كائن (طاهر علوان) الافتراضي.. تراجيديا المحنة... كوابح الأمل

كائن (طاهر علوان) الافتراضي.. تراجيديا المحنة... كوابح الأمل

   حسن عبدالحميد
  كان لأبد من تعميق مسارات الرؤى وترصيف سبل الفحص اللاحق في ممكنات جرد و تبني مسك أدوات التقّصي عن طبيعة النهج السردي الذي إنتهل منه (طاهر علوان)- بجميع أوجه  وخواص متعددّات مواهبة في ميادين الكتابة والتأليف ولوازم البحث المتخصص في محافل الفنون السمعبصريّة (السينما)-

 عبر كيفيات خلق مثابات عوالمه التتابعيّة الشاخصة في متون مرتهنات روايته (الكائن الإفتراضي) الصادرة بطبعتها الثانية هذا العام عن(دار نشر”بروداد”في بروكسل/ بلجيكا)، قبل مهام الخوض في دقائق مقترباته وتفويض مسالك التفكير بالصورة أو الإشارة، كذلك الحدث أو الموقف من حيث ربط مُسببّاته التوافديّة ومن يداني كل ذلك وعياً وتجسيداً إبداعيّاً منفصلاً و خلاّقاً، بما يتجاوز الكثير من السائد الراهن في عالم السرد ومتوالياته التحديثيّة، ومدّخرات ما تحفل وتفضي به ذائقة هذا الكاتب والباحث  الجماليّ عبر تفانيه ودأب تدّفقه صوب جذب المشاعر العميقة، وفي تثمين حوافز وعوامل شدّ الإنتباه من خلال فرض هيمنة السحر الأثيريّ الخاص الذي تتمتع به لغة السينما وجاذبية فعلها الحيويّ والنفسي في إشباع رغبات القارئ أو المُشاهد، ومن ثم دواعي إسناد دوافعه بهذا التخاطر الذهني والنسق التفاعلي مع مجريات دمج الكثير من الأحداث و تمظهرات الظروف التي إقتنصها بعين طائر مُدرّبٍ، ما يكاد أن يحطّ  بخيلاء  ثبات جرأة حتى يحلّق- ثانيةً- بيقظة حذرٍ متماهٍ نحو سموات أقصى وأفاق أبعد، سعت كلها لأن تستوعب وتستعد وثوباً في رصد وأرشفة ما تناثر وتشظى من تلك المحنة الكونيّة التي حلّت بلاءاً أبديّاً على رأس تلك البلاد، وهي تتماثل على هيئات وصور و مشاهد من (ألبوم) مدينة تداخل فيها التأريخ سحيقاً ضارباً في العمق مُوثقاً بشرائح من قِطع أشرطة على ماكنة عرض (السلايدات) تتوالى عليها لقطات لعهود غابرة تبدأ منذ أيام تنصيب الكهنة في بابل القديمة ومجريات صيد الأسود والسبي البابلي ونبوخذ نصر على عرشه، وصولاً إلى لقطة تحمل الرقم(20) تحوي شكلاً يرمز للنهرين العظيمين، ثم نزولاً نحو ما تفرّد به الحاضر من بلوى سُخطٍ ومناسيب تدهورٍ ودركِ إنحطاطٍ محلي ومجتمعي، ورد يتوالى على مرأى ومسمع تتابع أممي، لمجمل ما جرى وهو يتنامى مُحنّطاً  ومحتشداً بهذا الكم والجحيم  من الصور حتى آخر سلسلة من اللقطات التي أنجزها (حاتم سليم) على سطح  شاشة العرض في جهاز(المفيولا) الذي لم يبق له غيره بعد أن أضحى لا يعلم عن الآخرين شيئاً، وماذا حل بهم، حتى ظل هذا الجهاز السارد الصوّري بمثابة الشاهد الوحيد على كل ما حدث، وما تغيّر من أنماط وسلوكيات الناس وتطلعات البشر في فترات متقطعة ومتواصلة في ذات ذلك النسق المرويّ والمُصوّر الذي سعت إليه وبرعت في أرشفته الرواية، على طول وعرض إمتداداتها و أفاقها التفاعليّة.
