السقوط” لسليم الحسني رواية الذاكرة الموجوعة والجسد المعذّب

السقوط” لسليم الحسني رواية الذاكرة الموجوعة والجسد المعذّب

حسين رشيد
أضاع علينا فساد وإرهاب الكتل والأحزاب السياسية الحاكمة، فرص كتابة وتدوين تاريخ الاضطهاد والسجون إبان حكم البعث الفاشي، والتي كانت تعجّ بآلاف المعتقلين، منهم من نجا بأعجوبة، ومنهم أعدم، ومنهم من عانى التشرد والملاحقة والاعتقال المتقطع الذي لم يكن يخلو من التعذيب، ومع قلة النصوص السردية التي تناولت هذا الجانب، تطلُّ رواية (السقوط)

 لسليم الحسني والصادرة عن دار المدى كعمل توثيقي لجزء يسير من تلك الجرائم، التي وثقها الكاتب في عمل سردي حرص فيها على أن يكون بشكل متكامل من حيث اللغة والتقنيات والتوثيق والتقطيع السينمائي الذي اعتمد في هذه الرواية التي تبرز (السقوط) بمفهومه العام والواسع وترمي بها في جوف أحداث ومسارات الرواية التي يمكن عدّها رواية الوجع العراقي لما تحمل طيات أوراقها من أجساد مُنهكة بالتعذيب وأنياب رجال الأمن التي تقطر دماء الأبرياء، وظلام المعتقلات ودهاليز السجون، ونواح الأمهات الثكالى، وحسرات الآباء والإخوة، رواية تحمل الأجساد المعذبة والمضجرة بالدماء والانين، لكنها في ذات الوقت، رواية التحدي والقوة بشخوص أبطالها الذين ارهقوا مرتزقة التعذيب والموت والتغيب، ابطال كتبوا التاريخ بصمتهم الطويل امام سيل طرق التعذيب ومحاولات جر الاعترافات من معارضي السلطة التي غاب ذكر اسمها، في كل العمل لكنها كسلطة فاشية قائمة، حتى اسماء المعتقلين والمعذبين كانت رمزية كشخصية الرواية المحورية (فلان العراقي) الذي يدخل سارداً خفياً في العمل وشاهداً أول على فترة مظلمة من تاريخ البلاد. لم تدخل أدلجة المعارضة في صلب الرواية، إذ بدت منفتحةً على تاريخ المعارضة العراقية من خلال الشخصيات الأخرى، عم فلان (رحيل العراقي) ورحلته نحو المجهول، بدءاً من الهروب نحو دمشق وانتهاءً بالغرق مع عائلته في المحيط، وهم يرومون العبور نحو استراليا بعد أن استحوذ المهرّب على كل ما يملكون ليكون ومن معهم من الهاربين، وجبة دسمة لأسماك المحيط. كذلك الحال مع بقية الشخصيات التي كانت تُكنّى (بالعراقي) باستثناء  شخصية (عبد السادة) فقد اختلف عنها، التي صوّرت شخصية تعرف ملامحها من الاسم الذي اختاره الكاتب لها.
شخصية أخرى كنيّت (بجنوب العراقي) يمكن أن تكون دلالة على اضطهاد جنوب البلاد، الذي صور جسد (جنوب) المعتقل وقدمه كنموذج لذلك الجنوب، الذي بقي على بعض ما عليه رغم تغيير النظام والسلطة، لكن الظلم والتعسف أخذا جانب التديّن والشرع هذه المرة ومحاولة السيطرة على عقول البسطاء منهم الذين لعب بهم الفساد والأحزاب الإسلامية.
المكان في الرواية مرتبط بالعنوان والتاريخ، لكنه ظلَّ مكاناً واحداً بعد نهاية الحدث وبداية أحداث جديدة بعد السقوط، وهنا (سقوط) النظام البعثي في نيسان 2003 رغم أن الكاتب لم يعلن عن ذلك بشكل واضح، لكنه أشار الى ذلك ضمناً من خلال بحث أهالي المعتقلين عن ابنائهم، في دهاليز تلك السجون، وكيف كان فلان العراقي يرشدهم الى الغرف السود التي خلت من الأجساد لكنها احتفظت بالأرواح والآهات والنزف، وبقع الدم وتواريخ، كان السجناء يعتقدون أنهم في هذا اليوم وهذا الشهر وتلك السنة. لكنَّ فلاناً بعدما جزع من البحث، انتبه الى الفناء الواسع خارج المعتقل مستذكراً الأصوات التي كان يتخيل سماعها في ليالي التعذيب، همَّ بهم للبحث، توزّعوا في شتى أرجاء الفناء يحفرون هنا