22 كانون الثاني 1932..تأسيس جمعية الهلال الاحمر العراقية

22 كانون الثاني 1932..تأسيس جمعية الهلال الاحمر العراقية

اعداد : ذاكرة عراقية
كيف نشأت الفكرة عالميا؟
السيد هنري دونان، رجل اعمال سويسري الجنسية في يوم من ايام ربيع شمال ايطاليا وبالتحديد يوم 24 حزيران في عام 1859، توجه رجل الاعمال هذا الى (سولفرينو) المدينة الجميلة الواقعةشمال ايطاليا، ولم يكن يدون في خلده سوى ما ستدر عليه هذه الرحلة من ارباح تجارية طالما تمناها، لكن القدر كان يخبيء له ما هو اثمن من المال واسمى من الملك الذي لا يبلى، كان يخبيء له مجدا تاريخيا وخلودا ابديا لذكراه.

فما ان وصل هنري دونان الى سولفرينو حتى انقلبت الدنيا رأسا على عقب على حين غرة واختلط الحابل بالنابل، وتعالت اصوات الانفجارات وتناثرت اشلاء القتلى، وعلا صراخ الجرحى وانين المحتضرين، وبدأ سكان المناطق هذه بالفرار الى كل اتجاه حاملين اطفالهم المذعورين، وهم يجروّن المنهارين من المسنين لايلوون على شيء حتى على ما تبقى في بيوتهم من خبز، فنجاة يصحبها جوع خير من شبع يصحبه موت.
وراح هنري دونان وهو متلبس بالفزع والخوف والهلع يركض يسرة ويمنـــــــة ويتعلق متوسلا باذيال من يتدافع معه من الهاربين من الجحيم الذي وقع على الارض فجأة لكي يعرف ماذا جرى، وما لبث بعد فترة عصيبة ان استوعب الذي يجري، فاذا هي الحرب. كان انعدام الامكانيات الطبية والانسانية متردية الى حــــــــــــد دفعت عنده المسعفين الى التخلي عن الجريح ليلعب مع خطه في وسط الكارثة لعبة القرعة على حياة او موت.
صفي هذه اللحظات الحاسمة اكتشف هنري ان ضمائر الناس هي مستتبات خصبة لبذور الخير والمروءة، ثمارها مثل انسانية لا تستقيم الحياة بدونها. وعاد هنري دونان الى سويسرا يرافقه ذلك المشهد الرهيب، رهبة الموت وكوارث الحروب، بل وجلالة مستنبتات الخير في ضمائر الناس. وراح يفكر اياما ثم ايام.
ترى كيف يثير خصوبة هذه المستنبتات وكيف ينمي نوازع الخير الانسانية لتثمر ثمارها لخدمة الانسان. افي الوعظ والارشاد، وماذا جنى الوعاظ والمرشدون والرهبان وهذه الحروب الفتاكة الشرسة لا تزال تقتل الالاف وتخرب البلدان تماما كما كانت منذ الاف السنين.
وراح يسطر ذكرياته وبدون مذكراته عن ما شاهده وعايشه في (سولفرينو) وراحت الافكار والمقترحات تزدحم في عقله، حتى صار ما سطره كتابا سرعان ما انتشر وذاع اسمه بين لناس في عام 1863 (تذكار سولفرينو) نشر هذا الكتاب من ماله الخاص وبعث به الى العائلات الحاكمة في اوروبا والى رجالات السياسة والى تجار الحروب العسكريين كما بعث به الى البررة واصدقاء ورعاة الاخلاق والخير. وما لبث هذا الكتاب ان قوبل بفوز ونجاح لم يتوقعهما. وتأثرت الهيئات الانسانية في اوروبا بهذا الكتاب الى اقصى حدود لعواطف الانسانية. وصادف في تلك الفترة قيام جمعية خيرية انسانية في جنيفير اسسها محام يدعى (غوستاف وانييه)، فلما قرأ كتاب دونان تأثر كثيرا وسارع الى تجنيد جمعيته لتكون نواة لعمل خير عام للانسانية جمعاء فكون لجنة من سبعة اعضاء، خمسة منهم من افراد جمعيته، وانضم اليهم دونان والمحامي غوستاف، ثم انضم اليهم الجنرال (غيوم هنري دوفور) والدكتور (لويس ابيا) و(تيودور فونوار) وكلهم سويسريون.
وعقدت هذه اللجنة اولى اجتماعاتها في 17 شباط من عام 1863 واطلقت على نفسها اسم (اللجنة الدولية لاغاثة الجرحى). وكانت هذه اللجنة هي بذرة الخير التي غرست في مستنبت الضمير الانساني لتعيش وتترعرع وتعطي ثمراتها التي سميت (جمعيات الصليب الاحمر الوطنية) واتخذوا من العلم السويسري شعارا لها مع تغيير لون الصليب الى اللون الاحمر.