    تبلغ قيمة الأثر التقنّي والإبداعي في هذه الرواية أثر سمو توّحدها و حرص تفوّق  إقتحامها الجوهري لما جرى تسميته ب(تيار الوعي) متمثلاً-على سبيل التوصيل والتأصيل- برواية (عوليس) عبر مناورات إستشراف عصارة  ترحيل روح الأسطورة و تعشيقها بروادف يومياّت وسجل مرويّات لسيّر شخوص مختزلة تم غرس ثنايا التركيز عليها مع وضع الظروف بمثابة خلفيات(back ground) مكملّة لعناصر وخواص  التذكير بها و بإنبثاق حضارات و إندراس أخرى، على الرغم من كون  رواية (جيمس جويس) كانت قد تناولت خط سير (ليوبولد بلوم) داخل مدينة) دبلن (خلال يوم عادي واحد من أيام العام/1904 و الذي يمثّل تأريخ اللقاء الأول بين (جويس) وما بين (نورا بارناكل) ـ زوجته فيما بعد ـ، فيما كائن (طاهر علوان) الإفتراضي  كانت قد تسمّكت تنهض بمكملات جاء يختصرها العنوان وفق معادلات ما خططّ ورسم الكاتب- الباحث من مسارات لذلك الكائن المحكوم بهموم شتى أتضحت خطوط  سيرته منذ لحظات وضوحه كائناً معلوماً في تلك اللقطات التي أنجزها لأناس كانوا هنا،(مقيمون تحت حديد المفيولا، بين تروسها وعجلاتها، ينبضون بالحياة ويندمجون بالشخصيات الهزليّة، كانت المفيولا إمتداداً للمتحف العتيق) الرواية/ص7، وكذلك في تلك الليلة التي شهدت  زفافه على (ليلى)-الحبيبة والزوجة فيما بعد-، والتي يدّعي السارد المُضمر الذي أخفى هويته وطبيعة دوره، (أن القصة كانت إفتراضاً منه)، بل وحتى مسالك تحديدات شخصيته الراهنة ومساعي تغيبه بهذا القدر العالي من وضوح ملامح وسيرة(حاتم) و بعض ملاح من حياة المدينة (بغداد)-تحديداً- والشارع الذي يجمع مبنى المتحف العراقي وتساكن ميراثه مع مبنى السينما و السينما من حيث هي  فن هواية وغواية إحترافٍ ملك لب وعقل وضمير هذا البطل المقهور-عنوةً-، ومن ثم سكن وعيش و إمتلاك عقاري و روحي-معا-، كما هو بستان الدرويش الذي توارثه من أسلافه كبقايا من نثار ما تركه لهم (قانون الاصلاح الزراعي) ومضارباته بعد ثورة عام/1958 وما تلا ذلك التأريخ من تداخل ومخارج جمهوريّات إسهمت في تفتيت ذلك المجتمع وهتك نسيجه كُل على مرامي وغايات من تولى وحَكم و فق تطلعاته (البراغماتيّة) أضحت مهلهلة مُنتجة لجملة من تفكيكات مجتمعيّة و إستحداثات قمعية ومسوّغات تمثيليّة لتصل كلها- بالتالي- إلى تأكيد قناعة أبو البطل(حاتم) الذي طاله ظلم هذه الأنظمة فوجد نفسه خارج تغطية كل الأحزاب التي حاول أن يتدّثر بدثاراتها سعياً للإمساك ببعض مما ضاع من إملاكه وعائلته بثبات يقينه المعلن من أن (السياسة هي فن  الكذب).
