الرعب الياباني في الأدب..     حيث تتأثر الكتابة القصصية بأحوال عالم الطبيعة

الرعب الياباني في الأدب.. حيث تتأثر الكتابة القصصية بأحوال عالم الطبيعة

ترجمة / عادل العامل
لا يُنظر نموذجياً إلى نوع الرعب الأدبي أو الفني على أنه "نوع بطيء". وأفلام الرعب اليوم، في الحقيقة، غالباً ما تعطي انطباعاً بأنها اختبارات تتعلق بالاستجابة المحفزة حيث الأحداث الصادمة تحدث فجأةً ومن دون إنذار، كما يقول إيوجين ثاكر في مقاله هذا. وعلى كل حال، فإن مخرجي أفلام الرعب اليابانيين يتبنون تقليداً آخر، تقليداً تتكشف فيه الأحداث تدريجياً.

ولدينا هنا المخرج كيوشي كَروساوا، الذي أصبح فلماه "علاج Cure" (1997) و"نبض Pulse "   (2001) من كلاسيكيات الرعب الياباني. ففيهما، يحدث كل شيء ببطء كما لو كان في حلم أو في حالة انتشاء. وشخصياته فريسة للتكشف التدريحي والختمي لأحداث غريبة ستظل أبداً وراء مدى فهمها. والنتيجة ذات طابع تنويمي: إنها كما لو أن الرعب متمدد ويُعاش بحركة بطيئة slow-motion.
وفي تاريخ الأدب الياباني، يُعد آيزومي كايوكا (1873 ــ 1939) أستاذ "الرعب البطيء". وقد عاش كايوكا، وكان كاتباً انعزالياً، استبطانياً، غريب الأطوار، الكثير من حياته في فقر وبصحة سيئة، وتنقل تكراراً هنا وهناك في الريف الياباني ليتشافى من اعتلالات صحية متنوعة. وقصصه ليست حكايات فولكلورية تماماً، وكانت تفتنه وهو صبي مجموعة kusazōshi التي لدى أمه (وهي كتب مزودة برسوم)، وكان معجباً طوال حياته بالروايات الهزلية اليابانية مثل "توكيدوتشو هيزاكيوراج" لجيبينشا آيكو.
وتُبدي كتابة كايوكا تجاذبات مع مؤلفين غربيين مثل جيرارد دي نيرفال وتشارلس بودلير، لكنه كان أقل انشغالاً بالفساد المدني الحديث من نظيره الفرنسي، مفضلاً بدلاً من ذلك الظلال الضبابية للريف الياباني.
وهذا المؤلف الوافر الانتاج، مع أكثر من 500 عمل باسمه ــ مسرحيات، ومقالات، ومحاضرات مصورة عن رحلات، وقصص قصيرة ــ لم يلقَ إلا اليوم الاهتمام الذي يستحقه. وهذا جزئياً بفضل الترجمات الانكليزية الحريصة لكتاباته بقلم تشارلس شيرو إنوي في "الحكايات القوطية Gothic اليابانية" و"في ضوء الظلال"، التي تقدم قدراً من أدب كايوكا القصصي، من حكاياته المبكرة عن الرعب القوطي إلى رواياته القصيرة اللاحقة الشبيهة بالحلم. وبالرغم من تجاهل النقاد لكتاباته تقريباً خلال حياته، فإن مقاربته الفريدة لما هو فوق طبيعي قد ألهم الروائيين، مثل هاروكي موراكامي وجيونيتشيرو تانيزاكي. وقد قال عنه يوكيو ميشيما إن كايوكا " قد استمد من مفردات لغوبة غنية كالبحر ليصوغ جملاً ذات حجر ثابت وينغمر داخل غابة عميقة من الروحانية اليابانية ".
