صفقة الزيوت النباتية.. أسبابها وتداعياتها على مشهد البطاقة التموينية

صفقة الزيوت النباتية.. أسبابها وتداعياتها على مشهد البطاقة التموينية

تحقيق/ صابرين علي
من جديد يطل علينا مسلسل الفساد المالي والإداري كظاهرة لافتة للنظر في المشهد العراقي، وهذه المرة صفقة الفساد في الزيوت النباتية.(المدى الاقتصادي) استقصت أسباب هذه الصفقة وطبيعة الفساد المتحقق من خلالها وتداعياتها، وتأثيراتها على مشهد البطاقة التموينية عبر التحقيق التالي:

شركة الزيوت النباتية ووزارة التجارة:
قال المدير الإعلامي لشركة الزيوت النباتية إحدى تشكيلات وزارة الصناعة والمعادن أرشد الهميص: أن التجارة استوردت 30 ألف طن من الزيوت في عام 2008 ومدة صلاحيتها تنتهي إلى غاية نهاية 2010 ، حيث كان يفترض أن هذه  الكمية من الزيت لا توزع باعتبارها منتهية الصلاحية وهذا الموضوع الذي يثير التساؤلات لدى الجميع.
وأضاف الهميص أن الشركة العامة للزيوت النباتية بعيدة كل البعد عن هذا الموضوع حيث أن الشركة عانت كثيرا ولازالت، ًمن قلة الدعم الحكومي والذي يعد سببا في تراجع الصناعات المحلية وتعاني أيضاً من قلة التعاون معها في سد احتياجات البطاقة التموينية تحت أعذار عدم مطابقة المنتجات من الشركة للمواصفات المطلوبة.
وتابع الهيمص أن شركة الزيوت تعد من الشركات العريقة في العراق وهي أحق بالتعاون معها من باقي الشركات من قبل وزارة التجارة فهناك تعاقد مع شركات لم تطرح أي منتجات في السوق إلى حد الآن  وتم التعاقد معها  مؤخراً من قبل وزارة التجارة.
من جهته قال مدير عام شركة الزيوت النباتية محمد جبار حسين: أن من الطبيعي يكون هناك تلف للمنتجات التي يتم استيرادها وتأخيرها في الموانئ لمدة سنتين نتيجة للخلافات الموجودة بين الجهات المعنية عن هذه الصفقة.
وأضاف حسين : أن وزارة التجارة لم تقدم تعاون مع الشركة أو أي دعم لرفع القيمة الإنتاجية أو تحسينها من سنة 2003 والى حد الآن تعاني الشركة من قلة الدعم فمن الطبيعي ان يكون هناك تأخر في الشركة وتخلف في رفع وتحسين المنتج لديها، فالشركة الى حد الآن تعاني من ابسط الأمور كالتعبئة والتغليف بسب قلة الدعم الحكومي لها.
وتابع حسين: أن شركة الزيوت العامة تعاني من صراع وتخبط بين القطاع العام والقطاع الخاص حيث ان الحكومة أثقلت كاهل الشركة بالمفصولين السياسيين ومن هذه الجهة اعتبرت الشركة ضمن المؤسسات الحكومية بحيث أدخلتها بين القنوات الحكومية واحتضان المفصولين فيها في حين آخر نجد طريقة التعامل مع  الدعم وتشجيع المنتج المحلي تختلف بحيث تعامل الشركة مثلها مثل أي قطاع خاص أخر ، هذا الأمر الذي يثير الإرباك للشركة بحيث لا نتمكن من العمل كالقطاع خاص ممول ذاتياً معتمد على نفسه، وفي الوقت نفسه لا نجد الشركة منظمة إلى المؤسسات الحكومية وتقدم له الدعم لرفع إنتاجيته كأي منتج محلي في أمكانية الاعتماد عليه في سد احتياجات البطاقة التموينية أو السوق.
وبين حسين: أن الشركة اتهمت كثيراً في هذه الصفقة والتي على أثرها قامت الشركة بتوضيح موقفها من هذا الموضوع من خلال الندوات العلمية لتوضيح الرؤيا و لقد بينا من خلالها أن منتجات الزيوت التالفة أو النافذة الصلاحية  لدينا يمكن أعادة تصنيعها لأن من طبيعة هذه المواد لا تنمو عليها البكتريا أو العفن  الأمر الذي يمكننا من الاستفادة منها في صناعات أخرى.

