ما حكاية هذه الصورة.. مئذنتان بلا رأس؟!

ما حكاية هذه الصورة.. مئذنتان بلا رأس؟!

رفعة عبد الرزاق محمد
في العدد الماضي من ملحقنا (ذاكرة عراقية) نشرت صورة نادرة لجامع في بغداد بمئذنتين بلارأس، ولعل الوهلة الاولى تشير الى ان المئذنتين في طور الانشاء، غير ان الامر غير ذلك، واليك التفصيل :
جامع الاصفية من جوامع بغداد القديمة، بني على انقاض جامع قديم كان المتصوفة المولوية (اتباع جلال الدين الرومي المشهور بمولانا) قد اتخذوه تكية لهم باسم المولخانة،

 ويعتقد مؤرخو الخطط البغدادية انه بني على المكان نفسه الذي كان ملحقا للمدرسة المستنصرية باسم دار القرآن. وقد اثبتت الحفريات التي اجريت في هذا المكان اتصال اسس هذه الدار باسس المستنصرية بشكل كامل مما يدل على انها لبناء واحد.
 وبمرور الزمان آلت تكية المولوية الى الخراب حتى عهد والي بغداد الشهير داود باشا الذي تولى بغداد 1816 ــ 1831، فجدد عمارته بشكل شامل وسماه جلمع الاصفية، اذ كان داود باشا يلقب نفسه باصف الزمان (واصف اسم خادم النبي سليمان) وكان ايضا يدعى لدى الناس بجامع الجسر لقربه من جسر بغداد الوحيد يومذاك.
 كانت للجامع مئذنتان سامقتان واحدة على يمين مصلى الجامع والاخرى على يساره. وقد ارخ الشاعر صالح التميمي الذي ارخ بشعره الكثير من اعمال داود باشا، تاسيس المئذنتين، وخطت الابيات على لوحة من الكاشاني كانت فوق محراب ساحة المسجد:
جامع داود قد عمـــــــره        فغدت تحكيه فردوس الجنان
واستقامت بالتقى اركانه         بعد بعثرة طول الزمـــــان
جعلوا تاريخه الخيرات مذ      شيـــد فيه ارخو مئذنتـــان
1242
يقول المؤرخ البغدادي عبد الحميد عبادة في عقده اللامع :
وفي سنة 1332 هــ هبت ريح عاصفة شديدة على بغداد وقت العصر فاطارت القسم الاعلى من المنارتين الى حد الحوض ورمت بهما الى الارض، وكان الشاعر خيري الهنداوي قريبا فشاهد الحادث فقال مقطوعة ارخ فيها ذلك فقال :
ومن المعجبات والعجائب جمة      لامر عرى ومن الامور النادر
واذا رايت البرق سل حســامه        ارخ وقل راس المنارة طائر
وصادف في لحظة السقوط ان كان الشاعر عبد الرحمن البناء يمر بقرب الجامع فاصابت حجرة راسه فشجته، فقال فيه صديقه الشاعر عبد الرحمن الدندي مقطوعة طريفة ارخ فيها الحادث بحساب الجمل، واتذكر عبارة التاريخ : فرأس الشاعر البناء شجا. والدندي هو عبد الرحمن الهندي الملقب بالدندي، صحفي مصري كان يصدر بالقاهرة جريدة هزلية انتقادية باسم (عفريت الحمارة)، ويبدو انه انتقد مقامات مصرية عالية وتعرض للتهديد فسافر الى العراق وعقد صداقات مع الكتاب والادباء ببغداد ومنهم المرحوم عبد اللطيف ثنيان صاحب جريدة الرقيب البغدادية التي هاجمت هي الاخرى الوالي ناظم باشا واضطر صاحبها للهرب من العراق. اصدر الدندي كتابا طريفا جمع فيه عدد من شعره في بغداد سماه (الهدية المصرية للخطة العراقية) ساتناوله في كلمة اخرى.
وفي سنة 1922 نقضت احدى المئذنتين واكمل بناء الثانية بحوضين دلالة على انه كان هناك مئذنتان، لعلها اليوم هي المئذنة الوحيدة ببغداد لها حوضان. ومن غريب الاتفاق انك اذا حسبت عدد حروف كلمة (مئذنتان) بحساب التاريخ الشعري يكون مجموع ذلك تاريخ انشائها وهو سنة 1242 بالهجري.