كان مبدأ هذه الجمعيات (دولي تعاقدي، يحترم ويصلح كأساس تقوم عليه جمعيات الاغاثة في مختلف البلدان). وهكذا نشأ القانون الدولي الانساني المعاصر الذي كانت اتفاقية جنيف الاولى هي صيغته الاولى. ثم انبثقت عن هذه اللجنة جمعيات الصليب الاحمر، ومن ثم الهلال وهكذا وفي عام 1919 شهد العالم ظهور اتحاد جديد يضم الاهلة والصلبان واصبح هذا الاتحاد يضم اليوم اكثر من مئتي مليون عضو، وبلغ عدد فروع الاتحاد في العالم حتى عام 1990، مائة وتسع واربعون جمعية وهو اليوم (عام 1999) يضم مائة واحدى وسبعين جمعية.
الهلال الاحمر في العهد العثماني
تشكلت هيئة مركزية لجمعية الهلال الاحمر العثماني في بغداد خلال الحرب العالمية الاولى فجمعت التبرعات واسست مستشفى للهلال في بناية الاعدادية العسكرية يحتوي على 300 سرير. كما اسست مستشفى في العمارة يحتوي على 300 سرير وناقلتين نهريتين تحتوي كل منها على 80 سرير، ساعدت السيدات العراقيات بجمع التبرعات وحياكة الالبسة لعوائل الجنود والضباط المحاربين.

تأسيس الهلال الاحمر العراقي
تأسست جمعية الهلال الاحمر العراقية سنة 1932 عندما نال العراق استقلاله وقبل عضوا في عصبة الامم المتحدة وقد تم ذلك برعاية وتشجيع المغفور له الملك فيصل الاول.
في 22 كانون الثاني سنة 1932 دعا امين العاصمة انذاك السيد ارشد العمري 150 شخصا من وجهاء  الدولة العراقية واشرافها ومفكريها الى اجتماع في مكتبة الاوقاف العامة وعرض عليهم فكرة تشكيل جمعية للهلال الاحمر اسوة بالبلاد المتمدنة الاخرى.
وبعد المداولة والبحث تقرر انتخاب هيئة تأسيسية مكونة من ستة عشر ذاتا تودع اليها امر تدقيق انظمة الجمعيات المماثلة ووضع مسودة للنظام الاساسي ليقدم على اساسه طلب تشكيل الجمعية الى وزارة الداخلية.
اجتمعت الهيئة العامة بتاريخ 1/3/1932 وانتخبت من بينها هيئة ادارية مكونة من ثمانية اضخاص لادارة امور الجمعية والاضطلاع بسئولياتها وتنمية مواردها كي تقوم بواجبها على الوجه الاكمل وفق نظام الجمعية وفي 29 شباط من السنة نفسها منحت الجمعية اجازة عملها.وفي الاول من اذار اجتمعت الهيئة العامة وانتخبت من بينها هيئة أدارية مكونة من 8 أعضاء. وفي السادس عشر من حزيران 1934 نالت اعتراف اللجنة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر بجمعية الهلال الأحمر العراقي.

الفرع النسوي للجمعية في العراق
تأسس الفرع النسوي لجمعية الهلال الاحمر العراقية عام 1933، افتتح هذا الفرع في بغداد، وكان تحت رعاية واشراف خاصين من الملكة حزيمة زوجة الملك فيصل الاول وكريمتها , والليدي همفريز(Lady Humphries) وحدد اهدافه في تخفيف اثر الكوارث والمخاطر التي تصيب ابناء المجتمع، وقد نال اهتماماً كبيراً من قبل الملكة عالية، وحظي بمؤازرة الملك فيصل الثاني الذي كان يرسل سنوياً مبالغ مالية لتوسيع نشاطات الفرع.
قدم الفرع النسوي خدماته لمنكوبي الفيضانات التي تعرضت لها العاصمة خلال الاطار الزمني للدراسة، ففي عام 1946 جمع الفرع (90) ديناراً وكميات كبيرة من المواد الغذائية والملابس لاسعاف المنكوبين.
ووسع الفرع نشاطاته المختلفة ففي مجال الاعمال الخيرية قام بانشاء مشاريع هدفها توفير فرص العمل للفتيات اليتيمات، وتم في عام 1953 انشاء مشغل في محلة السعدون لتعليم الفتيات اصول الخياطة، وفتح دورات متعددة لهذا الغرض، كانت بدايته الاولى بـ(45) فتاة يتيمة.
