كتاب لن انساه : أوكتافيو باث...هندسة الخوف... وعيد الصرخة

كتاب لن انساه : أوكتافيو باث...هندسة الخوف... وعيد الصرخة

حسن عبد الحميد
يبدو أمر التفكير بتفكيك حسم مفاضلة الكتاب الذي أثّر فينا أكثر من غيره أو ساهم في تغيير مسارات حياتنا، أعني نحن الأقرب للقبول بفكرة (بورخيس) الذي يرى الجنة- مكتبة، أو من يفصح بالقول؛(أرملتان للكاتب... زوجته والمكتبة).

لذا أجدني أحتمي بتمرير سطوة مجموعة راسخة من الكُتب تناسلت مع بعضها وأنضجت ذائقة أوّدت بي صوب متانة إعجابي بكتابٍ تلّبس غبطة عنوان (متاهة الوحدة) بتوضيح نابض من المترجمة (نرمين إبراهيم عاجل) صدر قبل عقدين من الآن- تقريباً- عن دار المأمون للترجمة والنشر وتوغلت فيه شغفاً وحرثاً في حقول معارف ومديات أفاق شاعر المكسيك وفيلسوفها الفذ (أوكتافيوباث) السياسي والدبلوماسي قاطف آداب (نوبل)1990 بحجم وعي معارضته للفاشية حتى في أشدّ نعومة وترف حريرها الكاذب حيال طروحات عالم الإجتماع (بيرترام كروس) الذي روّج لتسمية (الفاشية الناعمة) في متون دراسة له تعود للعام/1981 هي ورقة تقدّم بها إلى (مؤتمر المستقبل) أشار فيها إلى  ضرورات ولادة نظام عالمي جديد، سعى لتغيير (شكل برلمان) وحشيات (هتلر)و(موسليني) الغابرة.
   أذن القراءة (مّعرفة) مُعَرّفة ببنود وتوضيحات كالتي يكون فيها القصد المعرفي  بثقل مرامي (باث) الذي جاء بـ(متاهة الوحدة) ليكشف حقيقة نوازع إنسانية لم أكن أشعرها تتعلق -حصريّاً- بشعوب حضارة (الأزتيك) التي ينتمي هو إليها، بل تغلغلت بثراء حيويّة تجربة كونيّة برعت بإماطة اللثام عن دواخلنا جمعياً، نحن كبشر لا نعدو أن نكون قد تجاوزنا فكرة تعريف الفلسفة  لمجمل  خلاصات الإنسان من حيث هو كائن ذو تأريخ، كتاب (باث) هذا أجمل لنا مديات أبعاد يتتاخم فيها الموت ومشاعر الشعور بالوحدة و منتخبات هندسة الخوف  مع المرأة والحب والشعور بالوحدة ونواتج الغربة وتشظيات الشعوب بمختلف عوارض حضاراتها السحيقة التي تفتت بشكل وحشي من بعد وصول (كولومبوس) أمريكا و أكتشافها في العام 1492 لبقى”الغزو مستمر”كما يذهب ويروم (نعوم تشومسكي) في كتابه الصادر حديثاً بعنوان(سنة 501) دارجاً ما جرى من مسلسلات تدمير وتغييرات(توبغرافيّة) وغيرها من ملابسات وآثار عولمة اليوم، فيما تماهى (أو كتافيو باث) مع مقدرات شعبه مستذكراً-مثلاً-”عيد الصرخة”(15 أيلول من كل عام تصرخ الجموع المهتاجة في ساحات المكسيك قاطبة، ولعلها تفعل ذلك كي تحسن الصمت بعدئذ بقية العام)، أو(نحن”المكسيك”نثمل كي نبوح بما في دواخلنا، وهم”أمريكا”يثملون رغبة في النسيان) كما من حيث (الشعور بالوحدة لا يعني شعوراً بالدونيّة، بل شعور بالاختلاف) فيما (الحب الذي هو جوع للحياة... ما هو إلأ توق للموت أيضاً)، كثيرة هي المرامي وبليغة هي التعميمات  التي أوردها (باث) في متون  متاهة وحدته، والتي يُصعب عليّ إختزالها على النحو الذي يلائم عمق السؤال عن كتابٍ غيّر مجرى حياتك!