النزاهة والنواب :
قال رئيس اللجنة الاقتصادية في مجلس النواب الدكتور أحمد العلواني: أن اللجنة الاقتصادية عازمة على كشف كل ملفات الفساد في وزارة التجارة وتوفير مواد غذائية مطابقة للمواصفات الجيدة، لأن موضوع الفساد تجاوز الزيوت إلى السكر والشاي وباقي المواد الغذائية الغير صالحة للاستعمال.
وأضاف العلواني: أن ملفات الفساد الموجودة تلفت الانتباه إلى دعم المنتج المحلي والصناعات المحلية القائمة بدلاً من الاعتماد على المنتجات المستوردة والتي لها تأثير سيء ومن شأنها زيادة الكلفة.
ومن جهته قال عدنان صالح المدير العام للمواد الغذائية في وزارة التجارة : أن هذا الموضوع يتعلق بملفات سابقة  من جهة، ومن جهة أخرى فأن شركة المواد الغذائية تقوم بتنفيذ التعاقدات والمناقصات المركزية من قبل لجنة التفاوض في وزارة التجارة بعد عرضها وتحليلها على وفق الشروط والمواصفات وتقوم الشركة للمواد الغذائية بتنفيذها.

الخبراء والمحللين الاقتصاديين:
قال الخبير الاقتصادي ستار البياتي : أن الفساد يأخذ مسارات باتجاهات أكثر وضوحاً من السابق في الوقت الذي ينبغي فيه تفعيل الجهات الرقابية وتنفيذ الإستراتيجية الوطنية على الفساد .
وأضاف البياتي: أن صفقات الزيوت الفاسدة أصبحت أكثر وضوحاً للعين والجانب السياسي يلعب دورا مهما في تفعيل الأجهزة الرقابية فمن الطبيعي أن هذا الموضوع يؤثر على سمعة الحكومة والكتل بشكل كامل ويشكك في مصداقيتها في تنفيذ الوعود ومنها تقديم الخدمات وتجهيز معدات البطاقة التموينية.
 وتابع البياتي: أن الفساد بهذه الصورة له تأثيرات كبيرة على الاقتصاد العراقي إذ أصبح يتجاوز ما متعارف عليه في مؤسسات الدولة مثل الرشوة والعملات البسيطة والمحسوبية وحتى الشهادات المزورة حيث أنه يؤدي إلى استنزاف موارد البلد الاقتصادية ويسبب خلل في الموازنة العامة  وخسائر كبيرة جراء الكلفة التي يتحملها الاقتصاد، فالدخل بدل من أن يعاد توزيعه إلى ذوات الدخل المحدود نجد أنه يعاد توزيعه إلى الفئات الطفيلية العابثة في الاقتصاد.
ومن جهته قال التدريسي في جامعة البصرة  الدكتور نبيل جعفر عبد الرضا: إن صفقات الفساد في العراق لا تقتصر على الزيوت النباتية فقط بل تتجاوز إلى جميع أجهزة الدولة بما فيها دوائر ومؤسسات عامة والمقاولات العامة والقطاعات النفطية والخدمية والإحالات والعقود.
وأضاف جعفر : أن الفساد في الدولة العراقية متأصل من الجذور منذ القدم وبلغ ذروته بعد عام 2003 وسبب الفساد الأول هو الفساد السياسي وبدوره أدى الى الفساد الاقتصادي، والضعف الموجود في سلطات القانون والدعم له من قبل السلطات العليا والتي تعمل كغطاء له.
وتابع جعفر: أن الفساد بشتى أنواعه يؤدي إلى إعاقة في الجهاز الوظيفي ،ويعمل على خلق طبقة من الفاسدين في المجتمع ويسيء إلى الأداء الوظيفي للعاملين وهذا بدوره يؤدي بالنتيجة للتأثير بشكل مباشر على الدخل القومي والدخل الفردي للأسرة لأن المواطن يضطر إلى دفع الأموال للقيام بأبسط المعاملات التي تسير مجريات الحياة له.
