ملف خاص عن أدب الحرب والمقاومة بمناسبة تحرير الموصل..حصار لينينغراد في صفحات الكتب

ملف خاص عن أدب الحرب والمقاومة بمناسبة تحرير الموصل..حصار لينينغراد في صفحات الكتب

ترجمة/ احمد الزبيدي
اثناء الحرب العالمية الثانية 1941-1945 فرضت قوات الجيش الألماني طوقاً خانقاً على مدينة لينينغراد السوفييتية (بطرسبورغ حالياً)، وبدأت بذلك فترة مأساوية عرفت تاريخياً بـ"حصار لينينغراد". استمر الحصار لثلاث سنوات تقريباً، ومات نحو مليون ونصف مليون شخص جوعاً في المدينة المحاصرة، أو قتلوا أثناء القصف والغارات الألمانية المتواصلة.

وقد صدرت العديد من الكتب التي تناولت ذلك الحصار الرهيب وهذا عرض لكتابين مهمين عن حصار لينينغراد الاول (كتاب الحصار) الذي قام بتأليفه الكاتبان اليس اداموفيتش ودانييل غرانين
في الرابع من تموز 2017 رحل  الكاتب الروسي، دانييل غرانين، عن عمر يناهز 99 عاماً.
يذكر أن الكاتب شارك في الحرب العالمية الثانية من أول يوم، وحتى انتهاءها عام 1945. وبدأت مسيرته الأدبية في أعوام ما بعد الحرب، حيث أبدع روايات”أتجه نحو العاصفة”و"الملازم الخاص بي”و"الثور".
ويعد”كتاب الحصار"، من أكثر مؤلفاته شهرة، حيث أبدعه بالتعاون مع الكاتب، أليس أداموفيتش. ويوثّق الكتاب يوميات حصار مدينة لينينغراد (بطرسبورغ حالياً)، الذي استمر 900 يوم، ويقص المآسي التي عانى منها أهل المدينة في تلك الفترة.
عانت  لينينغراد من  الحصار لما يقرب من ثلاث سنوات، وكان الشتاء الأول من واحد من اكثر فصول الشتاء برداً في تاريخ روسيا. وقد تفاجأ الروس بهذه  الهجمة المفاجئة للألمان. وهذا الكتاب يروي قصة هذا الحصار المرير الطويل على لسان أولئك الذين كانوا هناك. ويصف بشكل واضح كيف كافح سكان  لينينغراد العادية من أجل البقاء على قيد الحياة والدفاع عن مدينتهم الحبيبة في أشد الظروف المروعة. تعرضوا للقصف، والجوع والانجماد. لكنهم قاموا بحفر الخنادق، وبناء الملاجئ والتحصينات، واشعال النيران، وقاموا بعد فك الحصار عن المدينة  بإزالة الأنقاض، ومعالجة  الجرحى، و، دفن موتاهم. ورغم مقتل العديد منهم بقنابل أو قذائف الألمان، ولكن معظمهم ماتوا بسبب الجوع والبرد. ويسرد الكتاب وقائع تلك الايام العصيبة بناء على مقابلات مع الناجين من الحصار والمذكرات الشخصية. وينصب التركيز الرئيس في الكتاب على ثلاثة شخصيات: أم شابة مع طفلين صغيرين، وصبي كان عمره ستة عشر عاماً وقت اندلاع الحرب، وأكاديمي مسن. ونحن نعيش ايام  الحصار من خلال رواياتهم كما تتكشف لنا أهواله، وكيف كان الناس يكافحون من أجل البقاء على قيد الحياة.
اما الكتاب الثاني (لينينغراد  ملحمة الحصار) قامت بتاليفه أنا ريد (ولدت في عام 1965) وهي صحفية وكاتبة بريطانية.
في الثامن من ايلول عام 1941، وبعد أحد عشر أسبوعاً من بدء هتلر عملية بارباروسا، وهي الهجوم  المفاجئ الوحشي الذي شنّه على الاتحاد السوفياتي، قام بحصار مدينة  لينينغراد. ولم يتم رفع الحصار الا بعد عامين ونصف العام، حيث توفي نحو ثلاثة أرباع مليون من سكان  لينينغراد  بسبب المجاعة.