كما تبنى الفرع النسوي مشاريع اخرى، لتعليم الفتيات مبادئ الاسعافات الاولية والتدبير المنزلي، وقدم مساعدات مالية للتلاميذ الفقراء والمرضى واسهم في فتح المستوصفات والمستشفيات في بغداد.
وكتب الاستاذ اياد يونس عريبي في رسالته عن الجمعيات الاجتماعية في بغداد في الفترة 1933 ــ 1958مايلي :
      تجلى الهلال الاحمر في العراق اثناء مدة الحكم العثماني , وعند اندلاع الحرب العالمية الاولى غدت له جمعية استقامت بتبرعات المحسنين , فقد تبرع لها البغداديون وحدهم بنحو 13 الف ليرة عثمانية , وكانت البادرة الاولى في دعمها اتخاذ بناية الاعداد العسكري مستشفى ذا سعة 300 سرير, وتأسيس مستشفى اخر في مدينة العمارة بسعة 200سرير, وشجع العراقيون هذه النزعة الانسانية , وتبرعت نساؤهم بحياكة الملابس لعوائل المحاربين, وكانت هيئتها الادارية في مرحلة التاسيس تألفت من حكمت سليمان ومحمود صبحي الدفتري وعدد كبير من الشخصيات البغدادية.
سعى في تأسيس هذه الجمعية ارشد العمريحين كان امينا للعاصمة في اواخر عام 1931على ان تكون على غرار جمعيات الصليب الاحمر العالمية، فاستأذن وزارة الداخلية بذلك بعد ان انتخب لها ستة عشر عضواً، تألفت منهم الهيئة المؤسسة , فأذنت الحكومة بذلك وتأسست الجمعية في 22 كانون الثاني عام 1932، بصورة رسمية تحت رعاية الملك فيصل الاول وبرئاسة ولي العهد الامير غازي.
كانت جمعية الهلال الاحمر العراقي وحسب نظامها الاساسي تتبع الانظمة والقوانين والاتفاقيات الدولية المختصة بجمعيات الهلال والصليب الاحمر الدوليين، وقد نشط اعضائها من اجل حث السلطات المختصة للحصول على تشريع انضمام الدولة العراقية لاتفاقية جنيف، وعلى هذا الاساس صدرت لائحة قانون اعتراف الحكومة العراقية بجمعية الهلال الاحمر العراقية المرقمة 40 لعام 1934، وكان هذا القانون ضروري لاعتراف اللجنة الاممية للصليب الاحمر في جنيف بهذه الجمعية , وانضمامها الى اتحاد جمعيات الصليب الاحمر في باريس، وهكذا اعترف اتحاد جمعيات الصليب الاحمر بهذه الجمعية وانضمت الجمعية الى الاتحاد كعضو فيه وعقب حصول الجمعية على الاعترافات الحكومية والدولية، الفت هيئتها الادارية وغدا ارشد العمري رئيسا لها وجعفر باقر الشبيبي نائبا للرئيس وابراهيم محمود الشابندر سكرتيرا عاماً ويعقوب سركيس مفتشا عاما،
ومن اعمال الجمعية المهمة هو تشييد مستشفى الاطفال في منطقة الشيخ عمر، ومستوصف الهلال الاحمر الذي افتتح عام 1935 فضلا عن تأسيسها مركزا خاصا بالعناية بالأطفال عام 1944 وشيدت له بناية من طابقين في عام 1950 بكلفة قدرها (18000) دينار اسهم الصليب الاحمر الهندي بمبلغ (6000) دينار منها.
لم تكتف الجمعية بنشاطاتها المشار اليها  اعلاه بل كانت لها اسهامات خارجية تمثلت بتقديم خدماتها الى المرضى والمنكوبين في البلاد العربية لاسيما في فلسطين والاردن, كما اسهمت الجمعية في دفع اعانات لمنكوبي زلزال مدينة قارص في تركية قدرها 1000 ليرة تركية، واسهمت الجمعية في اعانت منكوبي زلزال بلوجستان وبدعوة من جمعية الاسعاف الدولي, كما قررت الحكومة العراقية تخصيص مساعدات مالية للمتضررين المغاربة عام 1955، لكن الحكومة الفرنسية رفضت السماح ل (جمعية الهلال الاحمر العراقي) بتقديم مساعداتها للمتضررين هناك.
