مطبخ المرأة العربية الذكية

مطبخ المرأة العربية الذكية

محمد عارف 
الطبخ صَنَع بُنيتَنا، وأعضاءنا، وبيئتنا، وتاريخ حياتنا، وسيكولوجيتنا، ومجتمعنا. وتدلُ علائم جسدنا على أن هذا الترابط يمتد إلى بداية التطور البشري قبل نحو ثلاثة ملايين سنة». هذه العبارة من كتاب «إشعال النار”لعالم الأنثروبولوجيا الأميركي «وارنغهام”تُمهِّدُ لدراستي «نوال نصر الله: أنثروبولوجيا الطعام العراقي والعربي». نُشرت الدراسة في نحو 6 آلاف كلمة في العدد الأخير لمجلة «المستقبل العربي”ببيروت،

 وعرضتُ فيها كتباً عدة للباحثة تشكل حلقة الوصل المفقودة بين حضارات العراق القديم وحضارة عصر النهضة العربية الإسلامية، وتفتح آفاقاً جديدة في دراسة تاريخ العلوم والفلسفة.
ونوال نصر الله روائية الموهبة، وهذا يميز كتابها «لذائذ جنائن عدن”عن كتب الطبخ الأكاديمية والتقليدية، فالكتاب عن المطبخ العراقي يضم 20 فصلاً، حسب أصناف الطعام، من الخبز، ومنتجات الألبان، والمقبلات، و800 وصفة لطبخ الرز، والمرق، والبقول، واللحوم، والدجاج، والأسماك، والفطائر، والمخللات، والمحشيات والحلوى، والمثلجات، والمشروبات، وفصلاً خاصاً بطقوس تناول الطعام، وآداب الولائم، ونالت أبحاثُها الشهرةَ العالميةَ، لاحتوائها على حكايات داخل حكايات ترويها بحميمية وعفوية. في «لذائذ من جنائن عدن»، تصف «الجمال الأسطوري لبغداد والرائحة الزكية لحدائقها، وجداول مياهها المتدفقة، وبِركها ونافوراتها، وفسحات النزهة العامة خارج المدينة، حيث اعتاد الناسُ التنزهَ في الهواء الطلق، وبساتينهم تترع بأنواع أشجار الفواكه والزهور العطرة والأعشاب، وحدائق الخضرة الوفيرة التي تتيح للطباخ استحضار أطباق مبتكرة.
ويخبرنا الكتاب الذي اختير واحداً من أهم عشرة كتب في الطبخ عام 2013 أن مطابخ العراقيات كانت قبل خمسة آلاف عام «محور أول ثورة إنتاجية في التاريخ، فالأطعمة التي كانت تعدّها قدامى العراقيات غيّرَت جذرياً الغذاء، وأحلّت الحنطة والشعير محل لحم الطرائد، وغيرها من الأغذية كقوت رئيسي. ولا عجب في أن أسماء أول الكيميائيين والعطارين كانت نسائية».
وتعتبرُ الباحثة كتابها «مثل القصص بالنسبة لشهرزاد»، وسيلتها للنجاة من سيف الموت، فزوجها «شاكر مصطفى”كان آخر الطلبة العراقيين المبتعثين للدراسة في الولايات المتحدة قبيل حرب عام 1991، وانقطعت مخصصات البعثة بسبب العقوبات على العراق، وفقدت ابنها بلال (12 عاماً) لخطأ الأطباء في تشخيص صداع رأسه الذي كان جلطة دماغية، ولم تُقعدها إصابتها بسرطان الثدي عن إكمال الكتاب وإهدائه إلى «الذكرى الحبيبة لابني بلال الذي كان ملهمي».
وصدور الطبعة الأولى بالإنجليزية قبيل غزو العراق عام 2003 كان له وقع كبير، فالكتاب يكشف أن العراق، الذي احتلته واشنطن بدعوى إنشاء دولة متحضرة، كان يصنع قبل 8 آلاف عام 20 نوعاً من الجبن، ومائة نوع من الحساء، و300 نوع من الخبز. وكثير من أسماء ووصفات الطعام وأدواته المعروفة عالمياً ابتكرها أجداد العراقيين، بما فيها «الكيك» (أو الكعكة، واسمها باللغتين السومرية والأكدية «كوكو»)، و«الكباب”(أصله البابلي «كبابو»).
ونوال نصر الله مترجمة من طراز فريد، تردف الكتاب الذي تترجمه بمقدمة تضاهيه حجماً. كتاب «الطبيخ”للوراق، صَدَرَ بالإنجليزية تحت عنوان «حوليات مطابخ الخلفاء». وكتاب «كنز الفوائد في تنويع الموائد» قدّمته ببحث في 20 ألف كلمة كشفت فيه أن مؤلفه المجهول مصري من العصور الوسطى. ومن الكتابين نعرف أن «الساندويتش»، الذي يرتبط اسمه بأرستقراطي بريطاني في القرن السابع عشر، ابتكره الخليفة المتوكل، وكان من مآكل الأسواق في بغداد في القرن التاسع الميلادي، وفي القاهرة في القرن الثاني عشر. وتستشهدُ الباحثة بقصيدة إبراهيم بن المهدي، شقيق الخليفة هارون الرشيد عن «وسط مشطور”كما كان يُدعى «الساندويتش»، إذ يقول فيها: «عليه من محّ بيضٍ فوقه جبن، وفي روايحه مسك وكافورُ، والطعم كالشهد في الأفواه لذته، وخلطة من أفاوي العطر مشهورُ».

عن الاتحاد الاماراتية