قصة حب بين الشيخ كاظم الدجيلي والآنسة مي زيادة

قصة حب بين الشيخ كاظم الدجيلي والآنسة مي زيادة

 محمد علي محيي الدين
الكاتبة القديرة مي زيادة من مشاهير النساء في القرن الماضي لما توفرت عليه من أدب رفيع وجاذبية جعلتها مثار إعجاب رجال الفكر والثقافة، وانشغلوا بها كظاهرة فريدة لا مثيل لها في ذلك العصر، ومن كتب عنها لم ينس إنها امرأة، فكان طريقهم لدراستها، جنسها لا فكرها،”وكانت مي رغم سعة اطلاعها وعظيم استنارتها، أبعد النساء عن الاسترجال وأشدهن استمساكاً بالخصائص النسوية...

بقامتها الربعة ووجهها المستدير، وهي زجّاء الحاجبين، دعجاء العينين، يتألق الذكاء في بريقهما، وشعرها الطويل يجلل جبينها."ويرى سلامة موسى أنها لم تكن جميلة ولكنها حلوة"

ويصف فتحي رضوان لقاءه الأول بمي عندما ذهب لزيارتها في بيتها فيقول: لها عينان ضيقتان تبدوان للنظار كأن بهما أثر من رق قديم، فليس فيهما شيء من الجمال، أما مي نفسها فممتلئة غير مترهلة، وأظنها أقرب إلى القصر منها إلى الطول، وصوتها تشوبه رنة حزن لا أدري إذا كانت طبيعية أم مصطنعة، وهي تقطع عباراتها، وكأنها تلحنها وتوقعها كأغنية.
ولم يعرف التاريخ العربي الحديث امرأة فتنت قلوب الأدباء كما فعلت مي زيادة، بصالونها الأدبي الأشهر في بداية القرن الماضي.”... ولعل معظم الرجال الذين التقوا بها سواء مباشرة أم عن طريق القلم والأوراق.. أحبوها! واختلفت ملامح تلك العواطف وطرق التعبير عنها باختلاف شخصية كل منهم.. ودرجة اقترابه من فهم شخصية مي وتركيبتها الفكرية والإنسانية".
ومي لم تر”جبران خليل جبران”في حياتها ولا مرة، كان مجرد خيال وحبيب تتواصل معه عبر رسائل كونت كتاباً ضخماً. أحب كل منهما الآخر بعمق، وكان حبهما يمتزج بالشوق واللهفة والحنين.. ومع ذلك لم تسنح لهما الفرصة أن يلتقيا أبدا. وجبران الذي نظر للمرأة بفكره المعجب بمي جعله يقول لمي في رسالة:"أن السيادة في هذا العالم يجب أن تكون للمرأة لا للرجل"
وأحبها العقاد ولمح لحبه في روايته سارة وأعطى مي اسماً مستعاراً هو هند، وبرغم إعجابه بأدبها فقد كان كغيره من الذين عبروا عن إعجاب ملتبس بشخصها قبل إبداعها، يقول:"صيرت الدنيا كلها غرفة استقبال لا يصادف فيها الحسن ما يصدمه ويزعجه، أو هي صورتها متحفاً جميلاً منضدا لا تخلو زاوية من زواياه من لباقة الفن وجودة الصنعة". وكتابتها”لا تجد فيها ما يغضبك ليكون لك رأيك في أسلوب الكتابة، أو نمط التفكير أو صيغة التعبير، فما من كاتب إلا وللناس في أسلوبه وتفكيره وصيغ تعبيره آراء لا تتفق، أما الإنسان في مي ذلك الكائن الشاعر الكامن وراء الكاتب منها والمفكر والمعبر فلا يسع الآراء المتفرقة إلا أن تتفق فيه وتصافحه مصافحة السلام والكرامة”.
