كتاب لن انساه : (قوت الأرض) للكاتب الفرنسي  أندريه جيد

كتاب لن انساه : (قوت الأرض) للكاتب الفرنسي أندريه جيد

رضا الأعرجي
كثيرة هي الكتب التي لا تنسى، بل أنها أكثر من أن تعد، بيد أن كتاب”قوت الأرض”لأندريه جيد مازال راسخا في الذاكرة. إنه كتاب ملهم، وواحد من تلك الكتب الحافلة بالكشف، والمعرفة، والدراية، والفيض العاطفي، والفكرة الحيوية التي تشعر القارئ بجهد المؤلف، وتوتره وكأنه يكتب من أجله، أو يخاطبه شخصيا.

والكتاب حصيلة تجربة جيد الشاب المنطوي على نفسه، والإبن الوحيد الثري، والبروتستانتي ذي التربية الصارمة المتزمتة، والعاشق لإبنة عمه الرافضة له: مادلين. ومن ثم جيد اليتيم بعدما فقد والده في وقت مبكر، والمريض الذي غدت سلامته شغله الشاغل، حيث قرر أخيرا أن يتفرغ للكتابة والموسيقى والسفر.
وتتصل هذه التجربة بالحركة الرمزية التي سادت فرنسا آنذاك، والتي كتب جيد تحت تأثيرها أولى محاولاته”دفاتر أندريه فالتير”التدوينة النقية لما تعرض له من اضطرابات وتناقضات، كما تتصل بزياراته لكل من تونس والجزائر هربا مما أسماء”جو صالونات باريس الخانق"، وليطلع على جزء من العالم العربي بثقافته وأخلاقيته المختلفة. وهناك، سيكتشف ميوله الجنسية المثلية.
بهذا المعنى، يعكس ”قوت الأرض” شخصية جيد القلقة المترددة بين الخوف من الخطيئة واتباع حسيته. بين الوعي المتزايد بشهوانيته والثورة ضد النفاق الاجتماعي، وهو وإن اقتنع أن يعيش”حسب طبيعته”لكنه ظل يفرّق بين اللذة والحبّ، إذ تزوج من مادلين. وعلى رغم حبه لها وجد نفسه في النهاية غير قادر على تحمل علاقة وثيقة دائمة، والتوفيق بينها وبين حاجته للحرية.
يقول جيد في المقدمة التي كتبها لطبعة 1927 والتي صدر بها شكيب الجابري ترجمته للكتاب إلى اللغة العربية:”البعض لا يعرفون أن يروا في هذا الكتاب، أو لا يرضون أن يروا فيه سوى تمجيد رغبة وغرائز. هؤلاء يخيل إليّ أنّ في نظرتهم شيئاً من القِصَر. وعندي، حين أعيد قراءته، أنه أقرب إلى تقريظ التعرية والتجريد. هذا ما احتفظت به منه، متخلياً عن الباقي. لقد احتفظ الكاتب، كما سيرى القارئ، بالشجاعة للعودة إلى عقيدته الدينية، ليجد في نسيان الذات تحقيق الذات.
ومن وحي تلك العودة، استعار جيد من بين تلاميذ المسيح الإثني عشر نثنائيل ليكون تلميذه، وقد أغدق عليه النصائح والدروس الأخلاقية، ووضعه تدريجيا أمام حياته الخاصة، وسوف نتخيل أن جيد كان يتكلم تحت إسم نثنائيل، بل هو جيد وقد أمسك المصباح بيده ليوجه الضوء إلى نفسه.
كلمة الله تتكرر كثيرا لكنها ليست غامضة المعنى أو مضللة، انها مرادفة للحماسة والاندفاع لفهم الوجود، ويظهر ذلك بوضوح عندما يخاطب جيد نتانائيل بقوله:”لا تأمل، أن تجد الله إلا في كل مكان. كل مخلوق إنما يشير إلى الله"، وإن كان جيد لا يخفي طبعه المتمرد، هذا التمرد الذي يعطي أفكاره نغمة خاصة جدا، تختلف كثيرا عن تلك التي لدى نيتشه، حتى عندما يبدو أقرب إليه.
ويعرض جيد قناعاته التي يمكن أن تصدًق حين يتخذ موقف الواعظ، أو يستغنى عنها، في آن واحد، عندما يتكلم بلهجة ساخرة، ويبدو أحيانا أنه يسخر من نفسه، أو يعبر عن شك أو تناقض، وهذا أسلوب لا يخلو من سحر، لأنه يتيح للقارئ التمتع بكل شيء دون التعلق بأي شيء.