وما يجعل هذا الكاتب الرائد فريداً هو الغنائية القاتمة التي تجري على امتداد قصصه، غنائية لا يمكن فصلها عن افتتانه بالعالم الطبيعي. فيمكن أن يتخذ وصف جبل أو غابة لديه أبعاد هذيانية، حين تصبح حالات داخلية وخارجية منجدلةً معاً، وتنتج سكوناً تنويمياً مخيفاً. فتجد في إحدى قصصه رجلاً كبيراً في السن يسترجع في ذهنه يوماً من الماضي البعيد حين راح يسير في الجبال ليحاول الانتحار: " وكانت هذه الأوراق الحمر خضراً آنذاك. وأخذتُ أتسلق عبر ظلال الأشجار. وحين تطلعت نحو المقبرة، كانت قمة التل مغطاة بالضباب. ولهذا لم يمكنني أن أرى شيئاً. كان ذلك كما لو ان شواهد القبور قد اختفت فجأةً مثل السراب. لكني رأيت عبر أشجار القراص، نور منارة المعبد الطويلة، آتياً إليَّ من خلال الأغصان، ماراً بين الأوراق، وهو يحيّي أرواح الموتى، ويرحب بالندى، بينما فوق رأسي كان الشبح الطويل لشرابة نبات ويستيريا الزاحف ينجرّ، متمايلاً أمام عينَيّ ".
وفي قصته "الرجل المقدس من جبل يوكا"، نجد الطريق الذي يسافر عليه راهب تدريجياً يفسح المجال لممر مشجر، يتلاشى نفسه تدريجياً، تاركاً الراهب وحيداً في الغابة. وتحيط به أشجار متمايلة، وحشد من الحشرات، وأخيراً انهمار طفيليات. ويقف الراهب، وهو مرهق ومهتاج، منذهلاً في رعب: " لقد كانت هذه الطفيليات الجبلية المرعبة قد تجمعت هناك منذ عصر الآلهة، متربصة بانتظار عابر سبيل... وفي الوقت نفسه، فإن هذه الأشجار الهائلة جميعاً، والكبيرة بما يكفي لحجب شمس الظهيرة حتى، سوف تتحطم متجزئةً إلى قطع ضغيرة ستتحول بعدئذٍ حتى إلى مزيد من الطفيليات ".
وقد اتخذت الغابة خاصيات أرواحية animistic إذ تمر الحدود فيها بين ما هو حيواني، ونباتي، ومعدني. ويلاحظ الراهب، " إن تدمير الجنس البشري سيبدأ مع تحول غابات هيدا إلى طفيليات وينتهي مع كائنات سوداء تسبح في الدم والقذارة. وعندئذٍ فقط سيبدأ جيل من الحياة ".
وشخصيات كايوكا عادةً جوّالة أو ضائعة ــ أو كلتاهما معاً. وهي مسكونة بطريقةٍ بالماضي، بذكرياتها، بموت أحبائها و، أجل، بعفاريت وأرواح واقعية. ونجد شخصياته تنساق عبر بلدات، وقرى، ومعابد وتمر في الآخِر عبر مداخل غامضة في غابات عادةً، أو على جبل، أو قرب نهر أو بركة. وما بعد هذا، تكتشف فضاءً آخر لا هو بلدة ولا غابة، ولا هو حلم ولا هلوَسة ــ فضاءً طبيعياً وفوق طبيعي معاً.
كما كان كايوكا كاتباً ضد عصره، حيث كان السرد القصصي يميل نحو الواقعية، بلغة بسيطة تصور حيوات الناس العاديين اليومية في قصص ذات سلسلة طولية من الأحداث واتجاه واضح. أما كايوكا، فقد استفاد من التقنيات الأدبية الحداثوية ــ قصص داخل قصص، رواة غير موثوق بهم، إشارات خفية ــ من أجل أن يخلق عالمه المبهم، معبّراً عنه في الغالب من خلال أوصاف للطبيعة مضيئة ومتّسمة بطابع التنويم المغناطيسي.
ورغم أن الكثير من قصصه تتناول موضوعات الحب والموت، فإن العالم الطبيعي هو الذي يسود كتابة كايوكا, وإذا كانت قصصه تستحضر " الرعب البطيء "، فذلك ربما لأنه يستمد الكثير من الطبيعة باعتبارها مصدراً لإلهامه. فكل شيء يتحرك ببطء، وعلى مستوىً كوكبي شاسع، مختلف عن انشغالات البشر القصيرة المدى.
عن/   Japan Times