الانسة مي والشيخ كاظم الدجيلي

الانسة مي والشيخ كاظم الدجيلي

 جعفر الخليلي
أديب راحل
ومن ضمن مامرّت علي وانا اصغي الى قصائد الشيخ كاظم الدجيلي مقطوعته في ميّ زيادة، ولقد شرحها لي في وقته وقص علي قصتها، وتطرق اليها ذات مرة مير بصري في مقال كتبه بجريدة الايام البغدادية لصاحبها عبدالقادر البراك في عرض حديثه عن الانسة مي وغرامها المزعوم.

واصل الحكاية هو ان مي زيادة قد كتبت في مجلة المقتطف مقالا سنة 1919 نفت فيه معرفة العرب بالشعر القصصي الحماسي، فرد عليها كاظم الدجيلي من بغداد، وردت عليه هي فكان من المناسب ان يترضاها فارسل لها يقول:
قلبي بكل هواي لاسمك ذاكر
هل انت شاعرة؟ فاني شاعر
يرتاح للذكرى ويطرب كلما
وافاه طيف من خيالك زائر
يا من تحدثت الرجال بفضلها
وبها النساء النابغات تفاخر
لك في سويداء الفؤاد وفكرتي
وبمقلتي وفمي محل عامر
اني امرؤ بالنابغات متيم
والى النوابع شوقه متكاثر
الحب اضناه وبرح قلبه
وامض آلاما محب صابر
لم يبقَ منه الشوق الا صورة
يأسى لها لما يراها الناظر
واها لذي ادب يعيش وحظه
قطع بلا وصل وجد عاثر
ساءت معيشته فكل حياته
نفس معذبة وطرف ساهر
ما عنده الا عدو كاشح
او صاحب ميخفي العداوة غادر
دئبان في اضراره او ثلبه
هذا يروحه وذاك يباكر
ما سره منهم عدو غائب
الا واحزنه صديق حاضر
لهم يدر ايهما اشد نكاية
وكلاهما في الشر كلب عاقر
في كل قلب يا اميمة نبعة
للحب زاهرة وغصن ناضر
والحب منتجع الحياة وكل ما
احيا النفوس فذاك حب طاهر
والحب سلطان تملك اهله
خضعت سلاطين له وجبابر
والحب فلسفة تعذر وصفها
وعن الحقيقة كل فهم قاصر
والحب معنى الله اهو ذاته
(طمحت اليه خواطر ونواظر)
اني لاحوي في الفؤاد محبة
لم تحوها للعاشقين ضمائر
ليتيمة الشرق المضيع حقه
دول له تقضي وفيه تناظر
في عدلها جور، وان حكمت له،
ومن الغريب يقال: عدل جائر!

