كتاب جدير بالقراءة.. اصل الأنواع :  المعادل البيولوجي في الطبيعة للصراع الطبقي في المجتمع

كتاب جدير بالقراءة.. اصل الأنواع : المعادل البيولوجي في الطبيعة للصراع الطبقي في المجتمع

عبد الاله النعيمي
حين رأى تشارلس دارون نظريته في أصل الأنواع منشورة في كتاب تحدث لأول مرة عما كابده لصب النظرية على الورق.  أنجز دارون كتابه على عجل لاستباق منافسيه الى وضع ثمرة 20 سنة من البحث بين يدي ذلك الوحش الاسطوري الذي يُسمى”القارئ العام المتعلم".  ولكن الكتاب رغم ما أحدثه من انقلاب في فهم نشوء الحياة على الأرض كتاب سهل القراءة بل مؤثر ببساطته وصفاء رؤيته.

 وهذا ما يضفي أهمية استثنائية مضاعفة على عمل ثوري في النظرية العلمية يعتبر أهم كتاب صدر باللغة الانكليزية في القرن التاسع عشر.

من منظور القرن الحادي والعشرين فان اصل الانواع يؤدي دورين، الدور الأول انه عمل بالغ الأثر في البيولوجيا يطرح حجته باستفاضة مدهشة واسانيد مقنعة.  وعلى سبيل المثال ان دارون يستعرض في مقطع شهير الفوائد البيئية لزرع نبات التنوب الاسكتلندي في الأرض القاحلة.  وثانياً، ان”اصل الأنواع”كان عنواناً خلافياً وشعبياً استحوذ على مخيلة الجمهور في منتصف العصر الفكتوري وأحدث تغييرا جذرياً في المواقف من الدين وتحديداً المسيحية، ومن الجنس البشري، وأصبح مرجع أجيال من الرأسماليين والشيوعيين وفي النهاية النازيين ايضاً.  وإذ كان دارون صاحب فكر راديكالي فانه تعرض الى هجوم رجال الدين الذين سموه”أخطر رجل في انكلترا”لأن نظريته في الاصطفاء الطبيعي تطعن في”حقيقة”الكتاب المقدس، ذلك المرجع التلقائي الى الله في الطبيعة.  كما هاجمه رجال الدين بتهمة الطعن في موقع الحيوان البشري المتميز في مركز الخلق بإعادة اصله الى قرود عليا.
كان مشروع دارون من البداية ان يؤلف كتاباً وافياً عن ضعف الأنواع وانكشافها لمخاطر الوجود.  ولكن صديقه الفريد راسل والاس ارسل له مبحثاً يطرح فيه نظرية الاصطفاء الطبيعي وهي فكرة مستوحاة من قراءة عمل توماس مالثوس عن النمو السكاني.  وما ان اطلع دارون على هذا المبحث حتى سارع الى نشر النتائج التي تمخض عنها مشروع العمر قبل ان يسبقه غريم من العلماء الى نشر نص ينافس اكتشافه.
  ولكن اتضح ان قلق دارون لم يكن في محله.  ورغم ان ناشره جون موراي لم يكن متأكداً من استجابة السوق وطبع في البداية 1250 نسخة فقط من كتاب”اصل الأنواع”فان هذه الطبعة، النادرة الآن ندرة الأحجار الكريمة، نفدت في اليوم الأول من وصولها الى متاجر بيع الكتب.  إذ كانت مسألة البقاء في المجتمع الفكتوري مسألة ملتهبة، ونظرية دارون في الاصطفاء الطبيعي استحوذت على اهتمام الجمهور.  وكان دارون نفسه متوجساً من ردود الأفعال على نظريته الجديدة وظل يشدد باستمرار على طول الوقت الذي تستغرقه عملية تكيف الأنواع المختلفة مع البيئة والظروف المحيطة من أجل البقاء،  وكتب ان العملية تعتمد على وجود أماكن في الطبيعة يمكن ان تستوطنها المخلوقات المتكيفة وان عملية الاصطفاء الطبيعي تعتمد في احيان أكثر على تكيف بعض المخلوقات بصورة بطيئة. 
