كتاب لن انساه : 1984  لجورج أورويل

كتاب لن انساه : 1984 لجورج أورويل

كتابة / أحمد فاضل
كنت  دائماً  من  المعجبين بالروائي  والصحفي البريطاني جورج أورويل 1903 – 1950 فقد تعلمت منه  الكثير  في  مجال  الكتابة  نظراً لوضوحه وذكائه وخفّة دمه ولكثرة ما كان  يحذر من غياب  العدالة  الاجتماعية وممارسة  الحكم الشمولي، وهو ما كنا نعيشه لسنوات هنا في بلادي، ولازلت أشعر بنمو حركتهما في  ظل فوضى السياسة وسيطرة الأحزاب وضياع  هيبة الدولة،

وعندما أعود لهذا الكاتب لقراءة أهم أعماله وهي رواية”1984”،  أشعر أنه  يكتب عن هذه الفوضى التي نعيشها مع أنه كتبها  قبل أكثر من 68 عاماً من هنا، تبدأ الرواية بالطبع  في عام 1984 حيث  العالم  منقسم  لثلاث  دول : الدولة الأولى هي أوشيانيا وهي عبارة عن الأمريكيتين واستراليا والجزر البريطانية، والدولة الثانية هي أوراسيا وأراضيها هي روسيا، والباقي من أوروبا والدولة الثالثة هي  إيستاسيا  وتتكون  من الصين واليابان وكوريا وشمال الهند، أما بالنسبة للشرق الأوسط  وجنوب الهند  وأفريقيا، فهي عبارة عن ساحات حرب ومناطق متنازع عليها من قبل هذه الدول الثلاث – أنظر كيف كانت  توقعات أرويل التي تحقق معظمها مع  دخولنا الألفية الثالثة التي نعيشها بكل كارثياتها -، أما أحداث الرواية فهي تدور في دولة أوشيانيا حيث الأيدلوجية هناك هي الاشتراكية الإنكليزية أو ما يسميه الحزب الداخلي بـ (الإنجسوك) وحيث المجتمع هناك مقسم لثلاث طبقات : طبقة”الحزب الداخلي”ونسبتها  اثنان بالمئة من السكان  وطبقة”الحزب الخارجي”ونسبتها  ثلاث عشرة  بالمئة منهم، وأخيراً  توجد الطبقة “العامة”وفوق هذه الطبقات كلها يوجد الحاكم المسيطر المستبد أو”الأخ الأكبر” وهي الشخصية  التي  أصبحت  من  أكثر الشخصيات الروائية شهرة بل إنها أصبحت رمزاً لأيّ عملية استبداد  أو تجسس  أو قمع، فهو  لا  يهتم  بخير الآخرين  ليكون  اهتمامه  فقط  بالسلطة، فبطل الرواية ونستون سميث هو عضو  في  الحزب الخارجي  الذي  يعمل  في  وزارة  الحقيقة  المسؤولة  عن  الدعاية  والتدقيق  التاريخي  والذي كانت وظيفته  هي إعادة  كتابة المقالات الصحفية القديمة التي تدعم  دائماً خط  الحزب ويقوم جزء كبير من الوزارة  أيضاً بتدمير جميع  الوثائق التي لا تتضمن التعديلات التي ترغب بها الحكومة وبهذه  الطريقة  لا يوجد  دليل على  أن  الحكومة  تكذب، أما  سميث  فهو عامل  دؤوب  وماهر، ولكنه  يكره سراً  الحزب  ويحلم  دائماً  بفرصة  التمرد  ضد  الأخ  الأكبر،  ومع  أن  رواية “1984” يغلب  عليها  طابع  الخيال  السياسي  إذا  جاز  لنا  التعبير،  لكنها كلاسيكية المحتوى  أضاف  لها  أرويل  العديد من المصطلحات والمفاهيم  دخلت  حيز  الاستخدام منذ نشرها في عام 1949، جريئة  في  طرحها، حيث وضع على المحك ما كانت تتصف به  تلك الحكومات  من  الخداع  الرسمي،   المراقبة السرية، والتلاعب  بالتاريخ  المسجل  من  قبل الدولة الشمولية أو الاستبدادية.
في عام 2005 تم اختيار الرواية من  قبل  مجلة تايم  باعتبارها واحدة  من  أفضل 100 رواية باللغة  الإنكليزية  من  عام 1923  حتى  2005، وما بين قرنين من الزمان قدّم أورويل في روايته المستقبلية '' 1984 '' صورة مأساوية لما سيكون العالم عليه دون حرية التفكير التي سيفقدها في ظل تلك  الحكومات،  أورويل  استدعى  فيها  صوت الاحتجاج  الذي يمكن أن تطلقه  الشعوب المقهورة لتمارس حقها في الحرية،  وينستون  قد يكون  أنا أو أنت حينما  نعيش  في بلد  يتم  فيه  حظر الفكر الفردي فيه ويسمح فقط  للزعيم الأخ الأكبر باتخاذ القرار، وبفضل حاجته  الطبيعية للتفكير والتحليل النقدي يجد ونستون أنه من الصعب عدم الاستفادة من مواهبه الوافرة فيبدأ بالتمرد أملاً في تحريره، ولكن في كفاحه من أجل التحرر يقف وحده فالكتلة الكبيرة من الناس العاديين لا تجد  في  حد  ذاتها الحاجة  للتفكير  بشكل  مستقل وقد  باع  زملاؤه المثقفون  حقهم  غير القابل  للتصرف  في التفكير بحرية بشيء رخيص من الرفاهية، وينستون هو آخر رجل في أوروبا والإنسان الوحيد الذي  يريد أن  يستخدم  عقله المستقل، ولا يستطيع أن يؤمن بأنه وحده، إنه آخر رجل  في لندن لمقاومة غزو الأخ الأكبر للعقول.
