وثبة كانون الثاني في ذاكرة قاض عراقي

وثبة كانون الثاني في ذاكرة قاض عراقي

 لقاء اجراء حسن محسن
للعديد من مواطنينا عبر السنوات التي عاشها العراق وفي انتفاضاته الكثيرة  ضد التعسف والطغيان ذكريات.. ذكريات عاشوا دقائقها وتفصيلاتها، احتفظوا  منها بحلاوة النضال وبحرارة الايمان بالوطن والذود عنه.. ذكريات فتحت الف  باء صفحاتها لها لتروي للاجيال اللاحقة ما صنع الاباء..
  هذه الصفحات المطوية من التاريخ نضعها الان امام القراء وعلى السنة الذين عايشوها عن كثب وخاضوا غمارها بصدق.

في هذا العدد تقدم المجلة لقرائها مقابلة مع السيد على السماك قاضي محكمة جزاء بغداد الاول حيث زارته في داره الكائنة بمحلة الصالحية في الكرخ..
سارق الكرات الصغير..
يستعيد السيد علي السماك الذكريات الاولى حين كان بيتهم القديم مقابلا لدار المندوب السامي البريطاني (السفارة البريطانية حالياً) ويقول:
اتذكر وانا صبي صغير انهم كانوا يلعبون التنس في دار المندوب السامي عصرا وحين تجتاز كرات التنس الشارع الذي يفصل بيننا اتلقفها ثم اقوم باخفائها، حارما اياهم لذة اللعب فراحوا يشتكونني الى اهلي ومعارفي ثم الى الشرطة.. وتلك كانت بداية الكره لهم..
وحين بلغت السادسة عشرة وبعد انتهاء ثورة رشيد عالي الكيلاني الى الفشل لجأ بعض الموظفين الانجليز وعملائهم الى استفزاز المواطنين واثارة حفيظتهم، فشنوا هجوما انذاك على دار المندوب السامي سقط فيه عدد كبير من المواطنين بين قتيل وجريح، ثم القي القبض على عدد آخر كنت من بينهم واقتادونا الى مكان يدعى (البنكلة) في منطقة السكك قرب الاذاعة (مستشفى ابن البيطار حاليا)، وعلى مدى (25) يوما عوملنا معاملة قاسية من جنود الاحتلال، وحاولت الهرب من التوقيق لولا يقظة الحارس الاسترالي الذي قبض علي ووجه لي ضربة في راسي مازلت احمل اثارها في جبهتي وعندما تصديت له ضربني مرة اخرى في قدمي فكسر اصبعي.
ويتأمل قليلا ليضيف:
- كنا اربعة في غرفة واحدة، وبعد ايام زج المحتلون بكتائب الشباب والفتوة وغيرهم من الوطنيين فغصت بهم غرف وساحات الموقف العام والسجن، وكان نصيب المناضل الفلسطيني عبد القادر الحسيني من التعذيب على ايدي حراس السجن يزداد يوما بعد يوم، لكنه بالرغم من ذلك كان يحدثنا ونحن نستمع اليه يشغف، يحدثنا عن العقيدة والقومية والوطنية، كان شجاعا لا يعرف التراجع، وكانت الابتسامة لا تفارق شفتيه بالرغم من سياط التعذيب التي كانت تلهب جسده.
بعد ذلك اقتادوني الى محكمة عرفية في الهنيدي (معسكر الرشيد) وثم الافراج عني بعد ان امضيت سنة كاملة في التوقيف.
وثبة كانون..
ويفرق السيد علي السماك في كرسيه ليقول:
- كنت موظفا في النفوس حينما وصل النص الانجليزي من معاهدة بورتسموث يوم 1/5/1948 وسلم الى الصحفيين يوم 16 منه من قبل احمد مختار بابان رئيس الديوان الملكي.