وقال جعفر أنه من الصعب حتى الحديث على مشاريع التنمية والاستثمار الاقتصادي في العراق تحت ظل شبكات الفساد المنتشرة في جميع المؤسسات  ومن لبديهي أيجاد الحلول وللفساد أولاً ثم التوسع في المجالات الأخرى.
من جانبه قال الخبير الاقتصادي علي الفكيكي إن المبالغ الحالية التي ترصدها الدولة بمليارات الدولارات ينبغي الاستفادة نها وتخصيصها على الاقل لـ 50% من المواطنين ، أي ما يعادل نصف الشعب العراقي من الطبقة الأكثر فقراً منهم، وبذلك تحقق الدولة هدفين أولهما تحقيق التوافق الاجتماعي والاقتصادي بين فئات المجتمع والثاني هو أن الدولة يمكنها أن تتفادى الانشغال بقضية الاستيراد والتوزيع التي تقع على عاتقها الان ، وذلك بإعطاء هذه المبالغ النقدية للمواطنين بالاستعاضة عن مواد البطاقة العينية وتحويلها على شكل ما يسمى كابونات شراء وبذلك تتخلص الدولة من كل مخازن المواد الاولية التابعة لوزارة التجارة في بغداد والمحافظات والكوادر البشرية والجوانب الادارية والمالية المرتبطة بهذهالمخازن وتحويل مواقعها ومساحاتها الواسعة الى بقية القطاعات كقطاع الاسكان والمدارس والمؤسسات الاخرى والاستفادة منها في مجالات اخرى تنعكس ايجابياً على المشهد الاقتصادي .
واضاف الفكيكي : ومن خلال هذا الاجراء سوف تتفادى الدولة عمليات الفساد المالي والاداري المتمثل باستيراد المواد التالفة والفاسدة والرشاوى والمحسوبيات والتواطؤ واستيراد نوعيات رديئة .
وتابع الفكيكي : ان التحول من النظام الحالي والياته باستيراد وتوزيع المواد وامكانية تحويلها الى مدخولات نقدية يعمل على تخلص البلاد من مشاكل الفساد حيث انها تتوزع على جميع الفئات المقتدرة وغير المقتدرة ، في حين لو حولنا هذه المواد الى مدخولات عينية سوف تتوزع على الفئات القليلة الدخل .
من جانبها قالت الخبيرة الاقتصادية عامرة البلداوي : ان البطاقة التموينية أصبحت في الآونة الاخيرة مركزاً لتوليد الفساد ، فقضية الزيوت الفاسدة لاتعتبر الاولى ولاهي الأخيرة في مسلسل الفساد الذي يضرب أطناب البطاقة التموينية ، حيث انها تؤثر على موازنة الدولة لان المبالغ التي تنفق عليها كبيرة مما يعادل 15% من الموازنة الاقتصادية يضاف اليها الفساد ، الامر الذي يضاعف من الاموال التي تنفق عليها وبالنتيجة حتى المواطن لايتمكن من الاستفادة منها بسبب رداءتها .
وأضافت البلداوي : حاولنا أن نغير من مشهد البطاقة التموينية التي تسبب التشوه في الاقتصاد ومنح أرقام بدون فوائد في حين يمكن الاستفادة منها في مشاريع أخرى.
وطالبت البلداوي بضرورة اجراء حلول ناجعة وسريعة ولها آثار ملموسة بحيث يمكن من خلالها من عمليات الفساد التي تعيد بالاقتصاد العراقي الى الوراء من خلال الاتكالية على الدولة وضعف العجلة الانتاجية ما يؤدي بالدولة ذاتها الى الرجوع الى عمليات الاستيراد والتي ترتفع فيها كلف الانتاج والتي تسبب عملية الفساد المالي والاداري فيها .