارت الى ذلك جريدة البلاد في مقال افتتاحي بعنوان شباب العلم يتظاهرون في الاحتجاج على مظالم الاستعمار في سوريا ومن خلال هذا يبدو لنا بان العراق قد تابع وباهتمام بالغ تطور الأحداث السياسية في سوريا طيلة فترة حكم الملك فيصل الاول والملك غازي وقد تمثل ذلك في الدعم المادي والمعنوي للشعب العربي في سوريا للحصول على الاستقلال.