فانتفض الشعب وقامت المظاهرات التي استمرت من 21 لغاية 25 كانون الثاني في جميع مناطق بغداد متحدية بيانات حكومة صالح جبر التي تهدد الاباء والامهات بان يضغطوا على ابنائهم والا فالفصل مصيرهم من المدارس وغيرها من التهديدات التي قوبلت بالثورة العارمة والزحف نحو شوارع بغداد غير آبهة برصاص الغدر والخيانة.
في صبيحة الثلاثاء 26 كانون الثاني 1948 حدث تجمع كبير في شوارع بغداد وساحاتها العامة وانطلقت المظاهرات تهتف بسقوط صالح جبر ومعاهدته الخيانية، فتصدت لها الشرطة بعنف وسقط العديد من الجرحى والقتلى قرب (ساحة الرصافي) وقد اعتمدنا في الزحف فوق جسر الشهداء على سيارتي اسعاف طلبنا من سائقيهما السير جنبا الى جنب ومن خلفهما سار المتظاهرون دون ان ينكشفوا، لكن السيارتين ما وصلنا منتصف الجسر حتى اسرعنا فانشكفنا امام الشرطة وانهال علينا وابل من الرصاص من كل جانب وحدثت اصطدامات مباشرة بالخناجر والسكاكين فر على اثرها افراد الشرطة تاركين اسلحتهم  وخوذهم وسقط قسم منهم في نهر دجلة..
التحم الكرخ بالرصافة.. قوة نضالية رائعة اخترقت شارع الرشيد بعد ذلك باتجاه البلاط الملكي وتقدم المتظاهرون بالرغم من رصاص الشرطة في باب المعظم قرب جامع المرادية واشعلنا النار في سيارة للشرطة.
كان سلاحنا الايمان وكنا نردد: الله اكبر، الله اكبر، الموت للاستعمار واعوانه.. وليحيى الوطن.
ويضيف السيد علي السماك:
- ما ان وصل المتظاهرون الى البلاط الملكي مقابل ساحة الكشافة حتى اصطف افراد الحرس من الجيش وراحوا يعزفون بالابواق سلاما تحية للمتظاهرين – واقسم ساعتها ان معظمنا تساقطت دموعه من الفرح لهذا الموقف العظيم – ثم شكلنا وفدا تكون (مني ومكي حبيب النعيمي وبعض طلاب وطالبات الاعظمية) ودخلنا على احمد مختار بابان رئيس الديوان الملكي ومعه تحسين قدري رئيس التشريفات واجرينا مفاوضاتنا معهما دون ان نجلس، فوعدنا احمد مختار قائلا:
- اعدكم بشرفي بانني ساعرض الحقيقة كاملة على الوصي وسيذاع بيان في الساعة الثامنة مساء باسقاط حكومة صالح جبر والمعاهدة وستشكل حكومة جديدة..
فخرجنا الى المتظاهرين واخبرناهم بالنتيجة التي اعتبرناها مناورة او خدعة وهدد المتظاهرون بانهم سيهدمون الرحاب على ساكنيه ان حصل زيف او تلاعب في الموعد.
العرس الكبير..
وكانه يعيش تلك اللحظات بسعادتها وعنفوانها استمر السماك في سرد ذكرياته قائلاً:
- خرجت جماهير الاحياء الاخرى لاستقبال المتظاهرين بالدفوف والزغاريد استقبالا لامثيل له، وفي المساء تجمع المتظاهرون في الرصافة قرب (شريف وحداد) وفي الكرخ بالصالحية انتظارا لموعد البلاط وقبل الساعة الثامنة سمعنا بان صالح جبر سيطلب من الجيش ضرب المتظاهرين بدون رحمة كمحاولة اخيرة منه في انقاذ موقفه الخياني، الا ان الجيش الباسل رفض الطلب واعتصم بثكناته، وعند الثامنة مساء اذيع بصوت الوصي نبأ سقوط حكومة صالح جبر وتشكيل وزارة جديدة انتقالية برئاسة  الصدر. سهرت بغداد لهذا النصر وباتت حلقات الناس هنا وهناك ترقص وتغني وتزغرد للشهداء الذين ضمخوا الارض الزكية بدمائهم المعطاء وذلك دينهم على امتداد السنوان التي عاشها العراق قبل سنوات الاستقرار..
 م. الف باء لسنة 1978