عــــــن أشــــعار  جلال الدين الرومي في  رباعيات مولانا

عــــــن أشــــعار جلال الدين الرومي في رباعيات مولانا

العشق والامتزاج المفرط بالملكوت هما ما جعلاه يبكي حروفاً وكلماتً، كان قبل ذلك رجل دين رتيباً، يرافقه التعصب ويسكنه الخوف أكثر من الايمان، ولكن بعد أن التقى خليله صار ممتزجاً بسمة العشق تلك التي تجعلنا نعطي دون أن نفكر بـ”ماهو المقابل من هذا العطاء”والتي تجعلنا نؤمن بما نقوم به، قبل أن نخشى وننفذ...

عن التصوف في عبادة الرب، والايمان حتى الانصهار نتحدث فيُقبل إلى الذاكرة جلال الدين الرومي الذي وضع لنا خطوط التصوف والعشق الروحي، وعزز هذا بقصائد كتبها حباً بخليله شمس التبريزي بعد رحيله.
في كتاب”مختارات من رباعيات مولانا جلال الدين الرومي”يضع لنا مترجم الكتاب عمار كاظم محمد، بعضاً من قصائد الرومي التي ترجمها وتحدث عن بعضها،  ويشير المترجم أن قصائد الرومي تمثل جدلية اللفظ والمعنى دائماً بسمة بارزة من سمات صيرورة الشعر لدى ايّ شاعر عظيم، ينظر إلى العالم المحسوس أمامه بكل امتداداته لكي يخلق منه غبر الخيال معاني تعبر عمّا يجيش في صدره من عواطف يستحيل التعبير عنها بدون تلك الأدوات فهي جدلية تنتقل بين الذات والموضوع المحسوس والملموس والواقع والخيال لتشكل صيرورة تحاول الربط بين الفاني والباقي والمادي والروحي، وتكوّن صورة حية للإنسان ببعده الكلي المركب والمتناقض بين الجسد والروح ومطالبهما التي تشد وتشكل حياته وما فيها من صراع لا ينتخي إلا بنهاية حياته.
أن هذه الحياة ببعدها المادي والروحي خلقت للتعبير عمّا يجيش في صدر كل منا عن نفسه بصدق وهو بالتالي صدق انساني تشترك فيه كل البشرية لأنه صوت ضميرها الحي والمشترك في تجربة الحياة وفي علاقة اشار اليها الرومي بأنها اشبه بعلاقة الوكر والطائر، فالوكر هو اللفظ والطائر المعنى كما يقول.
هذه اللغات التي يعبر فيها جلال الدين الرومي عن نفسه لم تكن في طياتها تعبيراً مباشراً عن فكرة الألوهية، ومحبتها بشكلها الساذج، ذلك أن العلاقة بين الوكر اللفظ وطائر المعنى، هي بنية توتر وانزياح عن المعنى الجامد لـ”اللفظ”في معاجم اللغة والتي تحمل تفسيراً واحداً نحو دلالات جديدة ترتبط بالتجربة الصوفية وتجلياتها من جهة وارتباطها بلغة القوم الخاصة وفهمهم الخاص للدين من جهة أخرى ويعبر جلال الدين في كتاب المثنوي عن المعنى الأول بقوله”أن المعنى في الشعر ليس له اتجاه محدد، انه كحجر المقلاع لا ضابط له”فيما يقول عن الثاني”إن التشارك في اللسان قربى ورباط، والمرء مع من لا يفهمونه مثل السجين."، وكم من هندي وتركي يتكلمان بلسان واحد، وكم من تركيبين في لغتهما متباعدين.
أن ما يميّز التجربة الصوفية في كل أوان انها دائماً تمثل تجربة فردية ليست محصورة ضمن اطار يمكن أن يحدد ضمن ملامح مشتركة بين كل التجارب لذلك تقف هذه التجربة دائماً خارج أطر المعايير والتفسيرات المتعارف عليها في التجارب العملية والتي تبدأ من مقدمات محددة وتنتهي بنتائج محسوبة يمكن التنبؤ عنها في المستقبل.
إن ذاكرة الرومي تختزن علوم عصره، وما سبقه فهي اشبه بمطحنة يمكن أن تحيل اي شيء يتمثل أمامها الى شكل جديد فهو يمتلك مقدرة عجيبة على أن يتناول الموضوع المطروق فيجعل منه موضوعاً جديداً كأنه يعرضه على القارئ لأوّل مرة فهو يحول القصص السابقة وحياة الناس العاديين والحوارات ومناظر الطبيعة الى معانٍ تتوافق مع تجربته الصوفية فيكسبها معنى جديداً لم تكن تشير اليه في واقعها ونصوصها الأصلية.