من أوراق الملك غازي.. اللقاء الاول مع الملكة عالية

من أوراق الملك غازي.. اللقاء الاول مع الملكة عالية

اعداد:  زهير كاظم عبود
الوثيقة رقم (3)
المملكة العراقية
البلاط الملكي
1/كانون الاول/ 1933
 وفي اليوم نفسه استيقظت صباح اليوم مسرعا لاني بانتظار الاميرة عالية حيث ستصل بالقطار الى عاصمة مملكتها.. وسوف انتظرها قرب جنينة الوالدة وقد انبت عني خالي الامير حسين وبعض المسؤولين.

وفي الساعة السابعة وعشرة دقائق حضره (حضرت) الى قصر الحرم العامر وقد استقبلتها في المدخل وقد بدأ عليها التعب والارهاق من السفر الطويل وقد سررت بقدومها.. وبعد لقاء قصير بيننا حضرة (حضرت) جلالة الملكة الوالدة وقد عزتها بفقيدنا المغفور له جلالة الملك فيصل الاول.
وبعد استراحة قصيرة.. قدمت لها القهوة ولم تتناولها.
ثم ذهبت الى قصر والدها جلالة الملك علي بن الحسين.
وقد تركه (تركت) هذه المقابلة القصيرة الاثر الكبير والطيب في نفسي.. لزوجتي ملكة العراق المقبلة.. لقد كنت مسرورا باللقاء برغم قصره..
حمدا لله على كل نعمه.