    لعل قوام تحديد  فعل  الشخصيات الرئيسيّة فضلاً عن (حاتم و ليلى) كونهما المحور والاُس الأوقع في هذا العمل حيث تمتد لتشمل  لصق صورة صديق البطل السياسي (سعيد) وما تكوّن وترّشح من شخصية (سعاد) ثم توالي شخصيات  منال / نجمان / نجيب وهيثم كذلك ريمة وأمها والجدة، يقوم على أساس تمهيد أرضية الأحداث وترسيخها بحاصل أثر ذلك الوجود الحيّ في باطن تلك اللوازم الإفتراضيّة التي نحتّ منها الروائي  عوالمه و إختزالاته المُحكمة بنسج حوارات عميقة، مقتضبة ودالة في سياق منهجيّات لغة السينما وخواصها التعبيريّة، وتلك ميزة كبيرة في كشف كوامن و دواخل تلك الشخصيّات دون أدنى شرح أو وضع (تايتل) يلقي بظلاله على تباطئ مفعول أثر الفعل و دقة الحركة ورشاقة الضوء وصولاً لملامسة متعة متسعات غرضية التأويل وفهم خواص الأمكنة بفيوضات عبقريّة تلك اللغة البارعة والمحتشدة التي تدرّع بها الروائي  من حيث هي وسيلة صوريّة  راسخة في معمار خطابها النوعي ومحميّات كثافتها من الزوائد و التضليلات اللفظية عبر بث وتحفيز حيويّة نبضها  من خلال ما تحمل من وفرة معنى وقوة شدّ بملكات تركيز أمثل وأتم كما تفعيل مهارات كتابة القصة القصيرة لكُتّاب موّقرين وكبار في التمهيد لأفكارهم و تحمساتهم الكونيّة.
  فثمة تدفق شعور حميمي وتفاعلي  يجمع شخصيات الرواية في تقابلات مرآيا الراوي المضمر-كما أشرنا- ليكشف عن مهارة حرفة وأمنيات ذكاء قادر على تمرير مسارات الأحداث وتناسل المعلومات من نواجز الظروف الإستثنائيّة و العامة التي تبنّت الرواية عرضها أو التذكير بها، والتي تبلغ ذروتها - من وجه نظر الروائي- في العام/ 1996من تأريخ العراق المتشظي على أقصاه بفوائض عقوبات دوليّة ونواتج قرارات أممية تمرّت في قضية (النفط مقابل الغذاء) وخلاصات ما يتعلّق بالفقرة 22من القرار الاممي687، مع فرض تفاعلات لظروف وأحداث خارجيّة وأخبار تمثلت وتماهت -مثلاً- بتمرير أثر الصراعات الحاصلة ما بين (البوسنة) و(الهرسك) وما خصّ حصار عاصمتهم (سراييفو)، وهذا ما أعطى للزخ السردي-أن صح التعبير- بُعداً ترادفيّاً فيما يتناسق والجو العالمي المشحون بالخوف والتوّجس ومشاعر الغموض وإكتظاظاتها على النحو الحاصل في بنيّة التقانة الحاضرة في أتون وسطور هذه الرواية التي سيكون أي ملمح لشرح تبادلاتها الفكريّة والسرديّة خللاً  سيعيق  - حتماً- من أثر وشرارة  القدرة الهائلة على توريد حركة كل هذه الارواح النابضة والمتحركة المتراكضة و الهائمة وفق مقدرات وعي تتابعي يضيف للحدث متانة وضوحٍ وترتيب للتواريخ معينة ومحددّة
  تسارعت  تنمو على منوال  رصد  مُتقن واكتناز عميق؛(تعرّت الفتاة في المغطس... وتأكدت سعديّة من أن لريمه عشرة أعوام يوم ضُرب منزل ليلى العطار)الرواية/ص19 أو (ليلى التي تقيم فردوساً ارضياً لنساء خائفات، محفلاً للأرامل، أرامل الحروب وسائر أساليب قنص الأزواج في مؤازرة تلك الحملة التي خرّبت العائلات وقنصت الشباب)الرواية/ ص9، في بث مشهد صامتة، لكنها مدوّية و راصدة بدهاء لفكرة مرور الزمن- مثلاً- على بائع الفواكه الذابلة، الذي لمحناه يمرق من بين حشود مواقف  حاسمة وصعبة ليضيف بمروره المتكرر هذا بُعداً ترميزياً فاعلاً في تعميق تلك المجريات، وقبلها ذكر مفارقات(تراجيديا القصيد البربري)والدعوة الساخرة من  تأسيس شركة للشعراء، وتوارد أسماء(علي الوردي)و(عباس العزاوي) و(معروف الرصافي) وحيثيات عمليات إكتمال نصب التمثال العملاق المحمول بطائرة من ايطاليا عبر جمع قطعه  ليزرع قرب خاصرة حديقة الزوراء كأكبر تمثال في العراق.
