يوري بونداريف يوثِّق آخر أيام الحرب في رواية  الطلقات الأخيرة

يوري بونداريف يوثِّق آخر أيام الحرب في رواية الطلقات الأخيرة

هدية حسين
بين إطلاقة وإطلاقة، إقدام وإحجام، خوف وشجاعة، موت وحياة تنبثق من فم الموت، وبتفاصيل صغيرة تضعك في قلب المكان الملتهب لتلك الأيام العصيبة، صوت المجارف على الأرض، وقع الأقدام الخفيفة في الظلمة، ومضات قذائف الدبابات، أصوات الجنود الهامسة، صفير الريح، والعدو على بعد مئتي متر، يكتب يوري بونداريف روايته”الطلقات الأخيرة”

عن الأيام الأخيرة للحرب العالمية الثانية، تقع الرواية ب 284 صفحة، ترجمة غائب طعمة فرمان، ومن إصدارات دار المدى للإعلام والثقافة والنشر.
وقبل أن ندخل في تفاصيل الرواية نقدم هذه النبذة المختصرة عن الكاتب يوري بونداريف، فهو من مواليد 1924، يعتبره النقاد قائد أدب الحرب حيث كرس جلّ أعماله للحرب، وكان في العام 1941 جندياً متطوعاً حينما كان في السابعة عشرة من العمر، حاز على جائزة لينين عن مجمل أعماله التي خصصها للحرب الوطنية الكبرى، ومن أشهر أعماله إضافة الى الطلقات الأخيرة، رواية الثلج الحار، عن معركة ستالينغراد الفاصلة بين الألمان وحلفائهم وبين الاتحاد السوفييتي، وله أيضاً رواية (الكتائب تطلب النار) و(الاختيار).
يبدأ زمن رواية”الطلقات الأخيرة”عند منتصف الليل، بينما كان الكابتن نوفيكوف يتفقد مخافر الحراسة، فيكتشف أن الجنود في أحد الملاجىء يشربون الخمرة ويصخبون، إنهم يحتفلون بعيد ميلاد أحدهم، وبحضور الممرضة لينا التي لا تجد لها عند الكابتن نوفيكوف هوىً، فيخرج غاضباً في الليل الدامس بحثاً عن خطة جديدة واستعداداً للهجوم على الألمان الذين يحاصرون مدينة كاسنو من جهة الغرب.
يضعنا المؤلف وجهاً لوجه أمام الدمار الذي لحق بالمدينة جراء الانفجارات المتتالية، وتهشيم سطوح المنازل، والبيوت المحترقة، والرعب الذي يملأ قلوب الجنود، والحرائق والدخان.. وأيضاً يطلعنا على يوميات الجنود حتى المضحكة منها، من يبدي استعداده للمعركة، ومن يبحث عن ذرائع لكي يبعد نفسه عن المواجهة، وما يعانيه الضباط أيضاً من إحباطات واستفزازات فيما بينهم، بل وحتى السرقات التي يقوم بها الجنود من البيوت التي هجرها أصحابها جراء القصف الشديد.
يدير يوري بونداريف عمله من خلال مجموعة الضباط والجنود والممرضة لينا بكل ما يعتري شخصياتهم وعقدهم التي جاءوا بها فزادتها الحرب تعقيداً.. ومن أبرز تلك الشخصيات:
 الميجر غولكو قائد كتيبة المدفعية، وهو رجل متشكك غريب الأطوار طلق زوجته وغالى في ترتيب حياة العزوبية حتى وهو داخل الملجأ.
 والجندي ريميشكوف الخائف على الدوام، الذي كان يتمتع بإجازة لمدة ستة أشهر جراء إصابته من معركة سابقة، فهو كثير التقاعس والحجج لكي ينأى بنفسه بعيداً عن المواجهة، لكنه يصطدم دوماً بأوامر الكابتن نوفيكوف الصارمة.
لياغالوف، الجندي الشجاع الذي يصاب إصابة بالغة في إحدى المعارك ويشرف على الموت، فيحلم قبيل موته بانتهاء الحرب وعودته لزوجته وأولاده الأربعة، غير أن الزوجة تصد عنه، وتتزوج من رجل آخر.
 والممرضة لينا وهي الشخصية النسائية الوحيدة في هذه الرواية، امرأة صعبة المراس وباردة ومعتدة بنفسها حد أنها لطمت الضابط أوفتشينيكوف عندما حاول تقبيلها عنوة ذات يوم،  وردت على المرافق سينكوف بضربه، فصار يطلق عليها الشائعات ليشوه سمعتها، لكنها لطيفة جداً مع الجنود وخصوصاً أولئك الجرحى الذين يحتضرون.
والكابتن نوفيكوف وهو الشخصية الرئيسية في هذه الرواية، رجل شجاع لا يتوانى من اتخاذ القرارات في أصعب المواقف، وهو لا يرتاح لأسلوب الممرضة مع الجرحى حيث تُطمئن الجريح المشرف على الموت بكلمات كاذبة فتوهمه بأنه سيعيش.. وشخصيات أخرى تتوالد في سياق أحداث الرواية.
ومن الوصف العام للأحداث الى الغوص الى أعماق الشخصيات بلغة تناسب بناء تلك الشخصيات النفسي والاجتماعي، والتعبير عن الاضطرابات التي تواجه المحارب في لحظات الاحتدام، فهذا أوفتشينكوف يقول مرعوباً حين وقع أسيراً بيد الألمان بعد أن جُرح ولم يعد قادراً على المواجهة (أيمكن أن يقضى على حياتي في ساعة أو ساعتين؟ أن أمحى من الوجود كلياً؟ أبهذه البساطة؟) و (فكّر أنه الآن في السادسة والعشرين من العمر وأنه لن يخطو الى السابعة والعشرين قط، وأنه لن يكون بعد الآن ذلك الشخص المسمى سيرجي أوفتشينكوف بينما يعيش الآخرون من بعده ويضحكون، ويعانقون النساء ويتنفسون.... ثم أنه لن يُقتل كما يُقتل الآخرون في الحرب، ولن يكون معروفاً للناس كيف استشهد وفي أية ظروف، فقد تولد في نفسه شعور بالأسى الأسود لذعهُ كالنار) ص137
أما الأمكنة التي تدور فيها المعارك فيصفها بالدقة وبتفاصيلها التي تميزها، المرتفع والبحيرة وحقل الألغام وأجواء الطقس والنباتات، كما يصف المعارك حين تحتدم لحظة بلحظة، لا يقفز على الأحداث ولا على الزمن، كل شيء مرتب بزمنه وأسباب حدوثه، كأننا نعيش وسط الدخان وقنابل الهاون ومشاعل الانفجارات وصراخ الجنود وأوامر الكابتن نوفيكوف وهو يحض ضباطه وجنوده على الدخول في حومة النيران وجهاً لوجه أمام الموت.
إن مقالتنا هذه لا تلم بكل التفاصيل والأجواء التي رسمها يوري بونداريف، ولابد من قراءة هذا العمل المهم وتنشيط الذاكرة لكي لا تنسى المآسي التي تخلفها الحروب، لقد كانت الحروب عبر التاريخ الإنساني فعلاً غير إنساني ولا أخلاقي.. لكن الشعوب لا تجد بداً لكي تحافظ على هويتها واستمرار وجودها من خوض الحرب لكسر شوكة الأعداء والحفاظ على الأجيال القادمة.