اليسار حين نجح على الجبهة الثقافية

اليسار حين نجح على الجبهة الثقافية

ترجمة : عباس المفرجي
مصطلح اليسار، اليوم، عادة ما يشير فقط الى الأحزاب الديمقراطية، التي تشكّل نصفاً واحداً من المؤسسة السياسية. في”الحالمون الامريكيون"، يقدم مايكل كازين تعريفا أكثر قوة. كتابه هذا هو تاريخ اليسار الراديكالي في الولايات المتحدة منذ الإبطاليين [المؤيدين لمبدأ إبطال الاسترقاق] الى الشيوعيين الى المتظاهرين ((المناهضين للعولمة)).

 عادة ما يعمل المنشقون خارج البنية السياسية. مع ذلك، رسالة كازين واضحة: مهما وقف هؤلاء”الحالمون”على الهامش، فإنهم  ((غيّروا أمة)). ذلك هو التناقض الظاهري الذي استكشفه في هذا الكتاب البانورامي، النابض بالحياة.
نشأ تعبيرا اليسار واليمين عن الثورة الفرنسيةعام 1789 (جلس الجمهوريون الراديكاليون على الجانب الأيسر من”الجمعية الوطنية”). لكن في الولايات المتحدة الحديثة، لم يبرز اليسار إلاّ في الربع الثاني من القرن التاسع عشر. يميّز كازين هذا الظهور في عام 1829، مع نشر ثلاث هبّات راديكالية: الكتاب الحماسي للإبطالي الأسود ديفيد والكر”مناشدة المواطنين الملونين في العالم”؛ دعوة أول قائد عمالي، توماس سكيدمور، الى توزيع الثروة في كتابه”حقوق الإنسان في الملكية"؛ وكتاب المفكرة الحرة فاني رايت”السبيل الى محاضرات شعبية”، التي تتحدى فيه خضوع النساء، والعقيدة الدينية والأراء المحافظة في أيامها. من هذه البدايات، يتعقب كازين بخبرة آثار تطوّر اليسار عبْر الإبطالية الراديكالية ؛”ثورة منتصف الطريق”لإعتاق العبيد و”إعادة البناء”؛ الصراع الطويل لمعاناة النساء ؛ بزوغ حركات العمال المناضلة، مثل”فرسان العمل”و”عمال الصناعة العالميين”؛ الأحزاب الاشتراكية والشيوعية، التي بلغت ذروتها في سنوات العشرات والثلاثينات ؛ و”اليسار الجديد”في سنوات الستينات، التي يتذكّر فيها الامريكيون آخر مرة الراديكاليين الذين بيننا.
على مدى تاريخه الطويل، جابه اليسار الامريكي معارضة كبيرة في صراعه ضد سيادة البيض والشوفينية الذكورية والامتثال لفرض العلاقات الجنسية المتغايرة، لكن كازين يحاول أن يبرهن على إنه ((تمّ إنجاز الكثير في الثقافة الوطنية مع غرس روح المعاداة للفاشية ومبدأ التعّدد اللذين أصبحا لاحقا سائدين)). وبالتالي، ساعد اليسار على تمهيد الطريق للقبول الواسع بعدالة، من حيث المبدأ، بالمساواة للناس الملونين، للنساء والمثليين الجنسيين. لكن الثقافة السياسية الامريكية غالباً ما وقفت عقبة في  الطريق.
أحرز اليسار تقدماً بطيئاً في تعزيز رؤاه عن الجماعة التعاونية أو الجماعية الديمقراطية، التي وُصفت بالاشتراكية أو الشيوعية في بداية القرن العشرين. أغلب الامريكان كانوا معادين لهذه الأهداف وسلموا بدلاً منها بالفردانية، النجاح الشخصي وحقوق الملكية، في حين كانوا دائماً حذرين من الثورة الاشتراكية. بينما حاول المؤرخون الآخرون استظهار أن الثقافة الامريكية تشتمل في الحقيقة على بعض المجال للمُثل والممارسات التعاونية والجماعية، فإن كازين، في الواقع، يميل الى رؤية أقدم: بأن المجتمع الامريكي كان ((وُلِدَ رأسمالياً))، وبأن الملكية الخاصة والفردانية كانت دائماً خطه الأساس.
من جوانب أخرى، يزعم كازين، مع ذلك، أن اليسار كان قادراً على النجاح على الجبهة الثقافية حين وضع التوكيد على توسيع الحرية والمساواة. في الواقع، كما يكتب، كل حركة راديكالية، منذ بداية القرن التاسع عشر، كان لها ((ثقافتها المضادة)) الخاصة بها ــ لا فقط منشقو نهاية الستينات الذين كانوا يدعون بـ”الهيبيين”.
وهي تُعَّد ثقافة مضادة، كان لـ”الجبهة الشعبية"، التي بُنيت في صميم أنشطة الحزب الشيوعي في الثلاثينات والاربعينات، التأثير الثقافي الأعمق. انها قادت وودي غوثري الى تأليف نشيد وطني بديل (هذه البلاد هي بلادك) ؛ ساعدت في إنتشار شهرة موسيقى الجاز ؛ ألهمت رواية جون شتاينبك”عناقيد الغضب"؛ ومنحتنا دكتور سوس (ثيودور جيسيل)، رسام الكارتون لجريدة الجبهة الشعبية، الذي كان ينقل وجهة نظر معادي الفاشية، المساواتيين ومعادي الشركات. يبدي كازين إعجابه بهذه الإنجازات، لكنه يدين الاعتناق العنيد، المضّل لدكتاتورية ستالين السوفييتية.
انتصرت الثقافة في توسيع مجالات المساواة والحرية الشخصية، لكنها لم تكن متكافئة مع الانتصارات السياسية دائماً. الحركات الراديكالية لسنوات الستينات، بما فيها التعبئة الواسعة ضد الحرب، كانت لامركزية ولامبالية الى حد كبير في بناء مؤسسات سياسية ــ وبالتالي، لم تخلّف قوة انتخابية جاهزة لمجابهة الشعبية السياسية التي كسبها المحافظون منذ السبعينات.
ينهي كازين كتابه بالمناشدة بإعادة إحياء الاشتراكية كمثال يوتوبي لمقاومة الظلم الذي سببته الأزمة السياسية المستبدة بالمجتمع الرأسمالي اليوم. لكنَّ القرّاء الراديكاليين قد يتوقون الى شيء أكثر: رؤية اجتماعية ليس فقط يوتوبية بل مهيأة للتنظيم ــ رغم كل الصعاب ــ من أجل إصلاح واسع وعملي، يمكنه أن يُكتسب بالجهد المتواصل للانتقال نحو مجتمع مختلف، مجتمع منظم ديمقراطياً حقاً، يتعهد الفعل الجماعي والصالح العام.