وشكته مي الى الاب انستاس الكرملي فكتب اليها الدجيلي رسالة مطولة سنة 1922.
وارسلت مي الى الدجيلي بعد ذلك ببعض كتبها على سبيل الهدية وخطت كلمة الاهداء كما يلي:
الى اعدل الظالمين من الشعراء.
واختير الشيخ كاظم الدجيلي استاذا للعربية بجامعة لندن فمر في طريقه بالقاهرة في اول سنة 1924 ومكث فيها اياما، والتقى هناك بعدد كبير من الادباء ولكنه لم يقابل مي زيادة، وقد غادر القاهرة دون ان تتسنى له فرصة مقابلتها وعاد في هذه السنة 1924 الى اثارة الموضوع من جديد حول موضوع الشعر القصصي الذي بدأ مناقشته مع مي سنة 1919 فكتبت مي تقول.
لقد عاد الشيخ كاظم الدجيلي في فبراير 1924 الى موضوع الشعر القصصي الحماسي،، ناقشني وصمت خمسة اعوام درس خلالها الحقوق.. وكان تخرجه من كلية الحقوق سنة 1922 على ما اظن- ونفحني بقصيدة نشرها في (الهلال) ودعاني فيها ببعض الاسماء الحلوة التي يبتكرها الشعراء يوم يوطدون النفس على معالجة (العناد) عند امرئ بوجه من الوجوه، وعلى ان يسترضوه بالاوزان والاسجاع ليخاصمون بالنثر المرسل..
وختمت ردها تقول:
قيل لي، ياسيدي الاستاذ: انك رحلت اخيرا الى انجلترا لتدرس اللغة العربية في جامعة لندن، وسواء كنت الان في انجلترا ام في العراق فهات يدك اصافحها.
الى هنا والدجيلي لم يتعرف بعد الى مي عن كثب ولم يكتب له ان يراها بالرغم من تشوقه الظاهري في شعره وفي رسائله التي لم يحتفظ الدجيلي باصلها ولا يعلم شيء عن مصيرها ومصير المئات من رسائل الادباء اليها وقد علمت منه ان عدد هذه الراءشل التي كتبها الدجيلي الى مي لم يكن قليلا.
وفي سنة 1930 تم نقل الدجيلي الى القنصلية العراقية في القاهرة، وقد لقيت – يقول الدجيلي- الشيء الكثير من احتفاف الادباء بي ورعايتهم لي حتى كدت اصبح واحدا منهم لكثرة ما ارتدت من بيوتهم ومجالسهم، وفي ذات ليلة ونحن في دعوة (استقبال) لاحدى السفارات والبهو غاص بمختلف الطبقات من الدبلوماسيين ورجال العلم والادب ووجهاء البلد والوزراء اخذ بيدي الدكتور امين معلوف وكان على علم بما كان بيني وبين مي زيادة وعدم رؤية احدنا الاخر وقدمني الى سيدة حلوة التقاطيع بشوشة الوجه في عينيها الكثير من بريق الذكاء وفي صورتها الكثير من الجاذبية وقال لي:
-اتعرف الآنسة؟.
-قلت كلا.
والتفت الدكتور امين بعد ذلك اليها وقال:
-وانت ياسيدتي أسبقَ لك ان عرفتِ هذا الرجل؟
-قالت – كلا
فقال لها- كيف لا تعرفينه وهو صديقك وفي عين الوقت خصمك في حكاية الشعر القصصي عند العرب، انه الشيخ كاظم الدجيلي.
فقالت وهي تبتسم: اذن انت ذلك البغدادي الذي ناظرني وقارعني الحجة وترضاني منذ سنين.
يقول الدجيلي: لقد لقيت من ترحيبها اكثر مما كنت اتوقع وقد دعتني لزيارتها وقالت ان بيتها مفتوح امام امثاله، (وكان عمر الدجيلي يومذاك 46 سنة وكانت مي تصغره بسنين)..
وقال الدجيلي: واكدت صداقتنا الزيارات المتواصلة التي كنت اقوم بها في مساء كل خميس لبيتها وبحضور والدتها، ولقد احببت من مي تبسطها وابتعادها عن اي تكلف اعتادت الانسات والسيدات الالتزام به ليعرف الناس عن طريقه شخصية الانسة او السيدة، اما مي زيادة فان شخصيتها يفرضها الواقع والادب، واستطيع ان اقول – يقول الدجيلي- انها كانت من القلائل الذين يميزون بين النقد والقذع فهي ناقدة بارعة دون ان يخدش نقدها احدا، وهي مجاملة للحد الذي تفرضه الانسانية وتدعو اليه الاخلاق دون ان يشوب شيء من المداهنة.
وقضى الدجيلي نحو سنة في القاهرة ثم انتقل بعد ذلك الى لندن في سنة 1931 ليعمل في الممثلية العراقية، وقد عمل فيها مدة طويلة.
ويقول الدجيلي: وذات يوم دخل عليّ – وانا في الممثلية العراقية بلندن- احد الموظفين يستأذن لسيدة انكليزية طلبت مواجهتي، لطبت منه ان يدخلها علي، وما ان كادت تدخل حتى قمت في وجهها مرحبا لانها لم تكن سيدة انكليزية وانما كانت مي زيادة، وكانت مفاجأة مدهشة ان اجدها في لندن والاكثر دهشة ان اعرف انها قد قدمت في نفس هذا اليوم وما كادت تضع حقيبتها في النزل الذي اقامت به حتى خرجت تطلبني من مكتبي!!.
