رحلة الدم التي لم تتوقف.. قراءة في كتاب (رحلة الدم) لإبراهيم عيسى

رحلة الدم التي لم تتوقف.. قراءة في كتاب (رحلة الدم) لإبراهيم عيسى

بقلم/ عصام عباس أمين
يختار إبراهيم عيسى عنوانين لروايته الجديدة... عنوان رئيسي (رحلة الدم) وعنوان فرعي (القتلة الأوائل)... وعندما يكون الدم العنوان الأول فلابد من البحث عن القتلة لمعرفة هوياتهم ودوافعهم وأهدافهم... فلعل بعض القتل يمكن تبريره، إلا انه يبقى قتلا مهما تبدلت الأحوال.

قبل البدء في تفكيك هذه الرواية، يؤكد إبراهيم عيسى إن جميع شخصيات الرواية حقيقية، وكل أحداثها تستند إلى وقائع وردت في المراجع التاريخية.
بدءا نقول... إن اعتماد هذه المصادر لإنتاج رواية، عمل يحتاج إلى جهد كبير، والى التمتع بقدر عالي من الموضوعية والحيادية، خاصة إذا كان الموضوع الرئيسي للرواية يتعلق بالموروث الإسلامي في الفترة التي أعقبت وفاة الرسول وتحديدا عند فتح مصر من قبل عمرو بن العاص في عهد الخليفة عمر بن الخطاب والفترة التي شهدت مقتل الخليفة عثمان من قبل المسلمين أنفسهم.
ثانيا... اكتفى إبراهيم عيسى بنقل الوقائع التاريخية بأسلوب روائي نجح معه بان جعلنا نشعر بإبطاله وكأننا نعيش بينهم... نحس بهم ونعرفهم....  وهذه تحتسب للرائي في قدرته على توظيف اللغة ومعرفته المسبقة بمكنونات النفس البشرية... لهذا فان النص جاء أشبه بسيناريو متكامل لفيلم سينمائي... تشاهد من خلاله الشخصيات وهي تتحاور أو تتقاتل أو تتصارع أو تمارس الحب أو الخديعة أو القتل أو التآمر أو التأمل....  فالإنسان هو هو مهما تبدلت العصور.  
المساحة التي يتركها المؤلف للقارئ ليكون بنفسه استنتاجاته، مساحة كبيرة، فلم يقم بتسميم البئر كما تعود الآخرين، بارعون دائما في إفساد استدلالاتنا، بل تركنا أحرارا لنحكم بأنفسنا بعد تمكيننا من التعرف على وقائع تلك الأحداث واتجاهات سيرها في تلك المرحلة المهمة من تاريخ الإسلام، ولهذا فان أول ما نلاحظه، إن القتلة الأوائل هنا هم من صحابة الرسول وحفظة القرآن!!!! وهذه صدمة صغيرة أمام صدمات اكبر.... والسؤال هنا لماذا؟ كيف انحرف هؤلاء ليتم وصفهم بالقتلة؟ وهذا سؤال كبير، لكن الإجابة عليه كانت في ثنايا الرواية، ليس بشكل مباشر، وإنما في سياق الأحداث وتطور الحالة لدى شخصيات الرواية.... وجميع تلك الشخصيات تستحق التوقف والفحص... بما نملك اليوم من معرفة وأدوات مساعدة تجعل الفهم أيسر والحكم أدق.... فهذا عبد الرحمن ابن ملجم... حافظ القران الذي تتلمذ على يد معاذ بن جبل.... لا يفهم شيئا من الدنيا إلا من خلال القران ومن خلال النص بطريقة جامدة.... طريقة جعلت منه إنسانا زاهدا، حتى أنه اعتزل النساء، خالصة لوجه الله... هذا الزاهد المتعفف الحافظ للقران يختاره إبراهيم عيسى ليفتتح به روايته وهو يشق رأس علي ابن طالب... لنخوض في رحلة الدم التي لم تتوقف حتى الآن.
يمكن اعتبار اختيار عبد الرحمن ابن الملجم كشخصية محورية أو شخصية تبدأ وتنتهي بها الرواية اختيارا ذكيا جدا من قبل الكاتب.... فهو الحافظ للقران وهو من اختاره الخليفة عمر بن الخطاب ليكون قارئ القران لجيش المسلمين المتوجه لفتح مصر بقيادة عمرو بن العاص.... بقصد بناء المعنويات... لكن محنة هذا الرجل تبدأ من أول لحظة.... عندما لا يجد تجاوبا كبيرا من قبل الجنود مع قراءته للقران!!!! وهذه اللااستجابة كانت تكبر يوما بعد يوم... لا بل يكتشف خلافا واختلافا مع قراءة جبلة وسودان... خلافات كانت تصل أحيانا حد التخاصم والتنابذ والتضارب واخذ عناق الآخر، بسبب اختلاف القراءة... فجبلة كان يقرأ القران على طريقة عبدا لله بن المسعود أما ابن ملجم فكان يقرؤها على طريقة معاذ بن جبل، أما عمرو بن الحمق فقد تعلم القران من النبي مباشرة.... حافظو القرآن هؤلاء كانوا رأس الرمح في مقتل عثمان إضافة إلى صحابة آخرين كان لهم شأنهم في الإسلام... مثل عبد الرحمن بن عديس الذي بايع الرسول تحت الشجرة، أو طلحة، أو الزبير، أو مالك الاشتر، أو عمار ابن ياسر (أبو اليقظان)، أو آخرين لا يقلون شأنا مثل محمد بن أبي بكر الذي تعلم الدين على يد الإمام علي بن أبي طالب أو محمد بن أبي حذيفة الذي رباه عثمان بنفسه.... السؤال هنا لماذا تحول هؤلاء الصحابة إلى قتلة، وقلوبهم أصبحت قاسية؟؟؟؟ اعتقد بان إبراهيم عيسى أجاب على هذا التساؤل المشروع، فالنبي ترك أمته مع القران والسنة.... لكن للأسف القران نفسه كان واحدا من أهم أسباب الاختلاف بين المسلمين من بعده بعد أن تعددت القراءات وبعد أن تباينت الفهوم، وما إقدام عثمان على حرق المصاحف إلا واحدة من مسببات الثورة عليه.... فهذا عبدا لله ابن المسعود يرفض أن يسلم قرانه الذي خطه بيده طيلة سبعين يوما وليلة، إلا بعد أن أوسعوه ضربا!!!!!
أما السنة فهي الأخرى لم تساعد كثيرا في إدارة شؤون المسلمين.... وخاصة تلك المتعلقة بإدارة أموال بيت المال، فعثمان يعلن في مسجده وأمام الناس (لنأخذن حاجتنا من هذا الفيء وان رغمت أنوف أقوام) فيرد عليه علي ابن أبي طالب (إذن نمنعك من ذلك ونحول بينك وبين بيت المال)... ليعلن عمار بن ياسر بصوت عال (وأنا اشهد الله أن أنفي أول راغم من ذلك، وأول مانع لك يا عثمان)... ص 284.... ليأمر عثمان حراسه بضرب عمار بن ياسر وإصابته بفتق في بطنه... مما استدعى عائشة إلى التدخل صائحة (ما أسرع ما تركتم سنة نبيكم، وهذا شعره وثوبه ونعله لم يبل بعد...ص 287)... الرواية تكشف بوضوح مخالفة حكم عثمان للسيرة النبوية وحكم الشيخين من قبله... والأسوأ هنا في هذه الجزئية الصغيرة إن عثمان لم يستطع رغم كبر سنه وقربه من الرسول وقراءته المستمرة للقران من إقامة حكم يحظى بقبول الصحابة وحفظة القران!!!!! ولم يتمكن لآخر لحظة من حياته من معرفة لماذا تدهورت أمور حكمه؟؟؟؟ فلم يكن هناك ما يضبط إيقاع حركة الناس ومواقفهم سوى الدين، والمصيبة أن (الكثير من الصحابة كانوا يعتبرون إنهم وحدهم من يحددون مسار السيف وجهة الرمح...ص 678)... هنا ومن خلال أحداث الرواية وتطور الأحداث فيها، يكتشف القارئ وجود خطأ ما في المنظومة.... تلك المنظومة التي لم تنجح في إقامة العدالة الاجتماعية كما ارادها القران والنبي... بل وجدنا منظومة فشلت في إنتاج أناس أسوياء.... وإلا كيف يمكن تفسير حجم الكراهية التي اجتمعت في نفوس الصحابة وحفظة القران تجاه حكم عثمان بتلك الصورة التي أدت إلى حصار بيت عثمان لمدة أربعين يوما، وفيه عثمان وزوجته وابنته الصغيرة مريم!!!! مع قطع الماء عنهم... ثم في مشهد غرائبي في ساديته وبعد نحو عشرين عاما فقط من موت النبي... نجد كنانة يقوم بطعن كتف عثمان بخنجر ثم ينزل على ترقوته ثم عنقه ليتدفق الدم منثورا على صفحات القران الذي كان عثمان يقرؤه طيلة فترة حصاره، ليدخل جبلة من بعد كنانة على جثة عثمان ليطعنه برمحه في بطنه ويصيح (هي لله هي لله.. ص 663)...أما حافظ القران عمرو ابن الحمق فلم يكتف بطعنة خنجر أو ضربة رمح بل اخذ سيفه يطعن به صدر عثمان وبطنه ثلاث طعنات ويصيح (هذه الطعنات الثلاث في قلبك يا عثمان أتقرب بها إلى الله..... ص 665) ثم يكملها بست طعنات متتالية ويقول (أما هذه الطعنات الست، فإنها لي يا عثمان... ص 666)... هكذا كان القتلة الأوائل يقتلون ويهتفون (الله اكبر كبيرا، والحمد لله كثيرا، نصر عبده وأعز جنده.... ص 666)....
جثة عثمان انتظرت ثلاثة أيام بلياليها ليجد من يدفنه... فلم يناصره احد من بني أمية أو من الناس في المدينة إلا (حُبى)..... تلك (السيدة النعيمية التي لا تجيد إلا وهج البهجة ولا يشغلها إلا اصطكاك الأوراك وضم الأرداف ورفع السيقان وإيلاج المدبب في المحبب... ص 671).. السيدة التي كانت تعلم نساء المدينة كيفية صنع الحب والمتعة بعيدا عن تعاليم القران وسنة النبي... وهذه مفارقة غريبة... ففي الوقت الذي لم يتمكن فيه القران والسنة من خلق مناصرين حقيقيين لعثمان... تنجح (حُبى) فتسجل على وجه التاريخ إنها أكثر من ناصرت وأكثر من تألمت وأكثر من كانت تحب الحياة وتقدسها....
إنها رحلة الدم بدأت ولا أظنها ستنتهي في هذه الأمة....