 ويشير دارون الى هذا الصراع من أجل البقاء والحياة قائلا ان أي تغيير مهما كان طفيفاً ولأي سبب، إذا عاد بأي قدر من الفائدة على كائن منفرد ينتمي الى أي نوع من الأنواع في علاقاته متناهية التعقيد مع المتعضيات الأخرى ومع الطبيعة المحيطة، فان هذا التغيير ينحو الى الحفاظ على هذا الكائن وسترثه ذريته عموماً.  واضاف انه أطلق على هذا المبدأ في الحفاظ على كل تغيير طفيف إذا كان مفيدا مصطلح”الاصطفاء الطبيعي”لتحديد علاقته بقدرة الانسان على الانتقاء. 
وكما لاحظ كثير من النقاد فان”اصل الأنواع”عمل سجالي كتبه بلغة هادئة واحياناً دفاعية عالِمٌ نذر حياته للمعرفة ويكن احتراماً عميقاً للطبيعة.  ويحتفي العلم منذ ذلك الوقت بخلاصات دارون التي تعتبر انشودة من أجل المعرفة حيث يقول:”من المثير ان نمعن التفكير في رقعة أرض متشابكة تكسوها نباتات كثيرة من أصناف شتى، وطيور تغرد في الأحراش وديدان مختلفة تدب فيها، وان نتأمل ان هذه الأشكال المبنية بعناية، المختلفة اختلافاً واسعاً عن بعضها البعض، والمعتمدة اعتماداً كبيراً على بعضها البعض بمثل هذه الطريقة المعقدة،   كلها كانت نتاج قوانين تعمل من حولنا... وهكذا يستتبع بصورة مباشرة من حرب الطبيعة، من المجاعة والموت، أرقى شيء يمكن ان نتصوره وهو إنتاج حيوانات أعلى مرتبة.... وفيما تدور الأرض بموجب قانون الجاذبية الثابت تنشأ من بداية في غاية البساطة أشكال في منتهى الجمال والروعة".
هذا جانب من كتاب”اصل الأنواع”يكمن جذره في حب دارون للريف الانكليزي.  وهناك جوانب عديدة لا تقل أهمية في المجتمع الفكتوري.  وبنظر ماركس وانغلز فان نظرية دارون هي المعادل البيولوجي في الطبيعة للصراع الطبقي في المجتمع.  وبنظر اميركيين مثل بارون صناعة الحديد والصلب في اميركا اواخر القرن التاسع عشر اندرو كارنيغي والرئيس الاميركي السادس والعشرين ثيودور روزفلت الذي كان عالم طبيعيات ايضاً فان افكار دارون تشرح ديناميات الرأسمالية.  وبرأي القوى الامبريالية التي كانت تنزلق الى الحرب في اوائل القرن العشرين فان الحرب”ضرورة بيولوجية".  وبصرف النظر عمن اساءوا فهم دارون فان عمله الريادي هذا، الانساني في جوهره، انما هو ترنيمة علمانية للريف الذي كان دارون يقضي فيه أسعد اوقاته.
 
مقطع من كتاب”أصل الأنواع”يقول فيه دارون:
"أي صراع هذا الذي لا بد ان اندلع بين الأنواع المختلفة من الأشجار على امتداد قرون طويلة، كل شجرة منها تنشر سنوياً بذورها بالآلاف، أي حرب بين الحشرة والحشرة ـ بين الحشرات والحلزون، بين حيوانات أخرى والطيور والوحوش المفترسة ـ كلها تسعى الى التكاثر، وكلها تتغذى على بعضها البعض أو على الأشجار وبذورها ونبتاتها الصغيرة، أو على نباتات أخرى غطت الأرض اولا فزاحمت نمو الأشجار".