الهوية مابين الواقع والمتخيل في رواية  محمود قنديل (وأد الأحلام)

الهوية مابين الواقع والمتخيل في رواية محمود قنديل (وأد الأحلام)

حيدر جمعة العابدي
رواية وأد الأحلام للروائي محمود قنديل الصادرة عن دار غراب للنشر والتوزيع مصر /القاهرة لسنة 2016.
تتحدث الرواية بصفحاتها (المائة وسبع عشرة) عن غياب (حورية) الفتاة التي تبحث في قلب التاريخ عن أسئلة ظلت الإجابة عنها مؤجلة دائما، لذا ظلت تداهم واقعها القلق المسكون بالغموض والعنف والطلاسم والتعاويذ، وهو ما انعكس وبشكل مباشر على حياة حورية بطلة الرواية  ذات الشخصية المركبة، فهي بسيطة،

 اجتماعيا معلمة، أخت مطيعة عاطفية جدا - وعميقة تاريخيا وفلسفيًّا تتكلم أكثر من لغة تحاول إعادة تشكيل الواقع من خلال تمثلها للتاريخ وأحداثه،تمتلك رؤية مستقبلية عبر لحظات حلمية ذات أبعاد واقعية و رمزية (منذ أيام وأنا أرى في منامي أحلاما تؤرقني)ص18   .
يفتتح المؤلف الرواية بإهداء يعبر عن مضمون متنه السردي (إلى الغرباء والمغتربين في مغربهم) وهو بمثابة إعلان صريح من المؤلف عن إطاره السردي (قصدية الكاتب) وهو الهدف الذي تسعى لنسجه جميع مفاصل الرواية منذ خط شروعها الأول في البحث عن الذات /الهوية الضائعة (حورية) بفعل التحولات والانكسارات التاريخية والاجتماعية، لكن هذا البحث يأخذ أساليب وطرقا فنية وفكرية متعددة ومختلفة وهو ما يحسب لثقافة الكاتب ومهارته المميزة، نجد ذلك في تمثلات هذا الهوية داخل المتن السردي،حيث تأخذ أشكالا متنوعة، فتنتظم بإطار مفهومي الأنا الفردية من خلال (ناجي) صديق حورية الذي يعشقها لدرجة لا يطيق الوجود من دونها ويترك كل شيء من أجل العثور عليها (حورية مستقبلي)، ومرة تنتظم بإطار النحن الجمعي (إن حورية اسم يتردد على ألسنتنا وهي تسكن قلوبنا)ص24، وتنتظم فنيا من خلال المتخيل(الأحلام)التي تكشف عن قوة وعظمة مصر الماضي الزاهر بالانتصارات والمعارف(لقد رأيته وهو يقود عربته الحربية وكان يحمل قوسا وسهما ويتخطى طرقا وعرة،خلفه الجنود يمتطون الخيول،ويركبون العربات)ص،45 كما جعل
الزمكان في الرواية مرتبط هو الآخر وبشكل وثيق بثيمة الرواية المتمثلة في اغتراب وغياب للذات/ الهوية، لذا جاء منسجما مع باقي الأحداث  التي تنتظم حول بؤرة مركزية وهو اختفاء حورية المرتبط بالمضمرات الجعمية لللاوعي الاجتماعي  (الهوية) الحلم الغائب بسبب تشظي الراهن الزمكاني مصر المتعبة من هول الصراعات الداخلية والخارجية، لذا يبدأ السارد الضمني الرواية بفعل اختفاء حورية الغامض بالنسبة للجميع وهو اختفاء رمزي للزمكان/ الهوية الماضي الجميل أكثر منه  اختفاء واقعي للزمكان / الراهن الحاضر المنهك (مقابر البلد فتحت وسرق منها الجثث والعظام وحتى الترميم)ص67، وعليه كان الزمكان في الرواية يسير باتجاهين مختلفين ؛ الأول واقعي باتجاه سير الأحداث من لحظة غياب حورية وما رافقها من أحداث واقعية (خروج أخي حورية من السجن وعودة أخيهاالأكبر من الخارج، انفصال نيفين عن خطيبها...إلى لحظة خروج ناجي عن عزلته للشارع وهو يصرخ بجنون أريد حورية)،أما الاتجاه الآخر متخيل  يعتمد المزاوجة ما بين الحلم والواقع، أي خط سير لولبي بطريقة الذهاب والعودة حاضر /ماضي(ذكريات ناجي مع حورية) وهو ما يعطي حرية نسبية للمؤلف في بناء أحداثه.
الشخصيات في الرواية توزعت مابين أبطال مركزيين وهم ناجي وحورية، وشخصيات ثانوية غير مؤثرة فتحي،نجوى،أحلام، نفين، استاذ صالح، لكن  لم يُخِلْ ذلك بالتعددية الصوتية داخل المتن.
الفعل السردي مرتبط بالسارد المشارك أكثر من ارتباطه بباقي مفاصل وأحداث الرواية، مثل (قالت، كنا، ذهبنا)...هو ما يعلل قلة الأحداث في  الرواية، كما أن خط سير هذه الأحداث  يأخذ شكلا خطيا(اختفاء، بحث، لا نتائج) لذا كانت النهاية  جنون ناجي الذي يحيل دلاليا إلى استحالة استرداد تلك الهواية.
استخدم السارد لغة مباشرة في سرد أحداثه  ليكون أكثر قربا للواقع المعيش المرتبط  هو الآخر بقصدية التواصل مع المتلقي العام الذي يتفاعل بشكل أكثر ايجابية مع اللغة القريبة من الواقع، معمارية البناء ترتكز على ثنائيات عديدة أبرزها ثنائية واقعي  / رمزي، حاضر / ماضي، الحلم / حقيقة وهو ما انعكس بالإيجاب على مجمل الرواية وعلى فضائها السردي وفِّق الكاتب في توظيف تقنيات مختلفة  مثل التقطيع الصوري،والمنولوجات الداخلية والخارجية كما اعتمد تقنية التناصات والميتا سرد بشكل لا يخل أو يؤثر على انسجام المتن، مما أسهم في جعل  المتخيل  السردي ينفتح على العديد من الدلالات التاريخية والفكرية والثقافية (في طفولتنا حلمنا بالمدرسة فدخلناها، وتمنينا أن نكبر فصرنا شبابا،وتطلعنا إلى الجامعة فالتحقنا بها، وتمنينا الوظيفة فنلناها، وهاهي أعمارنا تهرول كهرولة هاجر بين الصفا والمروة، فهل سينفجر من وقع سعينا على الأرض ينبوع حياة كريمة؟)  ص100.
الرواية تطرح العديد من التساؤلات القديمة الجديدة أمام المتلقي حول ما حدث وما سيحدث من تشظي وتمزق واستلاب بفعل الهويات المصنعة على حساب الهوية الأصل(الوطنية) على الرغم من استمرار الأمل باستعادتها في لحظة ما كما فشل الهكسوس في الماضي (لا ندري كيف أتانا اليقين بأن حورية سوف تعود)ص117.