ديلاكروا والحرية  والثورة الفرنسية

ديلاكروا والحرية والثورة الفرنسية

د. مصدق الحبيب
521-liberty2" الحرية تقود الشعب” او”الحرية تتقدم الجموع” هو عنوان اللوحة الخالدة التي رسمها عام 1830 شيخ الرومانسيين الفرنسيين يوجين ديلاكروا (1798-1863) تخليدا لانتفاضة الايام الثلاثة الحاسمة بين 27 و29 تموز عام 1830 والتي اعتبرت بمثابة الثورة الفرنسية الثانية بعد الثورة الاولى 1789-1794.

 كانت هذه الانتفاضة من اجل الحفاظ على الحرية الدستورية التي سوفها چارلز العاشر والتي ادت للاطاحة به بعد ان ثار الشعب وفرض ارادته.
مثـّل ديلاكروا فرنسا عموما والحرية الفرنسية بشكل خاص بأمرأة جميلة ثائرة متحررة عارية الصدر وحافية القدمين تحمل بندقية بيد وعلم الثورة الفرنسية ثلاثي الالوان باليد الاخرى. وقد حرص ان يتشكل انشاء اللوحة هرميا حيث ترفع الحرية في رأس الهرم سيادة الوطن واستقلاله لكنها تنبثق من قاعدة عريضة قوامها التضحيات ممثلة بجثث الشهداء الذين سقطوا من اجل الوطن فيما يؤازرها الثوار من الجانبين بتعددية واضحة بين البسيط والمثقف والفقير والمتمكن والصغير والكبير والعسكري والمدني حيث تذوب كل الفروقات امام الولاء للوطن. ورغم ان ديلاكروا كان عضوا في فصائل المقاومة الوطنية الا انه لم يحمل السلاح في الثورة. وكان قد كتب لاخيه بعدئذ قائلا: ولانني لم اقاتل من اجل وطني فانني ارسم بحماس من اجل وطني".
يرى بعض نقاد الفن ان ديلاكروا وضع نفسه في اللوحة ممثلا القطاع الثقافي وكفاحه من اجل الحرية وهو الرجل ذو القبعة العالية الى يمين المرأة، فيما يرى آخرون ان ديلاكروا عمد فعلا الى تمثيل المثقفين في اللوحة لكن الرجل ذو القبعة العالية لم يكن ديلاكروا نفسه بل المخرج المسرحي أتين أراكو وبعضهم قال انه فريدريك فيلو الذي اصبح بعدذاك امينا لمتحف اللوفر.
-مع مرور الزمن اصبحت لوحة ديلاكروا هذه رمزا للثورة الفرنسية بل اصبحت ايقونة عالمية للحرية الهمت العديد من الفنانين والشعراء والكتاب في كل مكان خاصة في قضية الترميز للحرية بالمرأة الجميلة الثائرة. يقول النقاد ان تمثال الحرية الامريكي الذي انجزه النحات الفرنسي بارثولدي عام 1886 كان من وحي هذه اللوحة بتجسيده الحرية بامرأة تحمل مشعلا بيدها اليمنى وترفعه عاليا. كذلك يرى بعض النقاد ان فكتور هيوكو اختلق شخصية الفتى كافرك في رواية البؤساء بوحي من الفتى الثائر في اللوحة الذي يحمل مسدسين. ولاشك فان فناني القرن العشرين خاصة اولئك الذين خلدوا الثورة السوفيتية والصينية وبقية الثورات الاشتراكية استخدموا مفردات المرأة والعلم والمشعل والسلاح والشهيد وتقدم الجموع بشكل انسجم كثيرا مع لغة وترميز ديلاكروا في هذه اللوحة