آخر كتاب: (ظالمايا) للروائي العراقي محمد المفتي

آخر كتاب: (ظالمايا) للروائي العراقي محمد المفتي

نوزت شمدين
اعتقدت وأنا أتجاوز عتبة رواية (ظالمايا) للروائي العراقي المغترب في النرويج (محمد المفتي)، أنني سأضطر لقراءة رواية أخرى تحاكي الوطن من الخارج بنبرة استعلاء وعقد مقارنات مللنا من فرط تكرارها.  لكن ومع اتضاح صورة البطل(مايكل الشاذلي) وتحريكه بسلاسة ضمن إطار حدود المكان المفترض المرسوم له، وظهور رمزية العراق في قرية ظالمايا، أيقنت أن علي التريث كيما لا تفوتني المتعة أولاً بسبب جمال السرد، وثانياً للتأويلات الكثيرة المبثوثة بين الصفحات.

"الشيوخ يا ولدي في بلادنا يتدخلون في كل شيء حتى في طريقة استخدامنا للخلاء...”مواجهة مباشرة مع واحدة من أكبر مشاكل العراق، وضعني أمامها المفتي مباشرة في روايته، وراح يتتبع تداعياتها من خلال أحداث تسوق بعضها، في قرية (ظالميا) التي قسمتها ظروف اقتصادية الى قسمين، علوي يقطنه الأثرياء، وسفلي يكافح فيه الناس من اجل لقمة العيش اليومية، ووجوههم متطلعة باستمرار الى الأعلى بانتظار نجدة حياتية تخفف عنهم وطأة الفقر. ويحدث ان أحد أثرياء ظالمايا العليا ويدعى (انطوان)،  يقدم جملة من الوعود لهؤلاء البسطاء ذات صدفة جمعته بهم.  فيبنون عليها آمالهم العريضة وكل ينشغل بما يمكن ان يتحقق له من الوعد الذي تلقاها، ويتخذ في ضوءه قرارات ببيع أشياء أو استدانة مال أو استئجار عقار، وتمضي الأيام والأشهر وهم بانتظار أنطوان الغائب بينما الشيوخ (رجال الدين) يرددون على أسماعهم مفردات الأمل والصبر وكلها عبارة عن أوهام مدفوعة الثمن.
يعالج المفتي في روايته هذه التي صدرت عن دار(فضاءات) سنة 2014 وضمت 254 صفحة من القطع المتوسط، مسألة تداخل الدين بالسلطة، والهوة السحيقة التي باتت تفصل بين طبقتي الأغنياء وهم بغالبيتهم رجال سلطة أو قريبون منهم، وفقراء معدمين معرضين دائما لمختلف أنواع الأزمات سواءً اقتصادية أو أمنية أو اجتماعية. والمحاولات المستميتة التي يبذلها الكثير من رجال الدين مدعومين بأموال ساسة لإبقاء الجهل متفشيا وبالنتيجة أبقاء الفاسدين في مواقعهم.
لغة بسيطة، تنقل بها الكاتب برشاقة بين قسمي القرية، مستخدماً في بعض المواضع أسلوب الاسترجاع  لشرح بعض المواقف، ولاسيما المتعلقة بشيخ يدعى(عبد العليم) وهو ذاته الذي اعترض قبل عقود على إدخال جهاز التلفاز الى ظالميا التي كانت موحدة وقتها، وقال للناس أن الرب سيطالبهم متحدياً في يوم القيامة بإعطاء الصور والأشكال المتحركة في ذلك الصندوق، وأنهم سيفشلون ولذلك سيكون مصيرهم الإلقاء في نار جهنم. لكن وعلى الرغم من ان الناس يكتشفون باستمرار ان ما يتفوه به الشيخ مجرد أكاذيب واستنتاجات لم تنزل من السماء لكنهم وبنحو غريب يظلون منقادين ورائه ويحتكمون الى آرائه التي ما رفعت قط شبر بناء عن الأرض، أو حققت منفعة بقدر المشاكل التي تسببت بها.
تنتهي الرواية بنحو يمكن توقعه من خلال مجرياتها، وهي ثورة في القسم السفلي الفقير، وتغليب لغة السلاح على لغة العقل،  سقوط ضحايا وجداول دماء تسيل ليتحكم المنتصر بالأمور وهي لا تعدو عن النظر الى الأعلى بانتظار معجزة عون تهبط إليه.