الكونت الأسود” لتوم رايس.. غموض الشخصية التاريخية

الكونت الأسود” لتوم رايس.. غموض الشخصية التاريخية

ترجمة: عباس المفرجي
باسلوب بوليسي أدبي اكثر منه سيرة تقليدية، كتب توم رايس الجزء الأخير من ثلاثية عن سيَر حياة آسرة. كتابه الأول كان”فيوهرر أكس”، الذي كتبه بالمشاركة مع شاب الماني شرقي، انغو هيلسباخ، الذي إنجرف مع ’’ ثورة غضب ‘‘ النازية الجديدة، قبل ان يتوب ويشي برفاقه السابقين. كيهودي لامنتمي، كان رايس مسرورا للغاية برواية قصته،

 كما في كتابه التالي”المستشرق”، الحكاية الساحرة عن ليف نوسينباوم، أو قربان سيّد، كاتب اذربيجاني يهودي وتاجر دواليب إنتحل هوية مسلم في رايخ هتلر وايطاليا موسوليني. يروي هو الآن قصة مخفية لزمن طويل تلقي الضوء على العنصرية والضرر الذي تسببه.
وبرغم ان بحثه قاده هذه المرة الى الريف الفرنسي، لكن كان له نصيبه من الإثارة. كان رايس أقنع مسؤول في مدينة فرنسية صغيرة بفتح خِزانة حديدية لمكتبة تضم مخطوطات عندما توفي فجأة المكتبي الذي كان وحده من يعرف تركيبة الارقام التي تفتح الخزانة.
“الكونت الأسود”هو دراسة عن شخصية تاريخية ظلت غامضة حتى الآن، الجنرال الكسندر (آليكس) ديما – هو ليس الكسندر ديما الأب الشهير مؤلف”الفرسان الثلاثة”و”الكونت مونت كريستو”، ولا الروائي والكاتب المسرحي  الإبن صاحب الرواية الكلاسيكية”غادة الكاميليا”. موضوع رايس هو الكسندر ديما الأول، الذي أثبت انه عاش حياة درامية غريبة أكثر من الحيوات المصوَّرة في روايات ابنه وحفيده.
وُلِد ديما في عام 1762 في المستعمرة الفرنسية الكاريبية سان دومينغ (هايتي حاليا). بدايته لم تكن تبشر بالنجاح، فهو ’’ باتارد ‘‘ [ ولد غير شرعي ] – نتاج علاقة بين أبيه الارستقراطي الفرنسي، المركيز الكسندر دافي دو لا بايتيري، وعبدة معتوقة، ماري- سيسيت ديما. (اسم عائلتها يعني ’’ من المزرعة ‘‘، كان أُنعِمَ عليها لأن ادارة مزرعة سكّر كانت وظيفتها كامرأة حرّة.) كان ريس ممتازا في تناوله المواقف الاستعمارية من العِرْق المتمثلة في والد آليكس، الذي، بعد وفاة ماري- سيسيت عندما كان الصبي في الثانية عشرة من العمر، برغم انه كان فخورا بإبنه الطويل قوي البنية، باعه في سوق العبيد لدفع نفقات رحلة العودة الى النورماندي. بعد ستة أشهر من عبودية آليكس، إشترى الماركيز حريته وأرسله في حينه بالسفينة الى فرنسا، لينال تعليما لائقا كجنتلمان.
أثبت آليكس انه خبير في المهارات المتوقعة من شاب فرنسي ارستقراطي : بشكل خاص المبارزة بالسيف والفروسية. أبوه تزوج ثانية، وربما كان خجلا من ابنه الخلاسي، فأوقف المعونه عنه تاركا اياه من دون سنتيم واحد. التحق الشاب المقدام بالجيش. أثناء الثورة الفرنسية، قاتل جنبا الى جنب مع رجال سود آخرين في وحدة تدعى الفرقة الافريقية.
 ما لبث ديما أن أصبح معروفا بقدراته العسكرية الفائقة فإرتقى سلم الرتب، من عريف الى جنرال في أكثر من أقل من ثلاث سنوات، قائدا لقوة عسكرية من 35 ألف رجل حين كان في الثلاثين من العمر فقط. قاتل في العديد من الحروب التي شُنّت ضد فرنسا الثورية، وإنتزع حصنا رئيسيا في الألب من النمساويين، الذين لقّبوه بـ ’’ دير شفارتز توفل ‘‘ (’’ الشيطان الاسود ‘‘) بعد أن تسلّق جدارا صخريا مكسواً بالثلج بجزمته التي زوّدها بخُفّين مسماريين. عُرِف ايضا بلطفه غير المألوف في الحرب الاهلية الضارية ضد الملكيين الكاثوليك في فيندي. في الوقت الذي برز فيه نابوليون من فوضى الثورة كأقوى رجل، كان ديما منافسا خطيرا.
اخذ نابوليون ديما معه في حملته المصرية الكارثية قائدا لفرسانه، حيث سقط اثنان من الجنرالات وترك ديما موقعه في القيادة. عندما تحطمت سفينته قرب السواحل الايطالية في طريق عودته من مصر، أُخِذ أسيرا من قبل ملك البوربون، فردينان الأول ملك نابولي وصقلّية. يوحي رايس بأنه كانت مماطلة مقصودة من الحاقد والغيور نابوليون هي التي أخّرت اطلاق سراح منافسه. حاول فردينان أن يقتل ديما بسم الزرنيخ في الوقت الذي تم فيه تحريره في النهاية، فغدا الرجل، الذي كان معروفا بقدرته على رفع حصانه من الأرض، أشبه بحطام رجل نصف أعمى، نصف اصّم. ذهب ديما عائدا الى المدينة الصغيرة فيير- كوتيريت حيث التقى ماري- لويز، وصار أبا للروائي في المستقبل.
فرنسا التي عاد اليها ديما كانت متغيرة تماما. اوتوقراطية جيش نابوليون اطفئت آخر شرارات الحماسة الثورية. كان التغير الأكثر حدّة هو إعادة العبودية في موطن ديما الأصلي هايتي، والقضاء على جمهورية العبيد السابقين التي أقامها البطل الهاييتي توسان لوفرتير. هذا بالرغم من ان زوجة نابوليون الاولى، جوزفين،  كانت كريولية من المارتينيك. (قبل وقت ابكر من هذا كان ديما رفض أن يقود حملة عسكرية فرنسية ضد لوفرتير، الذي قضى أيامه الأخيرة في سجن نابوليوني.)
قصة اسر ديما وموته عام 1806 بمرض سرطان المعدة الذي تفاقم بالزرنيخ (نفس المرض الذي سيقتل نابوليون فيما بعد) كانت مروية في”الكونت مونت كريستو”. اما رايس فكتب حكاية متفاخرة خاصة به.

عن صحيفة الغارديان