رواية  '' 1984 ''  هي  بيان  سياسي  لا تحتوي على  إعلان  ولادة  نبي  سوى  بتحذيرها البسيط  للبشرية، وأن  كل  ما  جاء  به  أورويل فيها هي توقعات  كان  يأمل  أن لا تصبح  حقيقة،  فهو يصورعالماً مقسماً  بين  ثلاث  دول كل  منها سيادية وتحت الحكم الشمولي، فأوقيانوسيا وأوراسيا و إيستاسيا،  ليست  دولاً بالمعنى التقليدي للعالم، فهي تكتلات سلطوية محكومة من الإخوان  الكبار  تبدو أوقيانوسيا مثل نسخة موسعة من الناتو  على الأقل  في جغرافيتها،  ومن  الواضح  أن  منطقة أوراسيا  هي منطقة النفوذ  الروسية  وإيستاسيا الشرق الأقصى،  ومن طريف ما يمكن أن  تكون توقعات  أورويل  في محلها  تم  تشكيل  تحالف شمال الأطلسي، حيث دخلت روسيا سباق التسلح وكانت الصين لا تزال في قبضة الحرب الأهلية، ولكن كان من الواضح بالفعل  أن  ماو تسي تونغ  سوف  يهزم  جيوش  المستبدين  من  القوميين  الذين  كانوا  ما يزالون يحلمون بعودة  الأباطرة.
واستندت  كذلك  بقاء  كل  دولة من دول أورويل  الثلاث إلى  الستراتيجيات  الداخلية  والخارجية،  فقد  اضطرت  الدولة  إلى  إخضاع  مواطنيها  لكتلة  نفذت  إرادة  الأخ  الأكبر،  وكان عليها  أن تغذي كراهية السكان ضد عدوها من خلال حالة حرب محدودة أو مستمرة ينبغي أن تكون  للدولة في  جميع  الأوقات  القدرة  على  تدمير  الدول الأخرى،  بحيث تكون  القوة  العسكرية  لكل  فرد رادعاً  للحرب الشاملة، وأخيراً ينبغي  للدول  أن تغيّر تحالفاتها دورياً لمنع اتحاد دولتين من الاتحاد الثالث.
ونحن على عتبة العام الحقيقي 1984 الذي كتب عنه أورويل،  نسأل أنفسنا  كيف  أصبح  عالمه الخيالي  واقعاً وما هي الآفاق  لعالم أكثر عقلانية، فالنظام  العالمي  لعام 1984  يشبه  في بعض النواحي عالم  رواية  أورويل ''1984 ''،  ففي الواقع  هناك  قوتان عالميتان  رئيستان   مع  وجود  قوة  ثالثة  قادمة  ستفرض  نفسها  في تقسيم  العالم  إلى  ثلاث  مناطق  نفوذ،  أولاها    الدول الشمولية الشرقية التي تحكم شعوبها بأيدٍ من حديد، أما المنطقة الغربية  التي تسمّى العالم الحر، فهي  تعيش  في  ظل  القوة    العسكرية والاقتصادية  للولايات  المتحدة  وهي  لا  تشبه أوقيانوسيا  التي عاش  فيها  ونستون ولحكوماتها وشعوبها  حرية  الاختلاف  والانتقاد  والتصرف  بشكل  مستقل،  ولكن البلدان  الحرة تعرف  جيداً  أنه  في النهاية  تفرض  حدوداً على حريتها،  إن  حريتهم  وازدهارهم  يعتمد  إلى  حد  كبير على ولائهم للقوة  العالمية  للغرب، وإلا  لماذا  توافق  الدول  الأوروبية  على  وضع  صواريخ  نووية  على أراضيها  مع  العلم  أن  الاتحاد  السوفييتي وقتذاك، سوف ينتقم لا محالة  منها  في حالة نشوب أيّ حرب معها  ولذلك  لماذا  وافقت  اليابان  على تخفيضات”طوعية” في  الصادرات وتحرير لوائح  الاستيراد مع  العلم أن هذه التدابير  ستضر باقتصادها؟
أما إذا أردنا النظر للخارطة التي تكونت فوقها تلك القوى  وفق رؤية أورويل وتحقق اكثرها فيما  بعد حتى  مع  توقيع ميثاق الأمم المتحدة،  سنجد أن  حروبها  التقليدية  جلبت  الموت إلى الملايين  من  الناس  والتدمير  والبؤس  إلى مناطق  واسعة من العالم  بعد  عامين  من  توقيع  ذلك  الميثاق، فقد  اجتاحت  الصين  حرباً  أهلية،  وهاجم  الهندوس والمسلمين  بعضهم  البعض  في  الهند  وباكستان، وبدأ  العرب  واليهود  معاركهم  المزمنة  ولم تتمكن الأمم المتحدة من تحرير البشرية من أهوال الحرب.
فالأمم المتحدة ليست حكومة عالمية بل هي محفل يمكن فيه للدول أن تبدي شكاواهم وأن تسعى إلى التعويض عن الأخطاء التي عانوا منها وأن  تأمل ألا  تمارس  القوى  الكبرى  حق  النقض  ضد قرارات  المنظمة  بالفصل  بين الفصائل المتقاتلة كما يحدث الآن  في سورية،  وهو ما يبقي  الأمل على  السلام  والعدالة  على  قيد  الحياة،  ويمكن للمواطنين أن يواصلوا الاهتمام بتحذيرات أورويل في روايته “1984”التي دائماً ما  أتوقف  عند كلماتها وأنظر إلى نتائجها المتحققة الآن.