كتاب لن انساه

كتاب لن انساه

سعد محمد رحيم
منذ أعوام يفاعتي الأولى اُغرمت بالكتابة.. سحرتني الكلمة المكتوبة، قل؛ الكلمة المطبوعة تحديداً.. بإرشادات قليلة، ومصادفات غير متوقعة، وشغف بازغ رأيتني مأخوذاً بالقراءة والكتابة في الوقت نفسه. أو كاد الأمر أن يكون كذلك في جدل حيوي مبكر تولاه العقل والروح.. كان ذلك في مستهل سبعينيات القرن العشرين.

كتبت لأنني ببساطة عشقت الكتابة، وليس لأيّ سبب آخر.. أي أنني لم أفكر، ساعتها، أن أكون كاتباً يوماً ما.. لم يخطر ببالي وأنا أدشن عوالم مراهقتي أن أمتهن الكتابة.. وبتأثير عواطف متوردة نقية أولى رحت أناغي الجمال الأنثوي، وأعلن عن حبٍ ملتهب ليس لواحدة محددة، وإنما لفتاةٍ هي المثال الأعلى كما تصوّرته، حتى طغى الوهم عندي على الواقع فتورطت بإسقاط صورتها التي في ذهني على هذه حيناً، وعلى تلك حيناً آخر، فانهمكت في كتابة قصائد قصيرة طنّانة، مع أنني كنت أقرأ من الروايات أكثر ممّا أقرأ من دواوين الشعر والكتب الأخرى.. وذات مرة جرّبت أن أكتب قصة قصيرة فكانت تجربة مرتبكة، وإن لم تكن محبِطة لحسن الحظ.
   قادتني قراءة الروايات البوليسية إلى توفيق الحكيم وطه حسين ونجيب محفوظ، وبعض من الأدب الغربي المترجم.. بهرني محفوظ بأشد مما فعل أيّ من أولئك الذين قرأت لهم قبله، هازّاً وتراً خفياً في نفسي.. وحين فرغت من قراءة رواية (ميرامار) قلت في سرّي؛ أريد أن أغدو روائياً.. لم تثرني أحداث الرواية وشخصياتها بقدر ما أثارتني صنعتها.. طريقة كتابتها.. وأحسست لحظتها كمن استيقظ من حلم على واقع مغاير.. أو كمن غادر واقعاً مثقلاً بالعادية والرتابة ليدخل في حلم ملؤه الدهشة ووعود المغامرة.. دهشة لن يخفت ألق جمرتها، ومغامرة لابد من أن تستغرق حياة بأكملها.
 “يوماً ما سأكتب رواية”قلتها لصديق وأنا في الخامسة عشرة.. قلتها وكأنها العبارة السحريّة التي بها سأفتح مغاليق العالم والزمان. طالباً من صديقي ذاك ألا يبوح لأي أحد بهذا السرّ.. ربما كنت أخشى سخرية الآخرين، أو تساؤلاتهم المرتقبة التي لا أمتلك عليها إجابات مقنعة.
   ما حدّد في النهاية خياراتي اللاحقة هو قوّة الفن لا سلطة الأفكار.. الأفكار نضجت فيما بعد.. ولأن الحقل الذي ولجته كان الأدب رأيت لزاماً عليّ الاعتناء باللغة.. أن أنمّي في داخلي حسّ اللغة.. أن أتمرّن على تذوق الكلمات؛ دلالاتها المباشرة والحافّة.. قراباتها مع الكلمات الأخرى.. ظلالها.. إيقاعاتها.. ومن ثم الكيفية التي أنشئ بها جملاً فريدة لا تشبه جمل الآخرين. وكيف أحيل الجمل إلى مشاهد، وكيف أنظِّم المشاهد في حضرة اللغة لأقع على نص مفعم بالإثارة والجمال.
   سأتلقى نصيحة ذهبية من صديق يكبرني بعام ويتخلّف عني بسنة دراسية:
 “التفت إلى الحياة.. الحياة أولاً إذا أردت أن تكون روائياً".
   وسأتعلم من رواية مبهرة أخرى هي (الصخب والعنف) لوليم فوكنر أن أبقي معاييري، في أثناء الكتابة، عالية؛ إما أن تكتب بشكل جيد، أو لا تكتب أبداً.