صدر بالفرنسي: أصدقائنا الأمراء الأعزاء

صدر بالفرنسي: أصدقائنا الأمراء الأعزاء

ترجمة وإعداد أنس العزاوي
في البداية كان الهدف من هذا كتاب (اصدقائنا الامراء الاعزاء) هو تسليط الضوء على الامدادات المالية الخليجية للجماعات الارهابية والدينية المتطرفة لكن خلال بحثنا هذا اكتشفنا تورط عدد كبير من الساسة  والمسؤولين سواء اكانوا في  فرنسا او الولايات المتحدة او بريطانيا من خلال تقديمهم الدعم السياسي مقابل المال.

يتضمن الكتاب عدداً من التحقيقات واللقاءات مع المشايخ والساسة الذين ادلوا بشهاداتهم حول الفائدة الكبيرة التي تعود على الساسة الغربيين بتعاملهم مع هذه الدول حيث تقدم سفارات دول الخليج عطايا على شكل ساعات رولكس أو شيكات مصرفية أو بتسديدها لفواتير شراء من علامات تجارية عالمية.

اثارت الاحداث الارهابية الاخيرة التي شهدتها فرنسا الرأي العام والتساؤلات حول مصادر تمويل هذه الهجمات ومن الذي يقف وراءها، وما هي الايديولوجيات التي تتبعها هذه الجماعات وما هو موقع قطر والسعودية منها، لذا اجتهد كل من جورج ماليبرونو وكرستيان شينو في التقصي والبحث عن الاجابات الوافية.

التقى المؤلفان بعدد من الشيوخ في مقر اقامتهم في الدوحة وهم يعيشون و يتحركون بحرية كبيرة دون قيد او شرط او متابعة. هؤلاء الشيوخ متهمون بدعمهم للجماعات الارهابية والدينية المتطرفة، حيث يوكدون وبشكل علني تمويلهم لتنظيم القاعدة في سوريا. يذكر المؤلفان معلومات تتعلق بذهاب جزء من موارد الحج في مكة الى عدد من الجماعات الارهابية.

فيما يخص العربية السعودية يقول مالبيرينو إن الرياض التي تصدر السلفية الى فرنسا تلعب لعبة مزدوجة تتجسد بشكل واضح بتصرفات الساسة الفرنسيين بمنعهم ارتداء البوركيني (لباس البحر الاسلامي) وترحيبهم بالامدادات المالية المقدمة من قبل المملكة الى المساجد في فرنسا وتغذيتها للفكر السلفي فيها وتقاربهم الكبير من العائلة المالكة ومراعاة وزير الخارجية لوران فابيوس لمشاعر الممكلة بتغاضيه عن انتهاكات حقوق الانسان ومنعه لموظفي الخارجية من الحديث فيها.

يتساءل الكاتبان عن الجهة الاكثر تورطاً بالفساد من غيرها. يعتبر الكتاب ان دولة قطر هي البلد الخليجي الاكثر ضلوعاً في هذا الملف تليها العربية السعودية والامارات العربية المتحدة.

احد اهم اسباب تقارب دول الخليج من فرنسا والولايات المتحدة وبريطانيا هو ان هذه البلدان تشغل مقاعد دائمة العضوية في مجلس الامن، بالتالي تمثل ضمانة امنية كبيرة لامبراطوريات البترول. تعقد البلدان الغربية اتفاقيات عسكرية وامنية كبيرة مع دول الخليج اضافة الى ان هذه الدول تعتبر من اكبر المصدرين للسلاح لها. تذهب بلدان الخليج قطر منها بالتحديد الى ابعد من هذه الاتفاقيات بتعاملها المباشر مع عدد من السياسيين والنواب وتمول حملاتهم الانتخابية كما هو الحال بالنسبة للاتهامات الموجهة للرئيس نيكولا ساركوزي (٢٠٠٧-٢٠١٢) وحزبي العمال  المحافظين في بريطانيا خلال انتخابات ٢٠١٥. يتحدث الكتاب كذلك عن تمويل الامير محمد بنسلمان للحملة الانتخابية للمرشحة السابقة للانتخابات الرئاسية الاميريكية هيلاري كلنتون بدفعه ما يعادل ٢٠٪‏ من موازنة الحملة.

هذه العلاقات المباشرة دفعت دول الخليج الى اعتماد القوة الناعمة باستثماراتها الكبيرة في المجالات الثقافية والرياضية والتعليمية. تمكنت هذه الدول وبفضل الاموال الطائلة من شراء اللوحات باهظة الثمن والمؤسسات العلمية والنوادي الرياضية مثل باريس سان جيرمان ومانشستر ستي وتعدت الى شراء ذمم المسؤولين والتعامل معهم على اساس انهم زبائن. تعتمد دولة الخليج فلسفة”اشتروهم”اي ان حركة معارضة او انتقاد لدول الخليج في الغرب تحل من خلال شراء ذمم الساسة لتغيير ارائهم او لممارسة الضغط على زملائهم.