   وكيف سنشاهد مرارة ما سيحدثهُ الإنقلاب الذي حدث ل(ليلى) وهي تتخلى-إضطراراً- عن هويتها وشكلها لتتحول إلى كائن إفتراضي آخر بفرض تحويرات إجرائية ملزمة من قبل شقيقيها (نجمان ونجيب) و جدل المطالبة بنفصالها عن (حاتم) المثقل بجملة تُهم و وشايات بعد أن أقامت ذلك الفردوس الأرضي متمثلاً ب(دار النساء) كما ورد في الصفحة/9  وصدمة الصحو المفزع جراء وخامة كابوس جاحد على أثر مشاهدتها لحاتم (مدمى الوجه والسياط قد تركت آثارها على صدره ولم تسمع غير صرخة الجندي(خائن) الرواية/ص 79،أو مرارة التفريق ما بين الحرب وما بين مقصلة (محكمة الثورة) أو أصداء الزلزال الذي أودى من جملة ما أودى بالبلاد منها دار النساء؛(بعد دخول  نساء معصوبات العيون  مكبلات بسلاسل  و ادخلن تباعاً تحت حراشة مشددة رجال غلاظ كانت.... ومنذ تلك الليلة جلسن نساء خارجات عن القانون  ونساء مصابات بعلل نفسية ومجنونات في دار النساء وانسخلت الدار من حال على حال)الرواية/ ص172  وتلك (ريمه الشاهد على هذا  الانقلاب  في الناس والمكان) الرواية/ ص174، وإلتزام إتمام المشهد هكذا كما يرد في الصفحة/173 من الرواية؛(كان المشهد قد أكتمل لحاتم... أغلق نجم الملف الذي أمامه و تأكد أن كائناً إفتراضياً معزولاً كهذا لم يعد لوجوده معنىً ولا قيمة، كانت أوراقه بلا سند قانوني و إدعاءات لا يسمعها أحد، ومواهبه لا تشترى، وأسرته غي قائمة، ولم يبق غير ليلى التي تصدق بوجود ذلك الكائن الذي عُزل).
  فيما كنا نسمع ليلى تقول في متن سطرها الوحيد بعد إلحاح شقيقيها الشريريّن الرواية/ص 81؛(إن كنتم تريدونني أن أخرج... فإلى أين) ثم تتُحادث نفسها بوجع مجزي لمتانة حبها لحاتم قبل أن يجرى إستنساخه وشحن المفيولا والحقيبة مع الفجر ونقلها على عربة الموتى ليكتمل المشهد بخزن الأشياء في قبو بيت صديقه (سعيد)، كنا قد سمعناها تقول ايضا على ص/82؛(أخرج من حياتي../ آيها الكائن المتراعش الكامن في الذاكرة/ أخرج من قلقي../ وعد إلى عذاباتي../هل تحصي عدد الكلمات التي قلناها وعلقناها على نافذة الامل..؟/ هل تعلم عدد الدقائق التي مرت ونحن ننتظر..؟/ هل تعلم كم خريفاً مرّ و أنا أرنو لنافذة باردة..؟/ هل تعلم سيرة الأمهات: ينتظرن أولادهن..؟ إنتظرتك أمّاً، و رافقتك أملاً/ كنت وطن العمر،/ ولحظة التئام الأمل،/ وكنت رجع صدى الأحزان،/ أية أنثى أنا.. ليس غير كلمة على جدار الذاكرة.../ أخرج من حياتي.../ وعد إلى محراب روحي).
أترانا قمنا بملامح شرح أو وضع بعض (تاتيل) لهذا الفيلم المرويّ ببراعة لغة عالية وسِفر سياقات دفاّقة، أم قمنا بمجرد عملية(مونتاج) أولي- بسيط، تفادياً لمحاولات غلق أية فتحة لباب قد تعاكس  مجرى ريح التأويل ومقاصد المشاركة القصوى التي وضعنا بها(طاهر علوان) بعمله الملحمي الكبير هذا.؟ّ!