(كان ولكن ذلك الحقيقة)  المتعة والجنون في أسلوب آلي سميث الروائي

(كان ولكن ذلك الحقيقة) المتعة والجنون في أسلوب آلي سميث الروائي

أوراق
السرّ كله يكمن خلف الباب، والجميع يضع أمنياته عند تلك اليد التي تطرقها، علّها تكون سبباً في فتح هذا الباب الذي أُحكم وصده، منذ مدة، من الممكن أن يُخلق حدث لايتعدى الساعات على جانبي ذلك الباب، ولكن من الجنون أن تُخلق رواية تتعدى الثلاث مئة صفحة...

الروائية آلي سميث استطاعت أن تخلق رواية (كان ولكن ذلك الحقيقة) على جانبي الباب الموصدة تلك، ترجم الرواية اسامة منزلجي، وصدرت عن دار المدى للإعلام والثقافة والفنون...
حاولت كثيراً أن أبدأ الحديث عن هذا الكتاب، بالطبع أنا لا اتعدى مستوى القارئ البسيط المتذوق للسرديات، ولا يمكن أن ارتقي لمستوى النقد، إلا أن ما أثار حيرتي في كيفية الدخول والحديث عن هذا الكتاب هو عدد الشهقات التي اطلقتها مع كل صفحة قرأتها من هذا الكتاب، بين الانبهار، والاستغراب، والفوضى، والتشتت والبعثرة اللذين سرعان ما يعودان للامتزاج في بودقة افكاري، وبين لذّتي التي اتحسّسها من خلال جنون الكاتبة الذي ما يزال يحمسني لالتهام المزيد من كتبها ومؤلفاتها، إلا ان هذه العناصر جعلتني ضائعة امام حروفي التي ستبدأ للحديث عن هذه الرواية...
اضحك من سذاجتي حين قرأت عنوان الرواية (كان ولكن ذلك الحقيقة) فأطلقت اتهامي الاول ولقيت اللوم على مترجم الرواية، بأنه اساء ترجمة العنوان، فما هذا العنوان غير المتماسك، ولكن سرعان ما سندرك حين نتعرف على آلي سميث بأنها روائية الفوضى والعشوائيات المنظمة، نعم، فهي محترفة بأن تجمع المضادات جيداً، والدليل عنوان الرواية الذي سنكتشف أنه عنوان لكل فصل من فصول الرواية الاربعة، حيث كان اسم الفصل الاول (كان) وهو الكلمة الأولى التي بدأت بها الفصل، اما اسم الفصل الثاني (ولكن) وهو ايضاً الكلمة الاولى التي بدأت بها الفصل وهكذا،،، حتى أنها جعلت من اسماء فصولها الاربعة اسماً لروايتها، ولم يكن هذا بجديد على سميث، فسبق وأن اطلقت على اسماء فصول روايتها (مصادفة) بالكلمة الاولى التي يبدأ بها كل فصل، أما في رواية (كان ولكن ذلك الحقيقة) لم تكتف بأن يكون اسم كل فصل هو الكلمة الاولى التي يبدأ بها الفصل وجعلت من اسماء الفصول عنواناً للرواية، وهذه هي المفاجأة الأولى لك ايها القارئ في هذه الرواية...
سنشهد أيضاً قصة قصيرة، في بداية الرواية تخلو من الأسماء، تتحدث فيها آلي عن رجل أوصد الباب على ذاته، في الوقت الذي وقفت هنالك امرأة تطرق الباب الموصد، وكأنها تحاول أن توهمنا بأن الرواية قد بدأت، ولكنها تحمل بعض الشفرات، ولكن القارئ سيتفاجأ انها مقدمة لا أكثر بعد أن يدخل الفصل الأول من الرواية والذي يحمل عنوان (كان)...
منذ الفصل الأول سيشُك القارئ ما إذا كانت هذه الرواية كلاسيكية؟! حتى أننا سنجد الراوي يحدث نفسه احياناً بين سطور الرواية، ولكن بعد الصفحات الثلاثين الأولى، سيوقن القارئ أنها رواية تسبق عصرنا هذا بكثير، انها رواية حداثوية بامتياز، حيث وظّفت سميث كل اساليب وتقنيات مابعد الحداثة السردية في كتابة تلك الرواية...
أيضاً سيحتاج القارئ للكثير من الجهد من أجل قراءة هذه الرواية، فروايات آلي سميث لا تُقرأ سريعاً، بينما سنستمتع بجمال اسلوبها، وقدرتها العالية على تشتيت الحدث وجمعه مرة أخرى، سنحتاج لجهد لإدراك ما تكتبه هذه الروائية، التي ستمدنا بالخيوط الأولى من روايتها، ولكنها سرعان ما تخرج عن موضوعها متفرعة لقصص صغيرة ضمن الرواية، عن احداث أو أماكن أو أزمنة معينة، تذكر لنا خلالها حكايات صغيرة لنخرج تماماً حينها عن موضوعة الرواية، ونفاجأ بعد عشرات الصفحات، أن الروائية تعيدنا إلى الموضوعة الأساس، وهذه قدرة لم اشهدها عند الكثير من الروائيين، ذلك أنها لم تفقد القارئ متعته، كما لم تدخله في متاهة (رغم انه قد يظن في بادئ الأمر انه سيدخل في متاهة) ولكن سرعان ما يطمئن بأنه يتتبع روائياً ذكياً سيقوده إلى مبتغاه، اسلوب آلي سميث النادر، والذي يمكن من خلاله تمييز أية رواية نقرأها إنها تعود لسميث دون غيرها، وإن لم أقرأ اسمها على الغلاف، سيكون اسلوبها دليلي إليها، وهو بصراحة اسلوب صعب، مجهد ولكنه سيزيد القارئ لهفة، ومتعة، ورغبة في اتباع ذلك الجنون.
نعم جنون الكاتبة في سردها لتلك الحكاية، التي تتحدث عن آنا الفتاة التي تنحدر من عائلة لا ترتقي حتى الى مستوى البساطة، والسيد مايلز غارث الذي تعرفت إليه لأسبوع واحد ثم افترقا، حين كانت في فترة الصبا، ولكنه لا يزال يحتفظ ببريدها الالكتروني، وبذكريات تجمعه بها، أما هي، فتفاجأ بأن هنالك رسالة تصل لبريدها الالكتروني من قبل آل (لي) الذين يطلبون مساعدتها، لأن السيد غارث اقتحم غرفة في منزلهم وأغلق الباب على نفسه وهو يرفض الخروج، ولم يجدوا في جيب سترته إلا تلك الورقة التي كتب عليها عنوان بريد (آنا) الالكتروني، وأعتقد آل (لي) أنها ستستطيع مساعدتهم، هل ستساعد أنا آل (لي) لإخراج مايلز غارث من غرفة منزلهم؟، وما هي الذكريات التي تجمع آنا بمايلز؟  هل ستنتهي الرواية عند خروج السيد مايلز من غرفة آل (لي) أم أن هنالك أحداثاً أخرى ستجمع هذا الغريب الأطوار، بتلك العائلة... هذه الاسئلة ستجيب عنها الكاتبة من خلال روايتها، التي وظفت خلالها الكثير من عناصر الحداثة فهي رواية حديثة الأسلوب، والتقنيات السردية، والأحداث والأماكن والأزمنة وحتّى الشخصيات، سنتعلم من خلالها ماهو العناء والجهد الذي يبذله القارئ لإكمال الرواية ولكن بمتعة ولهفة شديدتين.