(نمل وسط الفيلة) مذكرات تكشف عن قسوة النظام الطبقي في الهند

(نمل وسط الفيلة) مذكرات تكشف عن قسوة النظام الطبقي في الهند

ترجمة/ المدى
من نافل القول أن الهند مكان معقد، فهي مرجل يغلي بمجموعة  من اللغات والأعراق والطبقات والأديان التي تتحرك بعضها  فوق البعض الآخر في كتلة محيرة نطلق عليها تعبيراً مخففاً،وهو”أمة". ولكن بالنسبة للعديد من القراء الأجانب، تبدأ قصة الهند وتنتهي بحملة غاندي ضد البريطانيين، تليها (بالنسبة لأولئك الذين يهتمون بتاريخها) أحداث التقسيم الدموية في عام 1947.

يمنحنا  كتاب نمل وسط الفيلة وهو مجموعة من المذكرات فرصة ذهبية للتعرف على احوال  الهند في سنوات ما بعد الاستقلال الهند من خلال عيون افراد من طبقة المنبوذين، والمتمردين الماويين. ومن الصعب أن نتصور تماماً قوة وهيمنة  النظام الطبقي من وجهة نظر أجنبية؛ أو حتى من وجهة نظر الناس الذين يقبعون في قاع هذا النظام ولا يقتربون من حدوده، وتناول مثل هكذا موضوع مغامرة مرعبة رغم ما تمتلكه من سحر  لكن سوجاثا جيدلا مؤلفة هذا الكتاب تعرضه لنا  بتفاصيله.
يدور الكتاب حول شخصيتين:  مانجولا (والدة المؤلفة)، التي تكافح من أجل تربية الأطفال وسط ظروف من الفقر المدقع والفوضى السياسية، وعمها، ساتيام، الذي يكرس حياته للكفاح في خضم  الصراع الطبقي ممثلاً  للعمال والناس الذين ينتمون الى طبقة  المنبوذين في ولاية اندرا براديش، وهي منطقة ساحلية في جنوب شرق الهند.
تتسم  حياة مانجولا بكفاح صعب  من أجل العثور على عمل لها في سلك التعليم، والذي تزداد حدته وقسوته بسب  وضعها الطبقي (من فئة المنبوذين)، وكفاحها الشخصي الهائل ضد زوجها وأسرته القاسية اما ساتيام فيضحي  طوعاً بما كان يمكن أن يكون مهنة مريحة له  كمحاضر وشاعر ويفضل  الانخراط في النضال  ضد ملاك الاراضي  ورجال الشرطة الذين يمثلون بعضاً من أشد أوجه التفاوت الطبقي في الهند.
ومع إدارتها الرائعة  للتفاصيل الدقيقة، تقوم المؤلفة بمهمة صعبة ومثيرة للإعجاب: حيث تجعل من مجموعة  مذكرات شخصية مدخلاً لرواية  قصة تصلح لكل زمان و مكان، حيث تروي امثلة عن حالات التمييز بين الافراد، وسوء التغذية، واحكام الإعدامات  غير القانونية، وتدخل  القراء وسط  عالم التمييز والاضطرابات.
 كتاب”نمل وسط الفيلة”يتكلم  عن نشاطات  المجموعات الثورية التي تنشق وتتفتت مرة بعد  أخرى، ويختلط ذلك كله مع نقاشات حول الأيديولوجية والطبقة التي سوف تبدو غامضة لكثير من القراء الأجانب.
ولكن اللمحات الإنسانية التي تعطيها الكاتبة  لمواضيع الكتاب  وشخصياته  - وكثير من تلك الشخصيات   من عائلتها – تمنع  الكتاب من الغرق في وحول الاحقاد. بدلاً من ذلك، تقوم بإعطاء القارئ لمحات من مواقف حقيقية  لوحظت بشكل ذكي، وبعين ثاقبة.
وفي واحد من اروع مقاطع الكتاب، تسرد لنا احاسيس افراد من طبقة المنبوذين، و الباكيس (وهم العاملون في  النفايات البشرية)، تجاه  صالة  السينما  القريبة من منازلهم :
(أحب الباكيس وجود قاعة سينما صاخبة بجانب منازلهم. فمن خارج جدرانها يمكنهم الاستمتاع بالموسيقى والحوار في كل ليلة. و عندما لا تمتلئ مقاعد الصالة يسمح لهم بالجلوس مجاناً في المقاعد المكشوفة  (و –هي أرخص فئة من المقاعد في صالات السينما الهندية.)و بحلول الأسبوع الأول أو الثاني من عرض الفيلم، يكون هؤلاء الناس  قد حفظوا حوار الفيلم واصبح بإمكانهم ترديده  كلمة بعد اخرى، مع فارق بسيط في اللهجة، ويكونون ايضاً  قد حفظوا كل أغاني الفيلم.
وكذلك المقطع الذي تصف فيه  زيارة رئيس الوزراء جواهر لال نهرو عام 1951 إلى ولاية اندرا براديش:
وعندما كان القطار يغادر ظهر  نهرو وهو يلوح بيديه  مودعاً  أنصاره من سيارته المكشوفة. وانتظر ساتيام، الذي كان واقفاً بجانب الطريق، مرور  سيارة رئيس الوزراء وكانت، فرصة له. اذا ما تقدم  إلى الأمام ليقفز نحو  نهرو ويطرحه أرضاً. ولكن  الرجل العجوز سحب  يديه مع نظرة من خوف شديد  واختفى في السيارة.
كتاب”نمل وسط الفيلة”يجعل القارئ، يشعر في بعض الأحيان بأنه يحوي تفاصيل لا لزوم لها ومماحكات لا فائدة منها  ولكنه يظل يحمل في طياته  العديد من اللحظات المثيرة والباعثة على  الحزن، والكتاب بمجمله هو نافذة لا نطل منها على أعماق  الهند، ولكنه  يجعلنا نستكشف العناصر الجوهرية  للصراع الطبقي في أي مكان في العالم.

عن كريستيان ساينس مونيتور