وبعد ان شغلنا وقتا طويلا بالحديث قالت لي: اعذرني اذا قلت لك اني سائمة ومتعبة وكل رجائي منك ان تأخذني في هذه الليلة الى مسرح ينفس كربي او اذا شئت فالى ناد فيه شيء من الهوايات التي تبعث في النفس المتعة، فقلت لها سمعا وطاعة، ولم تدر اني وانا الخبير بكل شيء في لندن لطول اقامتي فيها لم اعرف للان طريق المسرح او الاندية المسلية، لان اغلب وقت فراغي كنت اقضيه مع عدد من اساتذة الجامعات والمستشرقين او في زيارة بعض الشعراء والوزراء المفوضين، او القيام ببعض الجولات في اطراف لندن وضواحيها.
وخرجنا من الممثلية الى مطعم رائق كنت اعرفه وتناولنا غداءنا فيه واستعدنا في احادينا ذكريات مصر وشخصياتها وما جدّ في عالم الادب بعد خروجي من مصر مما لم اطلع عليه فقد كنت اعرف ان الانسة ميّ من اكثر المحيطين علما بالثقافة الحديثة ومن اكثر الواقفين على ماكان يجد في العالم العربي من احداث ذات صلة بالعلم والادب فضلا عن اتصالها الوثيق بالعالم الخارجي عن طريق الصحف الاجنبية التي كانت تصل اليها من كثير من الاقطار وكثرا ماكان الادباء يحصلون عليها منها.
وانطلقت بها بعد الغداء الى نزلها وضربت لها موعدا معينا من مساء ذلك اليوم لامر عليها واصحبها الى بعض المسارح..
وكنت كلما اقتضتي حاجة في لندن الجأ بها الى شرطة المرور، وكثيرا ما حلت لي شرطة المرور مشكلات، وازالت من نفسي الحيرة وهدتني الى ما يجب ان آخذ به من الامور، لذلك رأيت ان ارجع الى احد هؤلاء فاستعين به في معرفة المسرح الذي يجب ان اقصده في هذه الليلة وموقعه في لندن، وهكذا فعلت، وكم سرني حين وجدت هذا الشرطي يعدد لي بعض المسارح ويسمي لي مايعرف من اسماء الروايات، ويهديني الى المسرح الذي يلائمني حين علم قصدي، وقد خففت في الوقت المعين وابتعت تذكرتين في موقع مناسب من القاعة ثم قصدت الانسة ميّ فالفيتها بانتظاري فعرضت عليها القيام بتناولي العشاء قبل الذهاب الى المسرح فاعتذرت انها لاتجد ميلا للطعام في هذه الليلة.
وكانت ليلة من ابهى الليالي فقد كانت الرواية رائعة تخللتها مواقف مضحكة لحدج لايوصف، وفي يومها تحست بلذة لاتعادلها لذة في ارتياد المسارح الانكليزية حتى اصبحت من روادها كلما وسعني ذلك.
ولا اذكر كم كان مكوث الانسة مي بلندن فقد افاض الدجيلي في اخبارها ونحن في ندوة (دار التعارف) من احدى الامسيات ونسيت الشيء الكثير من احاديثه وكلما اذكره هو انها لم تمكث طويلا بلندن وكانت تظللها سحابة من الهم على ماوصف الشيخ كاظم الدجيلي ولعل ذلك كان نتيجة فقدها لامها. وبفقدها فقدت كل شيء في الوجود اذ لم يكن لها اخ ولا اخت ولا من يواسها غير اقرباء بعيدين عنها اتصالا وفهما:
وعند عودة الانسة ميّ من لندن كتبت الى الشيخ كاظم الدجيلي رسالة شكرته فيها على حفاوته بها وختمت رسالتها بقولها:
اسأل الله ان يوحي الى شاعرنا الف قصيدة وقصيدة، واجابها الدجيلي بقصيدة منها:

سلام على ميّ، سلام على مصر
سلام على صحبي بها ابد الدهر
واني وتهيا مي بمية، عاجز
عن النظم حتى في محاسنها الغر
تطالبني بالشعر ميّ وتبتغي
لشاعرها وحيا من الله بالشعر
ولم تدر اني في حياة بعيدة
عن الشعر اذ اني تقدمت في عمري

وكان ذلك آخر العهد بالمناظرات الادبية بين الشاعر العراقي والاديبة المصرية، فقد تغلب عليها الداء وحجرت في المستشفى ببيروت وقد زارها امين الريحاني وكتب عنها فصلا كان فصل الخطاب فيما وقع من اختلاف بشأن مرضها العصبي، ولم تعد ميّ الى موطنها مصر حتى استأثرت رحمة الله بروحها وانتهت حياتها على ذلك النحو من الغربة والنهاية المحزنة التي يعرفها الجميع.

عن كتاب (هكذا عرفتهم) ج3