التوقيع الملك غازي الاول
ختم البلاط الملكي
1/12/1933 

التعليق:
ولدت الملكة عالية في 19 كانون الثاني من عام 1911 بمكة المكرمة وهي ابنة الملك علي الملك الحجاز بن الشريف حسين بن علي بن عون، وشقيقة الامير عبد الاله والاميرة بديعة والاميرة جليلة والاميرة عابدية.
وقبل ان يقترن الملك غازي بابنة عمه الاميرة عالية، اراد ان يتزوج الآنسة (نعمت) اصغر بنات ياسين الهاشمي حيث كانت صداقة بين بنات الهاشمي وبنات الملك فيصل (شقيقات الملك غازي) وربما تكون اخوات الملك قد حبذن لاخيهن الاقتران باحدى بنات ياسين الهاشمي، وصار هذا الخبر يتردد في الاوساط، وعندما سمع نوري السعيد هذا الخبر طار صوابه، واسرع يوحد جهوده ومساعيه مع جعفر العسكري لإفشال ت تلك الزيجة، اعتقادا منهما انها اذا تمت فسوف تتيح لياسين الهاشمي مركزا خاصا يقضي به على طموحهما السياسي،وقد سافر نوري السعيد الى الاردن واتصل بالملك عبد الله من اجل الاسراع بتزويج الملك غازي بالاميرة عالية ابنة عمه الملك علي.
وقد ذكر مصطفى العمري –مدير الداخلية العام يومها – ما يؤيد هذه الرواية فقال: في يوم 26 ايلول 1933 زارني محمود جلبي الشابندر ومصطفى عاصم، وقد روى لي الاخير، ان ياسين الهاشمي كان يسعى الى تزويج ابنته من الملك غازي، الا ان السعيد وناجي شوكت وجعفر العسكري قد تدخلوا في الامر، ووسطوا الامير عبد الله والملك علي فحالوا دون ذلك، وعقد النكاح على بنت الملك علي، بالرغم من عدم وجودها في العراق.
اما ناجي شوكت فقال في هذا الخصوص:
تلقيت اشارة تلفونية من ديوان الرئاسة لحضور جلسة مستعجلة فوق العادة يعقدها مجلس الوزراء في ذلك اليوم، فلما حضرت وجدت نوري السعيد في حالة هياج شديد، وهو يقول: (هاي عايزة يصبح ياسين عم الملك) ثم اتضح لي ان الملك يرجح ان يكون اقترانه باحدى كريمات ياسين الهاشمي على اقترانه بكريمة عماه، ثم اضاف يقول: وقد ظهر بعد ذلك انه كانت هنالك صداقة بين بنات الهاشمي وبنات الملك فيصل.
وعلى هذا دعي مجلس الوزراء الى عقد جلسة خاصة وسرية لمعالجة هذه المشكلة، وبعد اخذ ورد ارتؤي اقناع الملك غازي بضرورة العدول عن ترجيحه الاقتران بكريمة ياسين الهاشمي على الاقتران بكريمة عمه.
وليس من المستبعد ان يكون نوري السعيد وبقية افراد العائلة المالكة والمقربين منهما قد اقنعوا الملك غازي بالتخلي عن فكرته، وهكذا اتخذت التدابير المستعجلة لانجاز هذا القرار.
وتمت الخطوبة والملكة عالية في الاستانة بعد وفاة الملك فيصل بعشرة ايام أي في يوم 18 ايلول 1933 وكلف الامير عبد الاله بالذهاب اليها واحضارها فجاءت الى بغداد في يوم 2 كانون الاول 1933، اما يوم الزفاف فقد تأجل الى ما بعد انتهاء ايام الحداد وبعد مرور اربعة اشهر على وفاة الملك فيصل الاول من غير جلبة ولا ضوضاء ومن غير ان تقام أي مراسيم في البلاد احتراما لزعيم الاسرة الهاشمية واول ملك للعراق بعد استقلالها.
وقد وزعت الخيرات على الفقراء في جميع انحاء العراق واقامت الحكومة ولا ثم في الساحات العامة واطعمت الطعام لكل من حضر وقد صرفت في كل لواء 15 دينارا للخيرات، وامر الملك بتوزيع مبالغ اخرى على المعاهد والجامعات الخيرية في العاصمة.
اما حفلة القران فكانت غاية في البساطة لم يدع اليها احد غير امراء البيت المالك والوزراء وقاضي بغداد ورئيس مجلس النواب مراعاة للحداد وحضر الملك عبد الله حفلة القران هذه واقتصرت على تناول طعام العشاء على المائدة الملكية.
وانتقلت الملكة عالية الى بيتها الجديد (قصر الزهور) وفيه اخذت تتلقى دروسا في العلوم والاداب على مدرسين ومدرسات ممتازين.
والحقيقة التي لاجدال فيها ان الملك غازي لو تزوج ابنة ياسين الهاشمي (نعمت) لتغير العراق وسارت البلاد في غير الاتجاه التي سارت عليه فيما بعد، وفي تاريخ العراق كثير من الامثلة على ان زواج الملوك يغير مجرى تاريخ اوطانهم التي يحكمونها فقد تسعد وقد تشقى نتيجة ذلك.
ويروي توفيق السويدي جانبا من الاحاديث التي دارت بينه وبين الدوتشي موسوليني في شهر ايار 1934 بخصوص زواج الملك غازي فيقول:”سألني موسوليني عن زواج الملك غازي الاول بابنة عمه، فعلق على ذلك قائلا: انه كان يرجح ان يتزوج الملك غازي باحدى بنات ملوك الدول العربية المجاورة للعراق او البلاد الاسلامية حتى تتأثر الصلات وتتأيد الوشائج فيما بينهم، وذكر بصورة خاصة من انه لو كانت الفرصة قد اتيحت لجلالة الملك غازي للزواج باحدى بنات الملك فؤاد ملك مصر، لكان ذلك احسن للطرفين اذ ما فائدة البقاء في دائرة شيقة من القرابة مع العلم ان التوسع فيها يؤدي الى نتائج للبلاد".
وقد نشرت جريدة الاستقلال وصفا لاستقبال الاميرة عالية عند وصولها الى بغداد من دخولها الى الحدود العراقية التركية.
من دخولها الى الحدود العراقية التركية حتى وصولها الى بغداد، فقالت:
وصلت صاحبة الجلالة الملكة يرافقها سمو الامير عبد الاله الحدود في تل زوان الساعة الثامنة والدقيقة 35، واستقبل جلالتها هناك مدير شرطة الموصل، وكانت معه سيارتان مسلحتان، ولما وصلت الملكة بئر عكلة استقبلها متصرف الموصل وسار في ركابها الى الموصل حيث نزلت في دار المتصرف وأمضت ليلتها هناك.
وفي الساعة التاسعة قبل الظهر 30/11/1933 غادر ركابها الموصل الى كركوك بالسيارة تخفرها مصفحتان الى الكوير ورافقها المتصرف ومدير الشرطة وفي الكوير استقبلها متصرف اربيل ومدير شرطتها وودع جلالتها هناك متصرف الموصل ومدير شرطتها الى مقر وظيفتهاز
ورافقها كل من متصرف اربيل ومدير الشرطة الى (التون كوبري) حيث كان في استقبال جلالتها متصرف كركوك ومدير شرطتها اللذان رافقا الركاب الى كركوك اذ نزلت ضيفة كريمة في دار المتصرف وفيها تناولت الغداء مع الحاشية الملكية.
وفي الساعة السادسة والدقيقة 50 بعد الظهر استقلت الملكة وشقيقها القطار الخاص مع الحاشية من كركوك الى بغداد وكانت قوة من الشرطة بقيادة احد المعاونين، وفي الساعة السادسة صباحاً شرفت جلالتها العاصمة وكان في استقبالها في المحطة الامير حسين مندوباً عن جلالة الملك غازي وصبيح نجيب مدير الشرطة العامة وتحسين قدري مدير التشريفات ومحمود  حلمي امين العاصمة وعبد الرزاق حلمي متصرف لواء بغداد وعدد كبير من كرام السيدات والاوانس حيث كان قد اعدت لهن في المحطة غرفة خاصة للانتظار.
وعند نزول جلالتها من القطار  استقلت سيارة ملكية خاصة وقصدت قصر الحرم العامر وقدمت التعازي الى جلالة الملكة الوالدة ومن هناك ذهبت الى قصر والدها الملك علي.
ويذكر الكاتب السيد سالم محمد كريم في مقال له منشور في جريدة الجريدة بعنوان (صورة قلمية لزفاف الملكة عالية) يقول فيه:
سافر الامير عبد الاله شقيق الاميرة عالية الى الاستانة في تركيا مكلفا من والده الملك علي ليصطحب شقيقته الاميرة عالية الى بغداد لاتمام مراسيم الزواج بزوجها وابن عمها الملك غازي ملك العراق وبعد ان امضى بضعة ايام هناك اتى الى بغداد وبصحبته الاميرة وقد سلكا الطريق البري الذي يربط تركيا بالعراق مرورا بلواء الموصل العراقي ومن ثم كركوك فالى بغادد حيث حلت في قصر والدها الملك علي ببغداد بجانب الكرادة بانتظار اجراءات الزفاف من ابن عمها بعد انتهاء فترة الحداد على عمها الملك فيصل الاول.

من كتاب (من أوراق الملك غازي)