وتسرد  آنا ريد في كتابها  قصة موثوقة لهذه اللحظة الدرامية في تاريخ  القرن العشرين، متشابكة مع ذكريات  شخصية لا تمحى لحياة الحصار اليومية. و تكشف عن قرار النازيين المتعمد بتجويع  سكان لينينغراد لاجبارهم على  الاستسلام، ويتحدث الكتاب عن سوء تقدير هتلر، وعدم كفاءة وقسوة قيادة الحرب السوفياتية، والأهوال التي عانى منها الجنود على الخطوط الأمامية، وقبل كل شيء، التفاصيل الرهيبة للحياة اليومية اثناء حصار المدينة: البحث الحثيث عن الطعام والماء؛ ودمار العواطف والروابط الأسرية؛ والنهب، والقتل، و أكل لحوم البشر - وفي الوقت نفسه، الشجاعة غير عادية والتضحية بالنفس.
وكانت الابحاث  العلمية النازية حول محاولات انجاح اعمال  القتل الجماعي قد وضعت لأول مرة على المحك في أوروبا الشرقية المحتلة. وكانت خطة هتلر للحصول على”اراض كافية”للمستوطنين الألمان في روسيا تتطلب القضاء على كامل السكان السلاف. وقد تم ذلك عن طريق ابادتهم عن طريق الاعدامات بأفران  الغاز، أو بإطلاق الرصاص الحي  أو عن طريق الموت البطيء جراء الجوع. وعلى الرغم من أن المؤرخين لم يولوا اهتماماً يذكر، لـ"خطط التجويع”التي وضعها هتلر الا انها كانت جزءاً لا يتجزأ من ستراتيجيات حربه، وفي هذا الكتاب المثير للإعجاب، تلقي الكاتبة آنا ريد الضوء على الحصار الألماني لمدة عامين ونصف العام للمدينة.
في عمق  هذا الكتاب الرهيب، نجد تحذيراً لأولئك الذين يقدمون أحكام أو إدانات سهلة: فقط أولئك الذين نجوا من الحصار لديهم الحق في الحكم أو الإدانة. حتى لو كانت  غير  مناسبة او لم تقدم بشكل صحيح.
خلال الأشهر الأولى من الحصار، كان سكان لينينغراد يموتون بمعدل 100 الف شخص  في الشهر. وقد حاصر هتلر جميع طرق الإمداد إلى المدينة؛ وانخفضت درجات الحرارة إلى 30درجة تحت الصفر وتفشت  أمراض ناجمة عن  المجاعة مثل الدوسنتاريا والتيفوس.
وكما تذكرنا مؤلفة الكتاب، فإن غزو هتلر لاتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية في 22 حزيران 1941 أخذ ستالين على حين غرة. 
ومع ذلك تنقل لنا المؤلفة برواية حكايات ايام الرعب، مثلما يتضمن حكايات البطولة العادية والثبات. مثل حكاية العائلة التي كان ابناؤها يحفظون قصائد بوشكين عن ظهر قلب والموت يدق ابوابهم: فإن تمكن هتلر من جعل  أجسادهم تموت جوعاً، لكنهم  لم يستطع إماتة عقولهم.. ولا يزال سكان، لينينغراد حتى يومنا هذا  يحاولون  فهم سبب الحرب ودمار مدينتهم ومقتل سكانها. لقد شهد العالم فيما بعد عدّة حالات من  الحصار ولكن لم يكن أحد منها بمثل تلك القسوة والشراسة    والنتائج الرهيبة التي خلفتها. وكانت الخطة النازية تقضي بتدمير المدينة بالكامل بعد أن تستسلم جراء الجوع  حصار. في الصفحات  الملتهبة لكتاب (لينينغراد ملحمة الحصار)  تاريخ  رائع  لقصص الموت و الحياة.

عن الغارديان