وأحبها ولي الدين يكن كعاشق متيم لكن من غير تجارب أو صد منها حتى دفعه الحب و الشعور بالاضطهاد العاطفي إلى الكتابة على خلفية صورة فوتوغرافية:
كل شيء يا مي عندك غال غير أني وحدي لديك رخيص
وطه حسين أعجب بها أو تحركت عواطفه نحوها وأحبها حب بشار عندما أحبت أذنه العاشقة قبل عينه،فصوتها”نحيلا وضئيلا إنما عذب ورائع”ونظرها بعين الشاعر احمد شوقي:
رأيت تنافس الحسنين فيها كأنهما لمية عاشقان
أم إن شبابها راث لشيبي وما أوهى زماني من كياني
ويراها مطران بعين الشاعر التي يصبيها الجمال وتسحرها الفتنة:
ففي سفح لبنان حورية تفنن مبدعها ما يشاء
تبينتها وهي لي صورة أعيدت إلى الخلق بعد العفاء
وندوتها تعقد في منزلها كل يوم ثلاثاء،ويحضرها عدد كبير من الأدباء ورجال الفكر والسياسة، وقد عشقها الشاعر المصري إسماعيل صبري، فأنشدها يوما قائلا :
روحي على دور بعض الحي حائمة كظامئ الطير تواقا إلى ماء
إن لم أمتع بميّ ناظري غدا أنكرتُ صبحك يا يوم الثلاثاء
وأعجب أو هام أو تولع بها، احمد لطفي وزكي مبارك وشبلي الملاط ويعقوب صروف وانطون الجميل وأمين الريحاني وشبلي شميل ومصطفى الرافعي واحمد لطفي السيد ومصطفى عبد الرزاق وغيرهم
وكان صالونها الأدبي مهوى أفئدة رجال الفكر وأساتذة الجيل وشعرائه،ودام لأكثر من اثني عشر عاما،وكان في طليعة المجالس القاهرية،ويختلف إلى ندوتها كل يوم ثلاثاء بشكل خاص كل من أحمد زكي أبو شادي، وولي الدين يكن، وطه حسين، وأنطوان الجميل، وداود بركات، و العقاد، ,و شوقي، وإسماعيل صبري ويعقوب صروف، وأحمد لطفي السيد، ومحمد حسين المرصفي وخليل مطران ومنصور فهمي، وشبلي شميل، وحافظ إبراهيم وسلامة موسى ورشيد رضا و الرافعي،و المازني وغيرهم. وبين العبقرية والجنون خيط واه،والتاريخ يذكر لنا الكثير من العباقرة والنابهين الذين أصابتهم لوثة من جنون،وداهمتهم خيالات دفعت بتفكيرهم لأمور تخالف مواضعات العصر،فالأديبة”مي زيادة”تعرضت لصدمات قاسية ومريرة، دفعت بها إلى مستشفى الأمراض العقلية بلبنان، تقول مي زيادة في رسالة لقريب لها:”إني أتعذب ولا أدري ما السبب، فأنا أكثر من مريضة، وينبغي خلق تعبير جديد لتفسير ما أحسه، إني لم أتألم في حياتي كما أتألم الآن، ولم أقرأ من الكتب أن في طاقة إنسان أن يتحمل ما أتحمل، وددت لو علمت السبب على الأقل..".
ولحسها المرهف أصيبت أواخر أيامها بمرض نفسي وقيل في سبب ذلك أنه نتيجة موت والدها ووالدتها وجبران خليل جبران، فيما ذكر أنها توجهت إلى ايطاليا واختلت بالبابا، وتحدثت معه عن الإمبراطورية الرومانية التي كانوا يسعون لعودتها فقالت: كيف تعيدونها وهي التي كانت وراء صلب المسيح؟ فنبهها أحد أقربائها إلى خطورة بقائها فاضطرت لترك روما والعودة إلى بلادها. وهناك أخذت تراودها خيالات مزعجة ففقدت الثقة بخدمها وسائقها واضطرت لصرفهم وكانت تشكك بما يقدم لها من طعام خشية تسميمها مما دفع بأهلها لإرسالها إلى مستشفى الأمراض العقلية، وكان لسعي أصحابها أثره في اخراجها لتموت وهي في ذروة مجدها عام 1941.