لا يستطيع عدد كبير من السياسيين الغربيين مقاومة الاغراءات المالية المقدمة من قبل دول الخليج.
 
يروي الكتاب عدداً من المواقف جمعت ساسة ودبلوماسيين ومشايخ مثل قصة  سكرتير الدولة للعلاقات مع البرلمان جان ماري لوغوين المتهم بالتردد كثيراً على سفارة قطر في باريس من أجل تمويل تأسيس وكالة للعلاقات لصالح احد اقربائه. يروي الكتاب شهادة احد الدبلوماسيين القطريين التي تؤكد على ان السيد لوغوين عرض خدماته لمرات عديدة من خلال استخدام كتلته الاشتراكية دعماً لقطر ولمواجهة ايّ خطوة او استجواب عدائي يهدد مصالح الامارة. من ضمن المتهمين كذلك النائبة السابقة رشيدة داتي التي طلبت من سفارة قطر مبلغ اربع مئة الف يورو في عام 2015 لتمويل مؤسسة معنية بالشؤون الدبلوماسية في الدائرة السابعة في باريس. كذلك النائبة الوسطية ناتالي كوليه التي طالبت بهدية اعياد رأس السنة من السفير القطري، حيث توجه اليه وقالت”لم اتلق هديتي بمناسبة نهاية السنة بعض الاصدقاء تلقوا هداياهم اما انا فلا". شملت القائمة كذلك النائب الاشتراكي نيكولا بايس بطلبه الحصول على تذاكر مجانية على متن الخطوط القطرية اضافة الى حجز فندق في الدوحة لزوجته واولاده لعدد من الليال لكن هذا الطلب جوبه بالرفض من قبل سفير دولة قطر مشعل آل ثاني ناصحاً اياه بالاستفادة من التخفيضات المقدمة من الخطوط القطرية على موقعها الالكتروني.

تشهد حكايات هذا الكتاب تورط كلا الطرفين في الفساد. هنالك عدد كبير من السياسيين لا يستطيعون مقاومة هذه المبالغ الطائلة وعلى الرغم من كل هذا لا يزال الغربيون يعتبرون شيوخ الخليج بدواً ومتخلفين وجهلة لذا هي الفرصة للاستفادة بأكبر قدر ممكن من هذه الاموال والثروات سواء اكانت بمقابل أم بدون. في الجانب الآخر، يعتقد الخليجيون انه من السهل جداً الايقاع بالغربيين وشرائهم من خلال الشيكات المصرفية او ساعات الرولكس بتحويل سفاراتهم في الغرب الى متجرات وشبابيك مصرفية للسحب فقط. يشرح الكتاب التباين الكبير في المفاهيم والافكار والتوجهات من طرف الى آخر لكن المحصلة هي المضي قدماً في تجاهل القوانين وغض الطرف عن انتهاكات حقوق الانسان كما هو الحال في الحرب الدائرة في اليمن او المأساة السورية التي اغمضت فيها فرنسا اعينها طويلاً وأدارت ظهرها لخطوط امداد وتمويل الجماعات الجهادية والدينية المتطرفة كجبهة النصرة المرتبطة بتنظيم القاعدة.

يكشف هذا الكتاب حقائق مهمة وحساسة وعن جانب غامض في حياة الساسة الغربين متناولاً فسادهم المالي والاخلاقي تجاه تورط الامبراطوريات النفطية في دعم وتمويل جماعات قادت المنطقة الى حافة الهاوية.

جورج مالبرونو صحفي فرنسي؛ من أبرز الصحفيين الفرنسيين المتخصصين في شؤون الشرق الأوسط والصراع العربي/ الإسرائيلي، وعمل مع عدّة مؤسسات إعلامية، فأنجز لها تغطيات صحفية عديدة في المنطقة. اختطف في العراق عام 2004 برفقة زميله كريستيان شينو فأمضيا 124 يوماً رهن الاعتقال.

كريستيان شينو، صحفي فرنسي، تخصص في شؤون الشرق الأوسط وملفات قضاياه الشائكة، وهو متحدث جيد باللغة العربية. تنقل كثيراً بين أقطار المنطقة التي عمل مراسلاً صحفياً فيها، وتعرض للخطف بـالعراق صيف عام 2004 رفقة زميله جورج مالبيرنو.
للكاتبان مؤلف آخر صدر عام 2013 تحت عنوان قطر اسرار الخزنة يتحدث عن انقلاب 1995 وما تلاه من احداث.