وبرز دور الجمعية بشكل واضح في اثناء فيضانات عام 1946 الذي نكب به العراق فقد غمرت مياه نهر دجلة وروافده مساحات شاسعة من المزارع والقرى مما ادى الى تشرد الكثير من المزارعين , وسكان القرى والمدن الذين اصبحوا بدون مأوى، فشكلت الجمعية لجنة مركزية خاصة من اعضائه لإغاثة المنكوبين باسم اللجنة المركزية لاكتتاب اسعاف منكوبي الفيضان برئاسة الدكتور ابراهيم عاكف الالوسي، وعضوية كل من محمد جعفر الشبيبي، وعبد الهادي الجلبي، ومحمد حديد واعضاء اخرين وقد عهدت الجمعية الى اللجنة جمع التبرعات عن طريق الاكتتاب الذي اذنت وزارة الداخلية بافتتاحه لغرض اغاثة المنكوبين، وقد اتصلت اللجنة المركزية بالسلطات الادارية المحلية في المناطق المنكوبة لغرض الحصول على المعلومات الكافية عن الفيضانات وحصر الاضرار واعداد المتضررين لغرض تقديم المساعدات لأغاثتهم.
اما بالنسبة لموقف جمعية الهلال الاحمر الفرع النسوي من فيضان عام 1946، فقد ذهبت عدد من العضوات في الجمعية لاستشارة الملكة عالية فيما يجب عمله , فامرت الملكة عالية بتشكيل لجنة لغرض مساعدة المنكوبين، تألفت هذه اللجنة من السيدة نعمة ياسين الهاشمي والسيدة اسيا توفيق وهبي وتاتوسياوعزة محمود الاستربادي، قامت هذه اللجنة في الثاني عشر من نيسان 1946 بتنظيم حفلة لغرض جمع التبرعات وقد حضرت هذه الحفلة الملكة عالية والاميرة عابدية, ومجموعة من سيدات المجتمع العراقي، واعلنت سكرتيرة الجمعية صبيحة الشيخ داود عن افتتاح التبرع , فتقدمت الملكة عالية المتبرعات بمبلغ خمسين دينار , اما الاميرة عابدية فتبرعت بمبلغ اربعين دينارا، وتبرعت النساء الموجودات بمبالغ من المال وعقب الانتهاء من التبرع اخذت الملكة عالية مجموعة من الاقمشة التي تبرع بها للمتضررين ووزعتها على نساء الجمعية لخياطتها وتوزيعها عليهم وبعد ذلك قدمت الملكة عالية شكرها لجميع الحاضرات وحثتهن على تقديم المساعدة اياً كان شكلها, واشرفت بمساعدة شقيقتها على بناء المخيمات للسكان، فكان لهذه الالتفاتة وقع حسن في نفوس المنكوبين بالفيضان , وقد وزعت على عضوات الجمعية شارات الهلال الاحمر.
وتواصلا للنهج ذاته قامت جمعية الهلال الاحمر الشيء نفسه اثناء فيضان عام 1954 الذي نكب به العراق ايضا، اذ قامت (جمعية الهلال الاحمر) بدورها بإغاثة منكوبي الفيضانات ومديد العون لهم، فالفت لجنة خاصة لهذه الغاية من اعضاء الجمعية ووضع تحت تصرفها مبلغ قدره (5000) دينارا , فقامت بصرفها على أعمال الاغاثة، الى جانب ذلك قامت الجمعية بفتح باب الاكتتاب بجمع التبرعات في تحسين احوال المشردين المعاشية والصحية.
في 14 تشرين الثاني 1957، حضر الملك فيصل الثاني حفلة الاستقبال الكبرى التي اقيمت في بهو امانة العاصمة بمناسبة مرور 25 عاما على تأسيس جمعية الهلال الاحمر العراقية، وشمل الحفل عدة فعاليات مثل اقامة سوقا خيرية ومعرضا للزهور وللفن العراقي، واحاط الملك فيصل الثاني يتيمات الهلال الاحمر بعطفه ورعايته، وقد القى الملك كلمة اثناء الحفل قال فيها :”يتيح لي الاحتفال باليوبيل الفضي لجمعية الهلال الاحمر العراقية فرصة طيبة اتحدث فيها اليكم واجدد عهدي بكم.. واني لأشعر اعمق الشعور اذ احيي جمعية الهلال الاحمر , بهذه المناسبة شعور مبعثه الاعجاب، بما قدمت هذه الجمعية من خدمات للمجتمع العراقي , وما نذرت نفسها له من واجب انساني... يسرني بهذه المناسبة ان انوه بجهود هذه الجمعية , وبما ندبت نفسها للقيام به من واجب انساني ووطني , وما قامت به من اعمال الاغاثة والمواساة في الظروف الحرجة التي مرت ببلادنا العزيزة وبالبلاد الشقيقة والصديقة المجاورة".