ومي لها مع العراقيين لقاءات ومراسلات، فقد التقت بالكثير من الأدباء الذين زاروا القاهرة وقصدوا صالونها الذي كانت تقام فيه حفلات التوديع والاستقبال للأعلام الوافدين إلى مصر، ومنهم علامة العراق الأب أنستاس الكرملي الذي استطاب جمالها ونعومة صوتها وما اتسمت به من رقة، والشاعر الكبير الزهاوي، وكان لها مع الأديب الشاعر الشيخ كاظم الدجيلي قصة حب تغافل عنها من كتب عن مي من كتاب مصر،ولم أجد في رسائلها الكثيرة التي نشرت ما يشير إلى وجود رسائل لعراقي وخصوصا الدجيلي الذي استمر بعلاقة حميمة معها لعقد من السنين، وكان طريق التعارف عندما كتبت مي مقالا في مجلة المقتطف سنة 1922 حول الشعر القصصي عند العرب،نافية وجود هذا اللون لديهم،فكان للدجيلي رده المنشور في المجلة ذاتها،وأثيرت بين الاثنين معركة كانت حديث الأوساط الأدبية حينها،ولأن الشاعر بطبيعته يأسره الجمال وتسبيه الفتنة فقد حاول ترضيتها فكتب إليها قصيدة كانت آية في التصوير والقدرة على مناغمة العواطف:
قلبي بكل هواي لأسمك ذاكر هل أنت شاعرة فأني شاعر
يرتاح للذكرى ويطرب كلما وافاه طيف من خيالك زائر
يا من تحدثت الرجال بفضلها وبها النساء النابغات تفاخر
لك في سويداء الفؤاد وفكرتي وبمقلتي وفمي مكان عامر
أني امرؤ بالنابغات متيم والى النوابغ شوقه متواتر
لم يبق منه الشوق إلا صورة يأسى لها فيما يراه الناظر
واها لذي أدب يعيش وحظه قطع بلا وصل وجد عاثر
ساءت معيشته فكل حياته نفس معذبة وطرف ساهر
في كل قلب يا أميمة نبعة للحب زاهرة وغصن ناضر
والحب منتجع الحياة وكل ما أحيا النفوس فذاك حب طاهر
والحب فلسفة تعذر وصفها وعن الحقيقة كل فهم قاصر
أني لأحوي في الفؤاد محبة لم تحوها للعاشقين سرائر
وبدأت بينهم المراسلات حامية حاملة في طياتها ما يبعث الشوق ويثير الهوى،فكاتبت الكرملي شاكية الشيخ الدجيلي، وتوثقت بينهما عرى العلاقة فأرسلت إليه مؤلفاتها وكتبت في إهدائها:إلى أعدل الظالمين من الشعراء.
وعندما شد الرحال إلى لندن لتدريس العربية في جامعاتها، عرج في طريقه إلى القاهرة سنة 1924، وهناك التقى بكبار مفكريها وأدبائها وشعرائها، ولم تسنح له الفرصة بملاقاتها فغادر إلى لندن، وأثير من جديد النقاش حول موضوع الأدب القصصي فكان له ردوده فكتبت مي بأسلوبها الرقيق الذي جعلها مهوى أفئدة الشعراء والأدباء تقول:”لقد عاد الشيخ كاظم الدجيلي في شباط 1924 إلى موضوع الشعر العربي الحماسي ناقشني وصمت خمسة أعوام درس خلالها الحقوق ونفحني بقصيدة نشرها في الهلال: ودعاني ببعض الأسماء الحلوة التي يبتكرها الشعراء يوم يوطدون النفس على معالجة العناد عند أمرىء بوجه من الوجوه على أن يسترضوه بالأوزان والأسجاع ليخاصموه بالنثر المرسل”وفي نهاية المقال قالت:"قيل لي يا سيدي الأستاذ: انك رحلت أخيرا إلى انجلترا لتدريس اللغة العربية في جامعة لندن،وسواء كنت الآن في انجلترا أم العراق فهات يدك أصافحها".