وهناك، لكنَّ يأساً حتّى من العثور على عظام ابنائهم تسرّب اليهم. أحد كبار السن وهو يتعكز بعصاه بعد أن ارهقته سنين تغيب ولده، ساقته قدماه صوب مساحة أخرى، ضرب بعصاه هنا وعلى بعد متر ومترين، ونادى عليهم،”هموا بالحفر هنا لكن على مهل فالأرض رخوة والأجساد على بعد كف أو كفين"، وما هي إلا دقائق حتى علا النحيب وتكاثرت الجماجم وبعض قطع الملابس وأرقام... كان فلان العراقي في تلك اللحظات، يرسم ويصوّر لهم لقطات الموت الأول والتعذيب بعد الزجّ في المقابر الجماعية.
أما الزمن في الرواية فهو الآخر، غير منظور لكنه يبدأ بلحظة رعب وخوف من المعتقل والعودة إليه حين أخذت الكوابيس تتداخل على (فلان العراقي) الذي خرج من معتقل ودخل الحرب الأولى وعاد للمعتقل وخرج للحرب، نجا من عشرات الاطلاقات وقنابل المدفعية، قبل أن تنتهي الحرب، أمره بنقل جثث فرقة الاعدام التي كانت تترصد الجنود الفارّين من جحيم المعارك. عاش جحيم الانتفاضة والمقابر الجماعية وهو يسرد بتعب تلك الجثث التي ترمى بالحفر. ثم يعود ليسجل الزمن بحادث المواطن الخليجي الذي زجّ في إحدى المقابر، رغم أنه أخبر ضابط الأمن بجنسيته، لكنَّ القدر كان حليفه، فلم تصب الإطلاقة إلا ساقه، وبمساعدة أحد الأشخاص، نجا حتى وصل قرية على مشارف الحدود، اعتنت به إحدى العوائل التي اوصلته الى حدود بلده، ليعود الكاتب الى الزمن، وعودة هذا الخليجي لمكافاة تلك العائلة بعد سقوط النظام لكنَّ (فلان العراقي) أخبره بأنه أعدم بعد أيام من وصولك الى بلدك. وهنا يكمن تعميم العنوان (السقوط) بسقوط الأخلاق والوشاية وكتابة التقارير، مثلما يتشظى (فلان العراقي) الى أكثر من شخص وشاهد على تلك الحقبة التي رسمها الحسني بدقة وعين شاهدة مسلطة على حوادث وتفاصيل دقيقة، تحتاج لأعمال أخرى لتوثّق حجم الوجع العراقي. لم تهمل الرواية أحداث الهامش أو لنقل، المتن الثانوي، تفاصيل ليلة سقوط النظام وكيف كان (فلان العراقي) يتجول في بغداد وعينه تصور أعمال السرقة والنهب التي سمح الامريكان بارتكابها والمساعدة عليها، لكنهم وحسب (فلان العراقي) رفضوا فتح ابواب السجون المؤصدة، مثلما رفضوا اعطاءهم ما يمكنهم من كسر وتهديم الجدران الكونكريتية أو سقوف المعتقلات السريّة، كانت (لفلان العراقي) عشرات الكاميرات الخفية والمعلنة وهي ترسم وتوثّق لكل تفاصيل أيام السقوط الأولى.
قد تكون الرواية ارتكزت على تجربة اعتقال أو سجن للكاتب أو لمعارف وأصدقاء مقربين منه، كما يمكن أن تكون قد ارتكزت على شهادتهم وحكايتهم التي ادخلها الكاتب في مختبر سردي خاص، نتج عنه رواية (السقوط) التي أراد الكاتب باختيار العنوان، أن يضرب به أكثر من عصفور، فهو اشارة الى سقوط الأخلاق عند البعض ممن يوشون بالناس، وسقوط الرحمة من قلوب رجال الأمن والتحقيق، وهم يبتكرون أنواع التعذيب الوحشي، مثلما هي إشارة الى سقوط كل ما يتعلق بالإنسانية والانتماء للأرض والوطن من خلال ما كان يقوم به النظام البعثي من جرائم يندى لها جبين الإنسانية، وهو في الأخير، إشارة الى سقوط النظام المروّع الذي سقط معه الكثير من الأقنعة وتكشفت تلك الجرائم التي سجلها سليم الحسني، في روايته الشاهدة (السقوط). والتي ختمت بشكل مغاير لكل أحداثها، إذ استعاد الكاتب بعض حياة فلان العراقي، قبل حياة الاعتقال والسجون وزجّ بها في اصعب مشهد، يوم كان الجميع يبحثون عن رفات ابنائهم في المقابر الجماعية واذ به يلتقي حبيبته التي تبحث عن رفاة اخيه، لتبدا رحلة اخرى من رحلات ضياع فلان..