وفي عام 1930 عمل الدجيلي في قنصلية العراق في القاهرة، وأقيمت له حفلات الاستقبال من أدباء مصر ورجالاتها، وامتزج بأعلامها من خلال المهرجانات والدعوات والحفلات الرسمية التي يحضرها سفراء الدول وكبار رجال العلم والأدب وساسة البلد،وفي أحدى الدعوات التي أقامتها أحدى السفارات جاءه الأستاذ أمين المعلوف واصطحبه إلى سيدة جميلة التقاطيع مشرقة الوجه تنبئ عيونها الناعسة عن ما تخفي من ذكاء وقد أحاط بها جماعة من أهل الفضل والأدب، وسأله أتعرف الآنسة فرد الدجيلي سلبا، والتفت إليها متسائلا عن معرفتها بالأستاذ فلم يكن حالها بأحسن منه، فقال لها المعلوف كيف لا تعرفينه وهو صاحبك ومناظرك في قضية الشعر القصصي، فابتسمت له قائلة:أأنت ذلك البغدادي الذي ناظرني وقارعني وترضاني بالشعر منذ سنين"؟ وتوطدت العلاقة بينهما فكان يزورها في بيتها لحضور ندوتها الأدبية أو في الأيام الاعتيادية فكانت تلقاه بالاهتمام واللطف المعروف عنها، فأعجبه ما رأى من دماثة الخلق ورقة الحاشية وعذوبة الصوت ورهافة الحس وما تكتنز من أدب ومعارف جعلتها في المقدمة من فضليات نساء جيلها ومحط أنظار أدباء العربية ورجالها، فكانت محل أعجاب من عرفها أو التقى بها،وكان بيتها مثابة لطبقة من رجال العلم والأدب،وصالونها من أرقى ما عرفت القاهرة من منتديات، ومكث في القاهرة أكثر من سنة كان مثار اهتمام أدبائها حتى ارتحل إلى لندن ليعمل في ممثلية العراق هناك ومكث فيها سنوات طويلة.
وفي عام 1932 سافرت مي للعلاج والاستجمام في انجلترا بعد الأزمة النفسية التي واجهتها وكادت تودي بها للجنون على أثر وفاة والدتها، وما إن وصلت الى لندن حتى ذهبت للقائه في مكان عمله فاستقبلها كما تستقبل الأرض العطشانة وابل المطر، فطلبت منه اصطحابها إلى احد المسارح لتزجيه الوقت والتنفيس عما يواجهها من سأم، فاتفقا على الذهاب إلى احد المسارح تلك الليلة ثم عرج بها إلى احد المطاعم وظل لصيقا بها قريبا منها حتى عودتها إلى القاهرة، فكتبت له من هناك شاكرة حسن الاستقبال وجميل الصحبة مختتمة رسالتها”عسى الله أن يوحي لشاعرنا بألف قصيدة وقصيدة"فكتب لها الدجيلي قصيدة رائعة جاء فيها:
سلام على مي سلام على مصر سلام على صحبي بها أبد الدهر
وأني وتهيامي بمية عاجزعن النظم حتى في محاسنها الغر
تطالبني بالشعر مي وتبتغي لشاعرها وحياً من الله بالشعر
ولم تدر أني في حياة بعيدة من الشعر إذ أني تقدمت في عمري
ومارست أعمال السياسة سالكا مسالكها القصوى إلى حيث لا ادري
وكان ذلك آخر المطاف فقد انتهت الآنسة مي تلك النهاية المعلومة بعد معاناة شديدة في أخريات أيامها كما أشرنا في البداية.